شريط الأخبار

في الولايات المتحدة يشككون بسياسة التصفيات.. هآرتس

11:21 - 15 تشرين أول / فبراير 2013

 

بقلم: عاموس هرئيل

       (المضمون: فترة الانتفاضة الثانية تصمم حتى هذا اليوم الوعي السياسي للاسرائيليين، اذ تقدم مفعولا للاشتباه الكبير الذي يكنه معظم الجمهور في البلاد تجاه نوايا الفلسطينيين وترسخ الدعم الواسع نسبيا لبنيامين نتنياهو كسياسي حذر لا يسارع الى مخاطر غير مدروسة في المفاوضات للسلام - المصدر).

          مشوق أن نتابع، في نظرة من اسرائيل، النقاش الجماهيري الجاري في الولايات المتحدة في الاشهر الاخيرة حول آثار الحرب العالمية التي يخوضها الامريكيون ضد الارهاب الاسلامي. فأمريكا تتصدى الان، بتأخير ما، للمسائل التي طرحت قبل بضع سنوات من ذلك حول الصراع الاسرائيلي طويل السنين ضد الارهاب في المناطق وفي لبنان. وبايجاز، هذه مسألة كم بعيدا يمكن للديمقراطية المدافعة عن نفسها ان تسير في الوسائل التي تستخدمها ضد الارهابيين الذين يشخصون نقاط ضعف المجتمع الغربي. بقدر ما فان النقاش الجماهيري في الولايات المتحدة أعمق بكثير منه في اسرائيل.

          يمكن أن نحدد هذا الصراع زمنيا بالعقد الذي بين الهجوم الارهابي في 11 ايلول 2011 وتصفية اسامة بن لادن او الثماني سنوات والولايتين للرئيس جورج بوش. ولكن، هذا لن يكون تشخيصا دقيقا: فالامريكيون يواصلون اتخاذ خطوات بعيدة الاثر في الصراع حتى في ولاية الرئيس الحالي براك اوباما. فادارة اوباما هي التي بلورت فتوى تسمح للرئيس باقرار تصفيات في خارج البلاد دون محاكمة لمواطنين امريكيين مشبوهين بالارهاب وكان الرئيس نفسه هو الذي خرق وعدا انتخابيا له باغلاق المعتقل موضع الخلاف في غوانتيمانو.

          في الولايات المتحدة يترددون في هذه المسائل بسبب تطورات جديدة، ولكن ايضا في أعقاب الانشغال بها في الثقافة الشعبية. فالاستماع لرئيس السي.اي.ايه المرشح، جون بيرنان، رفع الى النقاش سياسة تصفية نشطاء الارهاب ولا سيما استخدام الطائرات بدون طيار لهذا الغرض.

          فيلم سينمائي مرشح للاوسكار "تأهب مع الفجر" عن تصفية بن لادن، بعث الى الحياة من جديد الخلاف حول استخدام التعذيب عند التحقيق مع الارهابيين في ظروف تفترض ذلك برأي الاستخبارات الامريكية. اما التقارير في الصحف البريطانية والامريكية عن اساليب جديدة طورتها الصناعة الامنية الامريكية لتحليل نشاطات الاحتجاج من خلال متابعة الشبكات الاجتماعية فتثير نقاشا عن حدود تدخل الادارة والخطر على حريات المواطن في العصر الرقمي.

          ولا تتبلور الحروب في افغانستان وفي العراق والصراع الداخلي ضد الارهاب معا الى صدمة امريكية بقوة صدمة حرب فيتنام. فعدد الخسائر فيها اقل بلا قياس، واحساس الفشل هو الاخر اقل، فما بالك انه يغيب هنا التجنيد الالزامي في الصيغة التي كانت متبعة في عهد فيتنام، ثمن الحروب الاخيرة بعيد عن ان يكون ملموسا في كل بيت امريكي. ولا يزال يجري هناك نقاش يقظ، بل حتى يثير الحسد بقدر ما.

          كل المسائل التي ينشغل فيها الامريكون تلامس المسائل التي تتصدى لها اسرائيل. فقد جرى تطوير سياسة الاغتيالات وتوسعت من قبل الجيش والمخابرات الاسرائيلية منذ بداية العقد الماضي (النموذج الذي أثر غير قليل على الاستراتيجية الامريكية ايضا). فعلى مدى السنين قتلت اسرائيل هكذا عشرات عديدة من المخربين بلا محاكمة. واسرائيل لا تعقب على ذلك رسميا، ولكن الصحافة الدولية تمتلىء منذ سنين بالتقارير عن استخدام اسرائيلي للطائرات بلا طيار التي تهاجم لغرض التصفيات في المناطق وفي دول بعيدة. ومع أن التعذيب محظور بأمر من المحكمة العليا في 1999، الا انه لا يزال هناك مجال لا بأس به لاستخدام ما يسمى "وسائل شاذة" في تحقيقات المخابرات، التي مورست غير مرة في عهد الانتفاضة الثانية في محاولة لتصفية "القنابل المتكتكة".

          وكانت الاستخبارات الاسرائيلية بدأت تركز جهودا كبيرة في متابعة الشبكات الاجتماعية للمنظمات الاسلامية ونشطاء اليسار الاجانب، بعد المفاجأة التي تكبدتها من منظمي الاسطول التركي في 2010 (قضية مرمرة). وهذا الاسبوع فقط طرحت ادعاءات ضد الشرطة لانها استخدمت وسائل مشابهة جدا لملاحقة نشطاء الاحتجاج الاجتماعي في اسرائيل.

          ولكن في كل ما يتعلق بالنقاش الجماهيري للوجه الاكثر تعقيدا للصراع ضد الارهاب، تبدو أن اسرائيل لا تزال بعيدة مسافة طويلة عن الولايات المتحدة. ومسائل مثل شرعية سياسة التصفيات وان كانت رفعت الى محكمة العدل العليا في العقد الماضي، الا انها شطبت عن جدول الاعمال الجماهيري بسرعة شديدة. فالامتناع عن هذا الانشغال لا ينبع فقط من الاثار الاخلاقية بعيدة المدى التي لقسم من الوسائل التي اتخذتها اسرائيل في الصراع العدواني الذي ادارته ضد الارهاب. يخيل أنه من ناحية معظم الاسرائيليين، فان الخمس أو الست سنوات الاولى من العقد الماضي، سنوات الانتفاضة الثانية لا تزال مثابة كابوس يفضل كبته في الزوايا الاكثر خفية من الذاكرة. هذه الحرب وان لم تنتهي بحسم قاطع – مشكوك ان يكون الامر ممكنا على الاطلاق في الصراع ضد الارهاب وحرب العصابات، ولكن واضح أن الجيش والمخابرات الاسرائيلية نجحا في قمع هجمة الارهاب الفلسطيني من الضفة الغربية. اكثر راحة  نسيان التفاصيل، حين يبدو أن النجاح النسبي دفن الخطر العميق في القبو.

          مفهوم أيضا ان تواصل الاحداث التي تعتمل منذئذ – وفاة ياسر عرفات، فك الارتباط عن قطاع غزة، مرض ارئيل شارون، حرب لبنان الثانية - ساعد كبت التجارب القاسية للانتفاضة. ثمة شيء ما غريب في أن الهجوم الاجرامي للانتفاضة الثانية، والتي جبت حياة اكثر من 1.100 اسرائيلي، معظمهم مدنيون، تبحث هنا في السنوات الاخيرة أقل مما تبحث حرب لبنان الثانية، التي اجمالي خسائرها في الطرف الاسرائيلي لا يصل حتى الى سدس هذا الرقم.

          لقد ابعدنا الانتفاضة الثانية وكبتناها، ولكن لا يجب الاستخفاف بتأثيرها. يخيل أن هذه الفترة تصمم حتى هذا اليوم بقدر كبير الوعي السياسي للاسرائيليين. فهي التي تقدم مفعولا للاشتباه الكبير الذي يكنه معظم الجمهور في البلاد تجاه نوايا الفلسطينيين وهو الذي رسخ الدعم الواسع نسبيا لبنيامين نتنياهو كسياسي حذر لا يسارع الى مخاطر غير مدروسة في المفاوضات للسلام. ومن الجهة الاخرى لجدار الفصل، لا ريب أن المعاناة الفلسطينية في سنوات الانتفاضة رفعت مستوى الغضب والكراهية تجاه اسرائيل، في نفس الوقت الذي خلقت فيه ما وصفه موشيه بوغي يعلون بانه "كي الوعي" – ذاك الوعي الملموس جدا لثمن الخسارة الذي تنطوي عليه المواجهة، والذي يعمل اليوم ايضا في المناطق كوسيلة تكبح الجماح وتمنع حاليا التدهور الى حرب اخرى من الارهاب.

          ومع ذلك، فان الشهرين الاخيرين يوفران لاول مرة بوادر نقاش متجدد في فترة الصدمة اياها. المحفز الاول لذلك هو فيلم درور موريه "حماة الحمى"، الذي هو ايضا مرشح للاوسكار، والذي يصدم ستة من رؤساء المخابرات السابقين مع نتائج 45 سنة من الاحتلال في المناطق. يخيل أن تأثير الفيلم يتجاوز الدوائر العادية لمشاهدي السينماتيك، والانشغال به ينتقل جدا الى ما وراء صفحات المقالات في "هآرتس".

          الجانب المشوق هنا، فضلا عن الندم المتأخر على الخطيئة، هو في زاوية النظر الاوسع التي يتبناها قادة جهاز المخابرات بعد اعتزالهم. ففي ذروة الانتفاضة اتهم رئيس الاركان في حينه، يعلون، رئيس المخابرات، آفي ديختر بانه ينظر الى ما يجري في المناطق من خلال زاوية الاحباط الضيقة. دور المخابرات في المناطق مميز وحصري – احباط الارهاب. اما المسيرة السياسية لا تعنيها حقا. وعندما يغادر رؤساء الجهاز مناصبهم، فان الصورة تبدو فجأة اكثر تعقيدا.

          مؤشرات على الاشتعال

          هذا الاسبوع انضمت ايضا القناة 10 الى النبش التاريخي، عندما بثت تحقيقا لامنون ليفي عن ملابسات وفاة عرفات والاكثر اهمية – القسم الاول من بين قسمين لفيلم رفيف دروكر عن ارئيل شارون والانتفاضة الثانية. هنا ايضا، مثابة الصدى لـ "حماة الحمى" يظهر ديختر وخليفته، يوفال ديسكن. التسجيلات التي ادرجها دروكر من البرنامج الصباحي في صوت الجيش من عهد الانتفاضة، ولا سيما صور هياكل الباصات المفحمة واصوات الصافرات، تبدو وتسمع كاصداء بعيدة عن تلك الفترة الكابوس. دروكر والنائب حديث العهد عوفر شيلح، آفي يسسخروف وأنا – كلنا انشغلنا في هذه الفترة بتوسع بالكتب التي نشرناها قبل بضع سنوات. ولا يزال توجد قيمة خاصة للظهور امام كاميرات رافض المقابلات القديم مثل اوري شني، رجل سر شارون، او الاقوال الصريحة التي يقولها الان ديسكن للاقتباس والنقل. يمكن الافتراض بان في القسم الثاني من الفيلم، الذي سيبث اليوم (الجمعة) سيلمس دروكر الشكل الذي صممت فيه قرارات شارون، اكثر من أي شخص آخر، وجه المعركة اياها: حملة "السور الواقي"، التي احدثت الانعطافة الجذرية في الوضع، اقامة جدار الفصل وبعدهما – فك الارتباط عن قطاع غزة.

          الجدار، الذي اقامه شارون رغم أنفه، لا يزال يصمم وعينا بالنسبة للمناطق ويسمح لمعظم الاسرائيليين بادارة حياتهم وكأن نابلس وبلاطة توجدان خلف جبال الظلام وليس على مسافة نصف ساعة سفر. ولكن القصة الفلسطينية، مثلما سبق أن كتب هنا غير مرة، بعيدة عن الانتهاء. فالصدام الجذري مع الفلسطينيين، سواء دار في قنوات الدبلوماسية والقانونية في الامم المتحدة والمحكمة الدولية، في المظاهرات الشعبية الواسعة أو في استئناف الارهاب، سيعود أخيرا الى مركز الساحة رغم التركيز الحالي بآلام الطبقة الوسطى. ثمة لهذا بصراحة مؤشرات أولية على الارض: الارض في الضفة لا تشتعل بعد، ولكنها بالتأكيد تبدأ بالحراك.

          اللواء احتياط غيورا ايلند كتب هذا الاسبوع مقالا واعيا في "يديعوت احرونوت" شرح فيه لماذا طفيفة هي احتمالات الوصول الى تسوية دائمة مع الفلسطينيين في السنوات القريبة القادمة. ويلاحظ ايلند، وعن حق، بان حتى اليوم لم يتحقق حل دائم، رغم توقعات الادارات المتعاقبة في واشنطن، لان الاسرائيليين والفلسطينيين غير معنيين بذلك بما فيه الكفاية – الثمن الذي ينطوي عليه الوصول الى حل، من ناحية الطرفين، أعلى من المنفعة التي سيستمدونها منها برأيهم. ومع ذلك، في المحادثات مع ضباط الجيش الذين يخدمون في المناطق من الصعب عدم ملاحظة التوقع، شبه اليائس من ان القيادة السياسية في اسرائيل ستستأنف النشاط في القناة السياسية بهدم توجيه الطاقة الكامنة هناك باتجاه يمنع الانفجار.

          الانباء من الميدان تأتي حاليا بالتنقيط، ولكنها غير مشجعة. هذا الاسبوع تعززت الحواجز في المداخل للقدس بسبب انذار عن تسلل مخرب، الظاهرة التي لم ترَ في العاصمة منذ قرابة سنتين. العديد من المستوطنون يعودون لتحصين سياراتهم ضد رشق الحجارة بعد سنوات لم تكن فيها حاجة لذلك. وفي السلطة الفلسطينية يخشون من أن تكون حماس كفيلة باشعال موجة اضطرابات جديدة في الضفة، ضد السلطة واسرائيل، في ضوء الوتيرة البطيئة التي تجري فيها الاتصالات على المصالحة بين رام الله وغزة.

          ذات مرة، قبل سنوات جيل، كان اختبار اجراه الجيش الاسرائيلي للمرشحين للضابطية كي يقف عند مدى قدرتهم على ملاحظة التفاصيل في صورة مركبة: فقد عرضت على المرشح سلسلة من نحو عشرين صورة، وفي رأسها كان يظهر قط. ورويدا رويدا، من صورة الى اخرى، تطول اظافر القط ويتلوى ذيله، الى أن يصبح في الصورة الاخيرة نمرا. في المناطق أيضا، السؤال المتبقي كيف ومتى سيتحول مرة اخرى القط ليصبح نمرا.

انشر عبر