شريط الأخبار

كتبت ميرفت صادق : صاحب الظل الأزرق الكحلي

11:26 - 21 تموز / فبراير 2013


في جمعة كسر الصمت، كما سمّاها شبان الانتفاضة الجديدة، بدا صوت الرجل الذي هتف " حرية عزة كرامة .. الموت لإسرائيل" وكأنه شرارة المعركة.. ومباشرة بعد ارتداد صوته إلى حلقه الجاف، باشر مئات الشبان بكسر الصمت بالحجارة حينا وبالمولوتوف حينا آخر.
كان صاحب اللباس الأزرق الكحلي – الشيخ خضر عدنان – في يومه الخامس للإضراب عن الطعام، يلقي بظلال قدسية على الحدث، قبل أن يغادر لاعتصام آخر..
وعندما تناقلت صفحات الفيس بوك نيته المشاركة بصلاة الجمعة المقرونة بمواجهة أكيدة مع جيش الاحتلال، بدا الأمر مستغربا، إذ أن الرجل مضرب عن الطعام، وقد بدأ فعلا يعاني من تداعيات الجوع. لكن زيارة واحدة لمقر الصليب الأحمر حيث يعتصم مع أربعة مضربين عن الطعام ستطيح باستغرابك.
منذ الاثنين 11 شباط، انتقل خضر عدنان صاحب تجربة الإضراب التي أشعلت السجون الاسرائيلية للعام الثاني على التوالي، إلى مقر الصليب الأحمر بمدينة البيرة و - بصورة مفاجئة وبلا استعدادات كما قال- ارتدى لباسا رياضيا من الأزرق الكحلي، وجلس على فرشة خفيفة وأعلن إضرابا مفتوحا عن الطعام. وتماما كما في الأسر، يعتاش على الماء والملح فقط.
في اليوم التالي كان يستعد لمؤتمر صحفي بالمكان الذي أخلته المؤسسة الدولية – بحجة أنها محايدة و لن تقبل مواقف سياسية بمقرها- وكانت والدته تتصل به ويطلب منها الدعاء وأن تنتبه جيدا لأطفاله، وكأنه سيغيب طويلا !
بعد أيام عدنا لمقابلته في نفس المكان، لا زال يجلس على الفرشة الخضراء ذاتها، بغطاء بسيط وباللباس ذاته، انقطع عن عمله ولا يتواصل مع عائلته إلا بصورة قليلة جدا تماما كما يتاح للأسرى في السجون، لكن مع مريدين كثر يصلون المكان كل يوم ..
خلال وجودنا، خرج قليلا للقاء أقارب له، كما الزيارة الخاطفة، وعاد ليقول أن طفلتيه معالي وبيسان مصابتان بالحمى .. وتصرف كما لو أنه في السجن أيضا؛ نقل النصائح للعائلة وطلب منها الدعاء فقط، وعدم الحضور لزيارته... وعلمنا لاحقا أنه لا يقص أظافره، وبالطبع هو لا يحلق ذقنه ولا يغير ملابسه، تماما كما هي حياة الأسرى المضربين عن الطعام.
يحاول الشيخ عدنان تقريب للناس صورة معاناة الأسرى، ويقول للجميع تعالوا وانظروا " أنا مضرب منذ 11 يوما اليوم، انظروا لحالتي، ما بالكم بمن هو مضرب منذ 200 يوم كسامر العيساوي وأيمن الشراونة و88 يوماً كما جعفر عز الدين وطارق قعدان" !
وفي المكان يجلس بقربه شبان لا يعرفونه غالبا إلا كما يعرفه الجميع، أحدهم نائل الحلبي شقيق ثلاثة أسرى وأسير سابق وهو طالب بجامعة بيرزيت، ويضرب عن الطعام تماما منذ ستة أيام، وثلاثة آخرون من جنين ورام الله، جاؤوا فقط لأنهم لم يملكوا ما يفعلون للأسرى سوى مشاركتهم جوعهم ومساندة " فكرة الشيخ خضر عدنان". وجميعهم يلتزمون بالإمساك عن كل شيء سوى الماء والملح فقط، ويتحركون ببطء.. ويتلقون زيارات من أمهاتهم أحيانا وأمهات أسرى آخرين غاضبات من موقف الصليب الأحمر ومحبّات لخضر عدنان في مشابهة لأبنائهن..
وفي الأيام الأخيرة، كي تصله في الصليب الأحمر يجب أن تتأكد من وجوده، فرغم وهنه وجوعه يجول على المستشفيات لعيادة الجرحى وعلى وقفات التضامن مع الأسرى، و يتكئ في ذلك على رفاق قريبين وبعيدين، وبعضهم بعيد عنه فكريا لكنه قريب منه قلبيا ولا يخفي حبه له كل حين، كما فعل " رفيق " يعمل حقوقيا ويشارك خضر عدنان انحيازه لقضية الأسرى... لقد قال عنه :" أريد أحيانا أن أسرقه وأخبئه في سترتي" !! ...
في الحقيقة، كل من يصل المكان المجلل بالأعلام الفلسطينية وصور المعتقلين ينتابه هذا الشعور ( الحاجة لأن يخبئ خضر عدنان في صدره).. وكأن الجميع هنا يتجاوزون فكرة التضامن مع الأسرى وجوعهم للحرية، إلى ما هو أبعد .. ربما فكرة البحث عن " رمز مقاوم " يستشعر الفلسطينيون غيابه منذ زمن طويل، لا يحمل الصفة الفصائلية بل يشعل الفكرة ويحرض على العمل، بصوت خافت وقريب إلى القلب .. !


انشر عبر