شريط الأخبار

دُفن بن ولم تُدفن قصته.. يديعوت

11:20 - 15 تموز / فبراير 2013

بقلم: رونين بيرغمان

          (المضمون: في كل مرة تحاول فيها اجهزة الاستخبارات الاسرائيلية كتم قضية ما واخفاءها على وسائل الاعلام المحلية والاجنبية تزيد بذلك اهتمام العالم بها وتفضحها - المصدر).

          نشأ موشيه تسيفر كل حياته مع شعور فظيع. وينبغي عدم الاستخفاف بالمعاناة الشديدة لمن نشأ مع علم بأن أباه هجر أمه حينما كانت حاملا في الشهر الرابع وهو في رحمها، وهرب الى امريكا اللاتينية، حيث استقر مع أموال صرفها باحتيال في اسرائيل وتنكر لعائلته وللطفل المولود. ونشأ تسيفر ليصبح عاملا اجتماعيا يحيا حياة هادئة في عزلة مع عائلته في واحد من الاماكن المرتفعة في الجليل الأعلى. وهو رجل دمث الخُلق لكنه منطوٍ ايضا ومحلق شيئا ما ترك تاريخه الشخصي المؤلم آثاره على وجهه.

          قبل ست سنوات حينما كان في الـ 51 من عمره جئت اليه بالنذير المُر الثاني. وقال لي وهو دامع العينين: "كانت الضربة الثانية أشد إيلاما بكثير". قلت له إن أباك لم يستقر في امريكا اللاتينية لأنه لم يكن هناك قط. كان الكسندر إيبور – اسرائيل ضابطا في سلاح البحرية تورط في ديون وهرب من البلاد تاركا وراءه زوجته متيلدا أم تسيفر حاملا. وعلم الموساد بأنه يحاول ان يبيع واحدا من الملحقين العسكريين الاجانب في روما وثائق سرية. واختطف في باريس بعملية معقدة وتم تنويمه ووضع في صندوق كبير ونُقل جوا الى اسرائيل كي يُحاكم محاكمة سرية هنا على تجسس خطير. وأُعدت له زنزانة خاصة سرية في سجن الرملة (أيلون) وهو أحدث مواقع السجن في مصلحة السجون كان قد افتتح قبل ذلك بسنتين وحصل هناك على لقب السجين "إكس". هل يُذكركم هذا بشخص ما؟.

          وتشوشت الخطة حينما اخطأ الطبيب المنوم من الموساد، يونا أليئين في تقدير وجبة دواء التنويم الذي حقن به اسرائيل ومات في طريقه الى البلاد. وبأمر من رئيس الموساد أقلعت الطائرة مرة اخرى وألقى اثنان من ناس وحدة العمليات التابعة للشباك التي أدارت العملية، جثة اسرائيل في البحر. وغرس "الشباك" في الصحف أنباءا توهم بأنه استقر في امريكا اللاتينية. وجُمعت لجنة المحررين لاسكات عدد من الصحفيين بلغتهم معلومات مُدينة. وخلصت لجنة التحقيق السرية التي نشأت في القضية الى استنتاج ان الجميع عملوا كما ينبغي ودُفنت القضية في أرشيف الموساد و"الشباك" الى ان سرّب لي شخص ذو ضمير القصة التي فجرتها "يديعوت احرونوت" في أيار 2006.

منذ ذلك الحين لم تسكن نفس تسيفر المعذبة. فقد تاب الى الله وهو يعمل عملا تطوعيا في عدة مجالات. وبدأ في موازاة ذلك اجراء معركة قضائية على الدولة طالبا ان يتم الاعتراف بأنه يتيم من الجيش الاسرائيلي (فقد كان أبوه ضابطا في خدمة فعالة) وأن يُكشف له في الأساس عن كل الوثائق في القضية. "أنا أتوجه اليك بطلب شخصي"، كتب الى رئيسي "الشباك" والموساد، "ساعدني من فضلك على حل لغز حياتي... يؤسفني أن أمي لم تعد موجودة هنا كي أستطيع التخفيف عنها. ويُخيل إلي أنه قد حان الوقت لتُقال لي الحقيقة بعد 52 سنة".

سيكون من الصعب المبالغة في وصف الجهود التي بذلتها الدولة وما زالت تبذلها الى اليوم كي لا يعلم تسيفر الحقيقة. فقد جُندت اجراءات قضائية صارمة ومواقف لا هوادة فيها، ومجموعات كبيرة من المحامين والاجراءات السرية اعتلالا بأمن الدولة، جُندت كلها كي تُبقي هذه القضية سرية. وقد مات أكثر المشاركين في القضية منذ زمن. ودُفن نحاميا مئيري وهو من كبار رجال العمليات في الموساد في كل الأزمان وآخر ناس الفريق الأحياء من تلك الطائرة، دُفن في مقبرة يركونيم قبل اسبوعين. ويُخيل إلي أنه يصعب حتى على ممثلي الدولة ان يزعموا في جدية ان الحديث عن قضية سرية من 1954. بقيت فقط الوصمة الفظيعة في تاريخ الجماعة الاستخبارية التي يجب حمايتها كي لا تخرج الى الخارج.

"مر أكثر من يوبيل وكأن شيئا لم يتغير"، قال هذا الاسبوع الشخص الذي سرّب إلي قصة جثة الكسندر اسرائيل المطروحة على أثر نشر قضية بن زغيير التي يعرف تفصيلاتها لا من وسائل الاعلام فقط. يمكن ان نجد خطوط تشابه غير قليلة بين القضيتين: فهناك رجل من الجهاز الامني اشتُبه به انه سلم أخفى الأسرار الى جهات اجنبية وسبب تجنيدا عاما لاعتقاله وجيء به الى اسرائيل في سرية شديدة كي يُحاكم على افعاله لكنه لقي حتفه في ظروف غير طبيعية قبل ذلك. وبذل جهازا الامن والقضاء في هاتين القضيتين جهدا كبيرا لاخفاء القصة بسبب طبيعة المعلومات التي كانت عند الراحلين وصورة إثارة الشكوك فيهما، في زعمهما. وفي حالة النقيب اسرائيل كان الذي رفع علم الشك ضابط الشيفرة في سفارة اجنبية في روما كان ايضا جاسوسا للموساد. أما في حالة بن زغيير فستخبرنا الايام بعد.

سري جدا، وغامض جدا

هل كانت تقديرات امن الدولة وحدها بازاء نواظر أرباب الاستخبارات الاسرائيلية في 1954 حقا – كحال الأرباب الحاليين في السنين الثلاث الاخيرة – حينما بذلوا جهدا كبيرا جدا لمنع نشر القضية؟ أربما كان في ذلك ايضا شيء من الرغبة في منع الحرج والوصمة والفضيحة العامة؟ انه من الطبيعي والمفهوم ان يريد كل واحد مهما يكن من رجاحة العقل ان يفخر بالنجاحات ويضائل الاخفاقات.

من المؤكد ان كثيرين سيقولون إن تلك كانت اياما مختلفة وانه ينبغي ألا تُقاس واقعة على اخرى وانه هنا في قضية زغيير كان يمكن ان يحدث ضرر فظيع حقا. ويمكن في المقابل ان يتم الزعم ان هذه القضية ستبدو بعد بضع سنين مثل وطء قاس لا داعي له لحقوق الانسان، وان الفرق الجوهري الوحيد بينها وبين قضية اسرائيل هو انه كان يمكن في 1954 في الحقيقة وقف نشرها والحديث في العصر الحديث عن مسألة وقت فقط، وقت قليل، الى ان تخرج هذه الامور الى الخارج.

حدّثني بعضهم في منتصف 2010 عن "السجين إكس" في سجن الرملة. قلت: "أنا أعرف القصة. وهي قصة كبيرة تحتاج الى كتاب باسلوب جون لا كاره". وقال ذلك الشخص إن هذا إكس جديد وقصة خطيرة جدا. وبالغ هذا الشخص في تفصيلات القضية التي بدت بعد ان سمعتها منه شديدة الخطر حقا وصورت الشخص الذي في السجن على أنه وغد كبير قد تفضي افعاله الى موت ناس.

كان من الواضح لي في تلك المرحلة انه لا يوجد ما أفعله في هذه القصة. فهي سرية جدا وغامضة جدا والاشتغال بها سيثير علينا الغضب ويتم وقفه أصلا بالرقابة. ومن الجدير بالذكر انه توجد في قضية زغيير أجزاء يحسن السكوت عنها لأنه توجد حياة ناس يجب حمايتها. وليس من المؤكد من الجهة الثانية انه كان يجب من اجل هذه القيم ان يُعامل على هذا النحو من العنف يفضي به الى ان يفعل شيئا فظيعا جدا.

سمعت بعد ذلك ببضعة اشهر أن ذلك السجين قد انتحر قبل إنهاء محاكمته. وغير ذلك قوانين اللعب وأوجب نشر القضية، لأنه لا توجد ايضا سبيل لابقاء قضية كهذه سرا وليس ذلك من الاخلاق ايضا. وبرغم ان هذا يلائم كتاب توتر، كان واضحا لي ان ليس الحديث عن مؤامرة مُحكمة وانه لا أحد ساعد على الانتحار. ومن جهة ثانية شعرت بأنه لا يوجد في مصلحة السجون التي لها تجربة سيئة مع الانتحارات انه ليس عندها دافع زائد للفحص عن القضية. وفكرت أصلا في ان جهات الاستخبارات تحصر عنايتها في الجوانب العملياتية من القضية وان مصير من تراه خائنا يكون أقل أهمية.

بادرنا (بموازاة جمعية حقوق المواطن وجهات اعلامية اخرى) الى توجه الى المحكمة (قدمه رفيقنا يورام يركوني) في محاولة لمضاءلة السرية المضروبة على القضية. وطرحتنا رئيسة المحكمة اللوائية في المركز، هيلا غارستل، جميعا عن الدرج.

تُبين سلسلة أنباء نشرت في الخارج ان نشاط زغيير كان في مقابل جهات ايرانية. وعلى حسب النبأ الذي نشر في "الغارديان" – ويقتبس من الصحفي الاسترالي جيسون كاتسوكيس الذي سكن في اسرائيل زمنا ما ويسكن في بيروت اليوم (لكنه يأتي للزيارة في أزمان متقاربة) – ان كاتسوكيس حصل في سنة 2009 من شخص ما (ذي صلات بعالم الاستخبارات) على أسماء ثلاثة اسرائيليين لهم جوازات استرالية. وكان الثلاثة بحسب النبأ المنشور نشطاء في شركة وهمية انشأها الموساد في اوروبا وباعت ايران معدات الكترونية وجُند الشباب الذين أُرسلوا للتجسس في ايران بواسطتها.

"كان يبدو هذا في البداية أفضل كثيرا من ان يكون حقيقيا"، قال كاتسوكيس لصحيفة "الغارديان"، "لكنني نجحت في التحقق من ان الشركة قائمة ونجحت في التحقق ايضا من ان زغيير وواحدا آخر من الثلاثة عمل من اجلها. ولم أنجح في التحقق من اسم الثالث. وقيل لي ايضا ان السلطات الاسترالية تضيق الخناق على زغيير بل انه ربما يُعتقل".

وتذكر الصحيفة ان جهاز الامن العام الاسترالي بدأ التحقيق في صلات الاستراليين الثلاثة بالموساد قبل اغتيال المبحوح في دبي بنصف سنة حيث استُعملت هناك جوازات استرالية. وبيّن كاتسوكيس ان زغيير أثار ارتياب السلطات حينما غير اسمه اربع مرات. وذكر الصحفي قائلا: "تبين لي ايضا انه طلب رخصة عمل في ايطاليا".

في شباط 2010 حينما توجه كاتسوكيس الى زغيير، سأله عن علاقاته بالموساد وزعم ان عنده علما يقول انه استعمل جوازه الاسترالي كي يزور سوريا ولبنان وايران، ورد زغيير في غضب وقال ان كل ذلك هراء. وهو من جهة ثانية لم يقطع المحادثة الهاتفية. "بدا في الحقيقة ذاهلا حقا لكنه أصغى الى ما قلته". ويؤكد كاتسوكيس ان زغيير أنكر جميع الشبهات التي أثارها ورفضها آخر الامر حينما اتصل مرة ثانية. لكن هل يمكن ان يكون انكشاف زغيير للصحفيين والسلطات الاستراليين هو الذي عُد خيانة في نظر الموساد؟.

تعتقد السلطات في ايران انه من الصعب على الموساد ان يعمل في الدولة لأنه يوجد فيها قوات شرطة واستخبارات قوية جدا تستعمل القبضة الحديدية على معارضي السلطة ولا تنفر من أشد الوسائل عنفا. وزعمت جهات ايرانية رفيعة المستوى في وسائل الاعلام هناك ان اسرائيل خصصت موارد ضخمة كي تُجند عملاء على ارضها وهم ايرانيون يخرجون من اجل اعمال الى خارج الدولة ويعودون اليها، أو سياح ورجال اعمال من العالم الغربي يدخلون اليها من اجل اعمالهم.

على حسب أنباء منشورة اجنبية، يقوم الموساد على نحو عام باعمال عنف لا يقوم بها إلا اسرائيليون أي ينفذها مواطنو اسرائيل الذين يعملون بصورة دائمة في الموساد لا عملاء جُندوا في الدول المستهدفة. ومع ذلك، وعلى حسب أنباء اجنبية نشرت، كان صعبا أو غير ممكن تقريبا لعملاء "قيصاريا"، وهو قسم اعمال التخريب والاغتيالات من المنظمة، أن يدخلوا الى ايران خشية ان يتم الكشف عنهم لأن وقوع حتى عميل واحد في غرف تحقيق الحرس الثوري يعتبر في اسرائيل انه لا يقل عن كارثة استراتيجية.

اذا كانت هذه الامور صحيحة فهناك حاجة الى الاستعانة ايضا بجهات اخرى تنفذ اعمال جمع المعلومات أو الاغتيالات. ويعتقد الايرانيون ايضا أنهم نجحوا في ان يعتقلوا ويُحاكموا بعض اولئك العملاء ممن أدلوا بشهادات – بعضهم في المحاكم وبعضهم في التلفاز. وعلى حسب تلك الشهادات جُند عدد من العملاء "تحت علم مختلق"، أي من غير ان يعلموا بأنهم يعملون من اجل الموساد. وعلى حسب تلك الشهادات، يستعمل مُجنِدو العملاء المدربين من المنظمة تغطية اجنبية كي لا يعتقد المجندون أنهم يعملون من اجل "العدو الصهيوني". هذا الى ان الايرانيين احتجزوا في سنة 2010 و2011 عدة مرات سياحا ومتنزهين بزعم أنهم جواسيس للموساد.

جهاز التنصت في القبو

حاول جسم جمع معلومات استخبارية اسرائيلي ان يتساءل في الاسابيع الاخيرة منذ عُلم هنا بالتحقيق الذي أخذ ينضج في شبكة "إي.بي.سي" الاسترالية، كيف عرفوا بالقضية؟ وهذا هو السؤال غير الصحيح وهو يُبين ايضا مثل خطوات كثيرة قام بها جهاز الامن في القضية عن فروق مقلقة بينه وبين الواقع الاتصالي والعام في العالم.

والسؤال الصحيح هو كيف لم تتسرب القصة قبل ذلك – لأنه يوجد قبر في استراليا؛ وتوجد عائلة متألمة وذاهلة في استراليا؛ وفي 2010 كان زغيير الذي جهد في تغيير اسمه مرة بعد اخرى، مستهدفا لأذرع فرض القانون في استراليا، التي اشتبهت فيه انه يعمل في خدمة الموساد بل بلغت المعلومات الى صحفي توجه اليه في هذا الشأن؛ وأنباء في "واي نت" أُزيلت بعد ساعات طويلة؛ ويوجد غير قليل من الناس الذين يعرفون أجزاءا من القضية على الأقل، وغير ذلك كثير.

إن الاذاعة القريبة للتحقيق أثارت أمواجا ارتدادية في الجماعة الاستخبارية كلها، لكن الاسابيع الطويلة التي سبقت نشر الأنباء لم تُستغل في عملية فعالة لمضاءلة الضرر المتوقع. وتقرر في سلسلة مباحثات أُجريت انه يجب فعل كل شيء واستعمال جميع الوسائل القضائية والقانونية ومنها أمر بحظر نشر معلومات مكشوفة في خارج البلاد، كي لا تُنشر أجزاء من القضية في مصادر اسرائيلية. وكان المبدأ الموجه هو ان مجرد النشر في وسيلة اعلام هنا يُصدق صحة الامر (ويُشتق من هذا المبدأ تمسك الرقابة باملاء "بحسب مصادر اجنبية" فيما يتعلق باعمال لا تعترف اسرائيل بها).

ورُفضت الاصوات في تلك المباحثات (التي جاءت خاصة من جهات من الرقابة) وزعمت انه لن يمكن وقف تيار المعلومات وانه يفضل ان ندع التحقيق الاسترالي يمر من فوق رؤوسنا جميعا ولا نوليه اهتماما. وهكذا تحولت سلسلة الاسكات الى عصا مرتدة خطيرة: فقد تسرب تشديد سياسة حظر النشر واستعمال الرقابة العسكرية والجمع العاجل للمحررين الرؤساء لوسائل الاتصالات فورا الى الخارج واستُعملت أكثر من كل شيء آخر تصديقا للتحقيق الاسترالي الذي كان لولا وسائل التعتيم سيُرى غريب الأطوار.

قارن شخص خدم في الماضي في أمن الميدان وهو خبير بتاريخ الرقابة العسكرية، هذا الاسبوع محاولة الابقاء على قضية زغيير سرية حتى بعد اذاعة التحقيق في التلفاز الاسترالي، بقبو بيت سوكولوف: "كان لنا هناك قبل اربعين سنة جهاز تنصت على خطوط هواتف الصحفيين الاجانب. كانوا يتصلون من بيت سوكولوف بأسر التحرير في الخارج وكنا نجلس ونصغي الى المكالمات من القبو. وفي كل مرة كان يُخيل إلينا ان الصحفي يتحدث فوق المطلوب كنا ندخل في الخط ونصيح به كي يكف. واذا لم يساعد ذلك كنا نقطع المحادثة ايضا. والذي بادر الى هذه الخطوات هذا الاسبوع اعتقد انه ما زال في ذلك القبو وما زال يسيطر على كل خطوط الهاتف من اسرائيل الى الخارج".

من اجل ان نفسر البواعث العملياتية من وراء الاصرار على السرية تم استلال الاختراع الذي أوجده بن غوريون في خمسينيات القرن الماضي وهو الجمع الطاريء للجنة المحررين. وكان مبدأ بن غوريون تحلية المعلومات السرية مع رؤساء وسائل الاعلام وان يحصل منهم مقابل ذلك على امتناع عن تغطية لتلك القضية. بيد ان مجرد نبأ جمع المحررين الرؤساء قد نُشر وزاد في قوة رقصة الأشباح. يقول صحفي اجنبي رفيع قديم في اسرائيل: "في اللحظة التي رأينا فيها انهم استدعوا المحررين أدركنا ان التحقيق الاسترالي جدي ويتناول قضية شديدة الخطر حقا. واذا كنا قد تحيرنا حتى ذلك الحين هل نشتغل بالقضية، فان الجمع العاجل للمحررين حررنا من الحيرة وأدركنا انه يجب علينا ان نتابع الأمر متابعة قوية".

حيوان لا يمكن إشباعه

وُجد في الماضي غير قليل من الافكار وأوراق العمل التي أُعدت حول مسألة هل يُعين للموساد متحدث مثل وحدة الاعلام التي تعمل لصق مكتب رئيس "الشباك" منذ أكثر من عشر سنوات بنجاح كبير. وفي كل مرة أُثير فيها هذا الأمر سقط أو كما يقول مئير دغان رئيس الموساد السابق "خلصت الى استنتاج ان هذا الحيوان لا يمكن إشباعه".

للموساد تجربة غنية جدا مع الاعلام – استعمال حملات تشهير، وتضليل وحرب استخبارية مع غرس معلومات منتقاة في وسائل اعلام في الغرب والبلاد العربية واستعمال وسائل الاعلام لدفع أهدافه قدما، وليست المعلومات كلها كاذبة. بالعكس. فوسائل الاعلام في الغرب تنشر معلومات كثيرة دقيقة في جزء منها أو بصورة كلية عن المشروع الذري الايراني. لكن هذه التجربة هي من الطرف الثاني الذي يبادر الى النشر. وفي كل مرة تضطر فيها الجماعة الاستخبارية الى مواجهة نبأ منشور في الخارج، أي لا يخضع للرقابة العسكرية، تكون النتائج ضئيلة جدا.

حتى لو لم يُنشر أمر المباحثات مع المحررين الرؤساء فان أرشيف السنين الثلاثين الاخيرة يُبين انه في كل مرة حاولوا فيها ان يمنعوا بالقوة نشر قضايا من هذا القبيل، كانوا يجعلونها أكبر كثيرا. وهذا ما كان في قضية فعنونو حينما حاولوا ان يُخفوا حقيقة انه معتقل في اسرائيل بعد ان اختطفه الموساد في ايطاليا.

وهذا ما كان في قضية عامل الموساد المبتديء أوستروفسكي الذي كان يوشك ان ينشر كتابا عن المنظمة ورفض رفضا قويا سحبه، حتى حينما عُرضت عليه تعويضات مالية حسنة. وقد أوصى موشيه لفين (كوكلا)، وهو من كبار المغتالين في الموساد، أوصى رئيس الموساد شفتاي شبيط بقتل أوستروفسكي، واقترح آخرون اختطافه الى اسرائيل. وقبل شبيط توصية أمنون غولدنبرغ وبادر الى اجراء قضائي عليه في كندا والولايات المتحدة. وطيّر القضاة الدولة عن الدرج كله وكان مجرد استعمال الاجراء برهانا على انه كان في الموساد حقا.

ولم تكن محاولة منع نشر الاعتقال السري ليوسف عميت العامل في وحدة استخدام العملاء 504، بسبب تجسس من اجل الولايات المتحدة، لم تكن أفضل لأن هذه المحاولة لم تُفضِ إلا الى مزيد اهتمام بالقضية.

حاول جهاز الامن في 2001 ان يُبقي اجراءا دبّره على "يديعوت احرونوت" طالبا حظر نشر أجزاء متطابقة بين قضية منبار وقضية رون أراد، أن يُبقيها سرا، وأثار مجرد إتيان رئيس الموساد افرايم هليفي الى المحكمة اللوائية في تل ابيب ومنع نشر الاعداد الصحفية موجة اشاعات وجعل المعلومات التي أراد اخفاءها (وهي موت اثنين من عملاء الموساد في فيينا في 1992) تطفو الى أعلى.

وفي آذار 2001 اختفى العميد اسحق يعقوب (ياتسا) من فوق البسيطة. فقد جاء لزيارة اسرائيل وكان يفترض ان يخرج لاستجمام في تركيا لكنه لم يصل الى هناك. فقد اعتقلته الشرطة و"الشباك" في مطار بن غوريون وتم تحويله الى تحقيق شديد السرية مدة شهور طويلة، بسبب مقابلة صحفية أجراها معي تطرق فيها ايضا الى المشروع الذري الاسرائيلي. وقد كان آنذاك "السجين إكس". وضجت البلاد بالاشاعات التي كان بعضها آثما متعمدا وقالت ان يعقوب قد اعتقل بشبهة انه جاسوس روسي.

وكما هي الحال في قضية بن زغيير وألون وبوروز، كانت محاولة الابقاء على القضية سرا آنذاك محكومة بالفشل. فقد نشرت صحيفة "نيويورك تايمز" أجزاءا منها بصورة مبرزة وهو ما جذب اليها انتباها كبيرا وحولها من جدل صغير فيما يجوز أو لا يجوز لمسؤولين سابقين نشره، الى نقاش تعدى الحدود والمحيطات في الغموض الذري الاسرائيلي. وما زلنا لم نقل شيئا في قضية عنات كام.

فشلت الجماعة الاستخبارية مرة بعد اخرى في فهم تحقق رؤيا مارشال ماكلوهان عن القرية العولمية. فقد امتنع الموساد بسبب خصومات منظمية عن طلب مساعدة اولئك الذين يفهمون في وسائل الاتصالات ومن وزارة الخارجية.

يصعب ان نفهم كيف يمكن ألا يكونوا تعلموا في النيابة العامة والموساد من قضايا سابقة حاولوا في كل واحدة منها كف الأنباء المنشورة وحصلوا على اهتمام دولي شديد جدا. وكيف لم يفهم أحد أنه يتم بهذه الطريقة خاصة الاضرار بالأسرار العملياتية التي يحاولون حمايتها كثيرا. ولماذا لم يكف رئيس الوزراء المسؤول عنهم والذي يفهم شيئا ما في الاعلام، لم يكف جماحهم ولم يقل لهم "هالو، هالو لسنا في ستينيات القرن الماضي". وسيضطر شخص ما في المستويات العليا الى الاجابة عن جميع هذه الاسئلة بعد (وفي اثناء) اضطرار جهة ما الى تقديم أجوبة عن جملة الاسئلة الصعبة جدا التي تثيرها قضية زغيير في الشؤون العملياتية والقضائية.

انشر عبر