شريط الأخبار

كم على الماء كتبنا وذهب..علي عقلة عرسان

12:48 - 15 حزيران / فبراير 2013

هل تُراه تنبأ لنا حافظ الشيرازي واستقرأ زماننا وحالنا، وكان لساننا حين قال: ".. فيا رب اجعل تراب أجسادنا طينة تنديها دموع العين.. فقد آن الأوان لتعمير القصور الخربة في قلوبنا.".؟! لا أستبعد استشراف الشاعر لزمن غيره من شرفة يطل بها على الزمان، فيرى ما لا يتوقع أن يرى، كأن يبصر تمثال المعري بلا رأس، والمتنبي مصلوباً في بلاط سيف الدولة، وأبا فراس ينوح مع حمام الدوح ويسأل فرجاً فلا يُجاب سؤلُه..

أوما يسأل كلٌ منا اللهَ سبحانه وتعالى فرجاً في كل وقت، وقد اشتدت علينا المحنة في هذا الوقت وأصبحت شبه فتنة وأكثر من امتحان؟! فجعلتنا نرى ما يشبَّه لنا حقائق، وأضغاث الأحلام وقائع.. ونبصر ما لم نتوقع أن نبصر، ونسمع ما لم يكن يتصور أحدنا أن يسمع؟! فنهرول في كل اتجاه طلباً للوعي والإدرك والاعتصام بالعقل وافيمان.. حتى لا نكفر بالمنطق في زمن نحن أحوج ما نكون فيه إلى المنطق، حيث نعيش في زمن يسخر بالمنطق والصدق والثبات على الحق والمبدأ.. نتوسل القول نثراً فينثر منا الريشَ و" الفشَّة" جهل بالقول وبمن يقول وبما يُقال، فنذهب إلى الشعر لنعود من قممه ووهاده مجرحي المشاعر والخدود، تدمع منا القلوب ولا تستجيب لها العيون، فقد تجمد جريان المشاعر والماء مع الدماء في زمهرير الوقت هذا.. ولكن يبقى كل منا حي حتى لوكان مثل تمثال يرى ويسمع، ويبقى كل منا ثابت الجنان في المكان حتى لو لم يتحرك.. يقبض على الجمر ويحترق..  ترى أي وضع هذا، وأي وقت هذا، واي كلام ينطبق علينا في وضعنا هذا؟!

يا للدَّهشة.. أرى ما لا يُرى؟ أسحرٌ تراه، أم منامٌ، أم خيال؟

"جنحان أخضران في سحاب من خضاب..

رِجلان شَفَّتَا كتبر في التراب..

رأسَ طفل يبحر في مهْمَهِ الضباب..

أمطار كبريتٍ تذيب الجماجم..

وسيف مقتٍ يرعف فوق الهضاب،

خيوطاً من الدم يسيل أوسمة،

فوق صدور من عذاب..

أية كآبة، وأي اكتئاب.."؟!

ما هذه المشاهد المعلقة في فضاء المُقْلة، تشكل أفق الرؤية وترسم صورة الوطن؟!

مثل كابوس يمر الوقت، يسد بوابات الخيال ويحاصر الذاكرة، ويكتم الأنفاس، ويسجِّل غياب الحضور.؟

مشهد يُحَنّي الجسدَ، بعد مشهد آخر يُحنّي البلَدَ.. ويستمطر دمعاً في فضاء الروح..

أي المشهدين يليق بك أكثر أيتها المكلومة المفجوعة ببنيك..؟!

يا جمهورية يريد لها بعض بنيها البؤس والسأس؟!

الغناء بلا ترجيع،

والمدى يبتلع الصدى،

والصدى ذاتُه صقيع؟!

برد القلوب يمتدّ في الكلمات..

المشهد باهت.. المشهد باهت..

يا لهذا الوقت الذي يغمر النفسَ..

ليلٌ في النهار، بينما الشمس تغمر المدى؟!

يا قلباً يشتاق الأمن والشمسَ!.

لا تحزن..

لا تيأس..

البرزخ يفضي إلى انفراج،

الإعصار يهدأ..

والبحر يصفو..

والشمس تُشرق..

والفضاء الرحب يتفتّح أملاً.

لا تحزن يا قلب..

لا تيأس يا قلب..

بعد كل ضيق فرج..

ورحمة الله وسعت كل شيء،

والله مع الصابرين.

* * *

أحجية مقيمة.. تقول:

"مُريكبٌ في أبحُر الظلام..

وشمعةٌ واجفة تغوص في الهلام..

ولجةٌ من زمهريرٍ يلجم الكلام..

وشاخصٌ ظلاله هَمٌ على أوهام.."؟!

فمن تُرى يفسر الأحاجي المقيمة، يفتِّق الأحلام..

يشرحها الأنفسَ بالكلام..

لتبحر الزوارقُ الخضراء في الظلام.؟!

أراهمُ..

يندفعون في مدى الإبصار..

في مَهْمَهِ الإعصار..

كعالَم يكتنز الأسرار؟!

يا حسرة قاتلةً..

من ينقذ المغرور من دوامة يثيرها غرورُه إعصار..؟!

مَن ينقذ الغارق في دمائه..

مَن ينقذ البحّار من دوامة البِحار؟!

مِن وهم علم يقتفي الأسرار بالتمائم ويتبع الأشرار؟!

في عالم يكتنز الأسرار..

ويقتفي المجهول بالمعلوم والعلوم..

ليكشف الأستار..

ويملك الأسرار..

ويربح النهار.؟!

مَن يا تُرى.. مَن يا تُرى..؟!

وتستمر الأحجية..

ويَأفُل النهار.

 *  *  *

ما بين قرب ونوى.. مشوار..

ما بين قربٍ ونوى.. فضاء..

يرسمه القضاء..

"الوقت ريحٌ عاتية..

قلبي أنا.. بَحَّار.

والروح مثل جارية..

في قبضتيْ جبَّار."

ما بين قرب ونوى.. مشوار..

ما بين روع وأمانٍ.. يُظْلِمُ المشوار..

ما بين قلبٍ وهوى.. مشوار..

 *  *  *

ذاهلٌ أنت.. أمن دون سبب..؟!

اسأل التاريخ.. وابحث وأجب..

هل ترى في الماء آثار عَطَب؟

هل ترى فيه تلاوينَ عجب؟

طينك المجبولُ بالإثم كتَب..

كم يزيل الماءُ ذكرى من كتَب..

بدماء الناس من دون سبب؟!

كم على الماء كتبنا وذهب..

يذهب الكاتبُ بالماءِ على الماءِ ويُمحَى ما كَتَب.

يذهب الإنسان أخباراً ويبقى مَن وَهب.

ويظل الناس تيهاً.. وتظل النار تقتات الحطب.

ها أنا جهلٌ تعرَّى مثلما عقد ندى في زمهرير

جدول العتمة لا لون له ولا خرير..

وأنا الظلمة والماء وعين الزمهرير..

من ينير القلب للمبصر، مَن يهدي الضرير؟!

يكتب الناس على الماءِ ويمضي كاتب بالما على الماءِ، ويمضي ما كَتَب.

وتصيب الخلقَ ألوانُ عَطب..

وعيون الماء تبكي..

وترى ما لا ترى كل العيون..

ويُبيح الدمع سراً لا يُباح..

من ترى يدري أفانين الظنون.؟!

*  *  *

يا.. ياه..

مسكين قلب اللؤلؤ..

راح الصدفُ العذبُ..

وذاع الموتُ الخصبُ..

وحشٌ ينهش لحم الماء..

وعين تطلب عطف الماء.

وقلب غِرّ يصبو صبوه فوق الماء..

يلهث في رمضاء الملح، وقلب الملح خواء. 

يا.. ياه..

مسكينٌ قلبُ اللؤلؤ.

جوهر عينٍ صاح:

"أرى ما لا يُرى..

أبيح ما لا عمره يُباح.."

مسكين قلب اللؤلؤ..

يُقتَل كي لا يَرى..

وكي لا يُستباح.

يا.. ياه..

مسكين قلب اللؤلؤ..

جوهر عين راح..

يرى ما لا يُرى،

يُبيح ما لا عمره يُباح..

يُقتَل كي لا يَرى..

وكي لا يُستباح.

مرآة.. اللؤلؤ..

ينظر فيها الناس..

يرون..

يعرفون..

يغضبون..

يهتفون..

وتُهتَك الأسرار..

وتُنشَر الأخبار..

وتصبح القصورُ عارية..

مباحةً.. رابعةَ النهار.

من ذا يشكِّل المحارَ سارية..

ويرفع الأسرار رابية..

ويجعل النفوس والكهوف والسجون والقصور عارية..

رابعةَ النهار..

ويترك القلوبَ راضية؟!.

أمنية الإنسان..

على مدى الزمان..

أن تصبح القلوب راضية..

أن يورقَ البيان..

وأن يرى الإنسان..

حقائق المكان والزمان.

وكان.. يا.. ما كان..

على مدى الزمان.

* * *

يا عابرين في المكان.. أوقفوا الزمان..

في قمة انبهار..

كي تُحقَن الدماءُ، ويسكتَ الرصاصُ، ويُوقف الدمار..

وتصمد الحياة..

في وطن الأزهار..

ما بين فجرٍ وضحى وضفتي نهار.

يا عابرين في المكان أوقفوا الزمان..

في قمة انبهار..

كيما نرى في زحمة الأحداث والغبار..

بعض الذي جرى.. وبعض الذي كان.

جسري أنا من ها هنا ينهار..

من ها هنا، وها هنا.. ينهار..

ألمحُه في لُجج الإعصار..

أَلمحُه في زبَد البحار..

حوريةً منزوعة الدّثار..

يهصرُها التيارُ في أحضانه..

يتركها "ازدهار"..

وعريها انبهار..

بوابةً مخلوعة الأقفال والمدار..

مشرعةً على المدى..

يشعل فيها الفاجرون النار..

ما بين فجر وضحى وضفتي نهار..

يا عبراون في المكان أوقفوا الزمان..

كي تصمدَ الحياة..

ويُنقَذ الإنسان.

دمشق في 15/2/2013

 

                                                        علي عقلة عرسان

 

 

انشر عبر