شريط الأخبار

ألا فاعطوا الشعب فرصة ..علي عقلة عرسان

01:38 - 12 كانون أول / فبراير 2013


 

الذين يدعوننا والذين يدعون منا إلى الاحتراب حتى الموت عن آخر رجل، لا يدفعهم إلى ذلك حرص على الشعب والوطن والقيم التي تحكم الشعب والوطن، وليس لديهم حس عال بالمسؤولية، وعلو متعال للهمة، وهم بذلك لا يحكمهم تعلق بأهداف نبيلة مهما علت وسمت، لأن أية أهداف تُحقَّق وأي " نصر" يُحرز على جثة صاحبه وطالبه والموعود به.. ما هو إلا هباء ينثره الغباء.. فلا إحياء للإنسان بإماتته، ولا تخليص للأوطان بتخلصيها من مناضليها وشعبها وتدميرها وتدمير بناها ومصالحها، ولا انتصارات بإزهاق الأرواح واستباحة الأعراض والدماء.. ومن يفعلون ذلك ويدعون إليه هم محمولون على أجنحة الحقد ويضربون بسيوفه، تعميهم شهواتهم وتورمات ذواتهم وحماستهم لغاياتهم عن رؤية الناس وعن الإحساس بهم وبمعاناتهم، ويلِغون في دم الأبرياء وغير الأبرياء وكأنهم يخضبون أيديهم بالحناء ليوم فرح، وما هم سوى غربان السؤء تفسد كل فرح.

منذ سنتين تقريباً ونحن نسجِّل، مع شروق شمس كل يوم، عشرات الضحايا في سجلات القتلى والجرحى ، وندري أو لا ندري بما يُدمَّر من بُنى الوطن، ونخرب في المجتمع والأنفس أسس الخير والثقة والوئام والعيش المشترك والمواطنة ومفاهيمها وواجباتها.. ومع ذلك نستمر في السير وراء عنتريات تحصد الأرواح وتجتهد في البحث عن وسائل للقتل وعن أسباب وذرائع للمراوغة والمناورة نتيجتها أن يستمر التدمير والقتل وذبح الوطن.. وترتفع أصوت أشخاص هنا وهناك باسم سورية، ومعظمهم يتاجر بها ولا يعنيهم من التشدق باسمها إلى ما تدره عليهم من أموال وتلبية شهوات وتحقيق نزوات.

كل موقع عسكري، أو سبب من أسباب القوة، أو سرٍّ من أسرار الوطن.. يتبارى "معارضون" و" أخوة لنا في العروبة والإسلام" على تقديم أدق التفاصيل عنه للعدو الصهيوني عبر الفضائيات، ويتعاونون معه على تدميره، ويستهدفونه وحماتَه فيستهدفهم حماتُه، فيسقط ويسقطون معه جميعاً، ويخسر الوطن ويخسرون، بفعلٍ شبيهٍ تماماً بفعل الدب الذي يقوم بتهشيم رأس صاحبه ليحميه من ذبابة حطت عليه؟!.. وما خفي من أشكال التواطؤ والتآمر على سورية البلد العريق، المحتلة بعض أرضه والمهدد بأسُّ وجوده.. هو أعظم وأشد وطأة على الضمير الوطني والقومي بكثير. بجهالة متبادلة عمياء وجاهلية رعناء سمقت عنها الجاهلية الجهلاء.. يتصرف كثيرون ممن يدعون إنقاذ الوطن وحماية المواطن، وبدموية وهمجية يفعل من يُفترض فيهم أن يقدموا كل ما بوسعهم لحماية المواطنين ومنشآت الوطن وأسباب قوته، ويؤسسون لمستقبل أجياله.؟!

يناورون اليوم بمبادرات، وكل فريق يرفض الآخر عملياً بمقدار ما يعلن عن قبوله.. ويريد أن يسجل عليه نقاطاً بينما سواقي الدم تسيل.. ألا فليخبرني أحد عمن خول هؤلاء جميعاً بقتل الناس باسم الناس، وعما يرفعهم فوق رؤوس الناس ويجعلهم أوصياء على الحقوق والحريات والحيوات  في الحياة وبعد الممات؟! ألا من يرشدني إلى مبدأ في أي دين يخول شخصاً أو فريقاً، أو جهة ما.. بأن يقتل الشعب باسم الشعب، والوطن باسم والوطن، ويدعي أنه المدافع عن الناس وحرياتهم وكرامتهم وأمنهم بإراقة دمهم وحرمانهم من مقومات العيش.؟!

يختلفون أين يلتقون وهم لا يتفقون على مبدأ أن يلتقوا للحوار فيما يختلفون فيه، إذ يلغي كل طرف الآخر بطريقة ما.. فمن مشترط زوال الآخر ليلتقي بمن يفاوضهم على دفنه، ومن مشترط مجيئ الآخر إلى حضنه بفيض حنان لا يراه خصمه حناناً من أي نوع.. وكل يعلن حصره ونصره، والله غالب على أمره وما يدركون. هؤلاء امتلأت قلبوهم غلاً، وغشيهم ما غشيهم فلا يرون طريقاً إلى بعضهم بعضاً، وكل يطلب رأس الآخر ويحتاط لرأسه، وكل يحمِّل الآخر المسؤولية عما حدث ويحدث ويتنصل منها، وكل منهم يريد الآخر خارج المواطنة وشؤونها وشجونها على نحو ما، ويشقى الشعب بهم شقاء ما بعده شقاء.. وفي نهاية المطاف لا يتفقون، ولن يتفق من يتفق منهم مع الآخر إلا على حفر الحفر له، الأمر الذي يعطل كل وفاق وبناء.. ويدخلهم في لعبة القط والفار، ويدخل الشعب والوطن في خراب ونار.  

إنهم لا يحتكمون جميعاً إلى الشعب عبر صناديق الاقتراع في انتخابات نزيهة تمكِّن الشعب من إسناد الأمانة إلى من يرى فيهم الكفاءة والخُلُق وصدق الانتماء والقدرة على حملها، ومن ثم يحاسب من ائتمنه على ما ائتُمن عليه بعدلٍ وإنصاف.. يريدون ديمقراطية على هواهم، ولا يكفون عن تسفيه بعضهم بعضاً بالأقوال والأفعال، حتى تخال أنك في عالم بشر ليسوا من لحم ودم أصلهما ماء وصلصال من طين، بل في جحيم نار خلقت منه الشياطين، فتتساءل: أيليق بمن هذا وصفه وسمْته وسلوكه، ومن هذه دعواه وهذا ادعاؤه.. أن يتسلم أمانة كبرى ويحكم بلداً وشعباً بحكمة وإيمان واقتدار، ويسير بهما مسيرة عدل ومساواة تفضي إلى حرية وتحرير وازدهار وإعمار.؟! لقد ضاق الشعب بما يجري، واشتدت عليه وطأة الأحداث ومن حقه أن يرتاح، ومن حق الوطن على الشعب والأمة أن يبقى وطناً عزيزاً، وحصناً منيعاً، وحضناً دافئاً، وبيتاً لجميع أبنائه.. وأن يبقى جزءاً عضوياً من حضن الأمة معتزاً بها ومعتزة به.. ولا أرى سبيلاً إلى مقاربة ذلك إلا بمقاربة حلول أخرى قد تكون غريبة وتلقى اعتراض من نصبوا أنفسهم قيادات ورفعوا بيارقهم الخاصة رايات ليسير تحتها الشعب لاهثاً وراء أمن من جوع وخوف.. وأقدم بين يدي تلك المقاربة حقيقة مفادها أن الأحزاب التي تحتكر السياسة في البلد، ويتخذ بعض رؤوسها من السياسة " مهنة" ويمتهن باسمها الآخر ومصالحه ويسخر الوطن لخدمة حزبه وذاته ورؤاه.. هذه الأحزاب التي تتقاسم السياسة والسلطة أو تتقاتل عليهما باسم الوطنية، وكل منها، معارضات وسلطات، لا تعلي الشأن العام على شأنها الحزبي أو الشخصي الخاص المتماهي مع العام والوطني والحقاني بطريقة ما، تثير ولا تطمئن أو تنير؟! لا تشكل بمجموع أفرادها أكثر من ثلاثة ملايين شخص في أحسن الأحوال وفي أحوال الإقبال المنقطع النظير عليها، وأولائك الأفراد ومن يلوذ بهم من أسرهم وأصدقائهم لا يصلون إلى ثمانية ملايين مواطن حين يكثر "غلالهم" وتعطي السنبلة منهم مئة حبة.. فبأي حق يحكمون وحدهم رقاب الناس ويتحكمون بمصائرهم ومصير الوطن، ويحتكرون السياسة والسلطة والقوانين والمصالح والكلام عن الحقوق والحريات والديمقراطية والعدالة والمفاهيم والإفكار..إلخ، وكثير منهم يحتطب بليل في كثير من هذه الأمور والمفاهيم والقضايا، ويعيش حالة تورُّم يحتاج معها إلى إجراء فحوص طبية وعمليات جراحية ليبرأ مما هو فيه من أورام وأوهام وآثام، ويصبح مواطناً صالحاً ولا أقول قيادياً صالحاً من أي نوع.!! ولما كنا وكانوا في هذه ظروف المحنة هذه القاتلة لانصل إلى بر أمان مع بقاء القيادة والسيادة موضع تنازع وتصارع فيما بينهم، وبقاء دمائنا تسيل من تحتهم ولا يشعرون بها إلا شعور التماسيح بانصباب الدموع من العيون، ونناشدهم " الرحمة" ولا يرعوون.. فمن حقناً، طلباً للحياة ووصولاً إلى بر الأمان وحقناً للدم، أن نقول لهم: أعطوا الآخرين فرصة.. تنحوا جانباً لمدة سنة، وأعطوا 16 ستتة عشر مليوناً من السوريين الذين لا ينتمون للأحزاب أن يختاروا من بينهم ومن بينكم من يصلح لقيادة مرحلة انتقالية بعيدة عن تقاسمكم التسلط و" أعباء التدمير والإفناء" والتشهير بالوطن وابنائه، وحين يصل المركب إلى الشاطئ بأمان ويستقر الأمر خارج مستنقعات الدم والثأر والحقد والفتنة.. يتنحون جميعاً ويسلمون الأمور لكل الشعب بمن فيه أنتم وأحزابكم، لتقوم دولة مدنية على أسس ديمقراطية، يشارك فيها الجميع، وتحترم التعددية والمواطَنة، وتتمسك بالانتماء والهوية والشرائع الإلهية التي ينتمي إليها أبناء الشعب كل حسب إيمانه.. ومن ثم يأخذ قياد الوطن والشعب من يرعى حقوق الوطن والشعب.. وفق أسس دستورية وقانونية وشرعية يقرها الشعب ولا تتعارض مع مبادئه وثوابته. لا يوجد وصي على الشعب والوطن كما تقولون ويقال ويستقر في المحافل والأعراف والدول والدساتير، ومن يدعي أنه " أفضل" عليه أن يخدم أكثر ويتنازل لمصلحة الشعب والوطن بلا حدود.. أما من يبيع ويشتري في أسواق العالم بشعب ووطن فيقع حسابه على الشعب والوطن، وفق القوانين المرعية التنفيذ بعدل وحزم. أما الجيش وقوى الأمن وكل من تُناط به خدمة عامة، فهو في خدمة الشعب والوطن وفق القانون، ولا يجوز له أن يضع الشعب والوطن في خدمة أحد من أبنائه أو شريحة من شرائحه الاجتماعية.. ويبقى مهنياً عالي المقام، مهاب الجناب، شديد الاحترام، يمثل القانون ويحمي الأرض، ويبقى للجميع وللوطن كله والأمة العربية التي ننتمي إليها باعتزاز.

إيها السادة لقد تعبتم وأتعبتم.. فارتاحوا قليلاً فربما نرتاح جميعاً.. ألا فاعطوا الشعب فرصة والعقل فرصة.. فهل إلى ذلك من سبيل: حقناً للدم، وحفاظاً على وحدة الأرض والشعب في سورية التي تعتز بها الأمة ويكن لها أعداء الأمة والمتطاولون من أقزامها حقداً كبيراً وشراً مستطيراً.. ألا اتقوا الله في الأطفال والنساء وفي الأرواح التي تزهق والبناء الذي يدمر والوطن الذي يمزق ويضعُف ويكاد يهون ويهان..

ولمن لا يرى ويزعم أنه الرؤية، ولمن لا يهتدي ويزعم أنه الهدى أقول:

 

 يا أيها الضائع الملتاع فوق لظى 

من صنع كفِّك، أنت السيف والكبدُ

هلاّ حكمت خيوط الأمر من ثقةٍ

هلاّ فقِهت، غليلاً كيف يبتردُ ؟!

هلاّ جمعت على وجه شتات حمى

ورنَّقت منك عين للذي يفِدُ ؟!

من لي بحكمة جبار أحكّمها

      في أمر يعرب حتى يفجر الثمَدُ؟!

     

من لي ومن لي ومن لي.. لست إلا منى

                                والكون أصبح فعلاً، أحكمته يدُ!!

دمشق في 12/2/2013

انشر عبر