شريط الأخبار

مصر وإيران في امتحان الرغبة والقدرة ..فهمي هويدي

11:35 - 12 تشرين أول / فبراير 2013

برغم أن زيارة الرئيس الإيراني لمصر سلطت الضوء على العقبات التي تعترض تطبيع العلاقات مع طهران، فإنها أحدثت ثغرة في الأفق المسدود.

قبل افتتاح مؤتمر القمة الإسلامية قام الرئيس أحمدي نجاد بزيارة للأزهر وشيخه، وبعد استقباله ومجاملته تعرض الرجل إلى محاكمة غير لائقة على الهواء، حيث انهالت عليه الأسئلة والاتهامات، بعضها تعلق بموقف الشيعة من الصحابة والسيدة عائشة، والبعض الآخر ركز على محاولات نشر المذهب في مجتمعات أهل السنة، وندد آخرون بمعاملة أهل السنة في إيران، ومنهم من فتح ملف عرب «الأهواز» وما يتردد عن إساءة معاملتهم.. إلخ.

ربما كانت بعض تلك الأسئلة صحيحة وواجبة الطرح، لكنها وجهت إلى الرجل غير المناسب وبأسلوب غير مناسب، وفي المكان غير المناسب، ذلك أنه لم يكن من حسن التقدير أن تلقى كلها في وجه الرجل، الذي لم يقل أحد إنه مرجع دين يتحدث في شأن الصحابة وعملية التشييع. وإذا كانت هناك ملاحظات أو تحفظات على سياسة دولة الضيف فإنها تقال في الاجتماعات والحوارات بين الطرفين، ولا تبث هكذا على الهواء. وهو موقف لا يعبر عن مودة أو عن رغبة في التواصل ومد الجسور. وقد بدا أن إشهارها بتلك الطريقة ليس مقصوداً به حل أي مشكلة وإنما الهدف منه هو تسجيل المواقف وإحراج الرجل والتعريض به وبدولته.

من جانبي استهجنت المشهد، وقلت إن الأسئلة التي طرحت لا تعبر فقط عن هواجس وقلق من جانب مؤسسة الأزهر أو حتى من جانب السلفيين. ولكنها تعبر أيضاً عن موقف سياسي ينطلق من التقاطع وليس التوافق. وكان ذلك أوضح ما يكون في ما أثير حول عرب الأهواز (أغلبهم من الشيعة)، الذين إذا افترضنا أن لهم مشكلات مع حكومة طهران، فإن ذلك لا يبرر تدخل الأزهر في الموضوع.

في مطار القاهرة أوقف أحد ضباط الجوازات سفيراً إيرانياً انتدب للعمل في اتحاد البرلمانات الإسلامية، وبعد ساعة وربع الساعة سمح له بالدخول للمشاركة مع رئيس الاتحاد الذي يحمل الجنسية التركية في اجتماعات القمة. وكان تأخير دخول الديبلوماسي الإيراني محملاً برسالة سلبية. فهمت أنها ليست الأولى من نوعها ولكنها تكررت مع آخرين ممن لم يمنحوا تأشيرات الدخول إلى مصر أصلاً.

قيل لي إن الضابط المختص في المطار تصرف بصورة روتينية حين احتجز الديبلوماسي الإيراني لنحو 75 دقيقة. لكنني شممت في ذلك الموقف رائحة أخرى، تتمثل في أن بعض الجهات الأمنية لا تزال على موقفها الذي التزمت به طيلة سنوات النظام القديم. أيد هذا الظن عندي أن ذلك لا يزال موقف إعلام نظام مبارك المستمر إلى الآن، إلى جانب أنه الموقف السلبي نفسه الذي تتبناه بعض الجهات النافذة في الأجهزة المصرية المعنية.

ما أثار دهشتي أنني حين نقلت ذلك الانطباع إلى بعض من أعرف من أهل القرار فإنهم أيدوني فيه بطريقة غير مباشرة، إلا أن أحدهم قال صراحة إن بصمات نظام مبارك والعناصر التي تربت على قيمه وثقافته لا تزال لها تأثيرها، وأنه من الصعب للغاية إزالة آثار مرحلة استمرت ثلاثين أو أربعين سنة خلال سنتين.

هذه الخلفية تستدعي سؤالاً كبيراً هو: إلى أي مدى يختلف ذلك الموقف السلبي في منطلقاته عن السياسة الخارجية المصرية إزاء إيران بعد الثورة؟

لست صاحب السؤال، لكن سمعته من ديبلوماسي إيراني مخضرم بعدما روى لي قصتين.

الأولى استعاد فيها مشهد زيارة وفد أمني ديبلوماسي زار طهران في عهد الرئيس السابق لبحث القضايا العالقة بين البلدين. وكان البند الأهم في جدول الأعمال هو تسليم المصريين المعتلقين في إيران، الذين انتموا إلى تنظيم «القاعدة» وهربوا من أفغانستان بعد سقوط نظام طالبان. وتضمنت القائمة المصرية أسماء 30 شخصاً رفض الإيرانيون تسليمهم لسببين، الأول إنهم قالوا صراحة إن من شأن تسليمهم، أن تدخل إيران في معركة مع «القاعدة» تفتح الباب لصراع سنِّي شيعي ليسوا مستعدين للدخول فيه. السبب الثاني أنهم يشكون في أن مصر ستقوم بإعدامهم، وهم لا يريدون أن يكونوا السبب في ذلك.

لم يتوصل الطرفان إلى نتيجة في هذه النقطة. وانتهى الأمر بأن طلب الوفد الأمني المصري تسليم أربعة أشخاص فقط، قالوا إنهم ضالعون في محاولة اغتيال الرئيس السابق أثناء ذهابه لحضور مؤتمر القمة الأفريقي في أديس أبابا، إلا أن الطرف الإيراني ــ ممثلا في شخص محدثي ــ راجع المختصين في طهران فقالوا له إن هؤلاء الأشخاص ليسوا موجودين في إيران. فما كان من الوفد المصري إلا أن أنهى مهمته وعاد إلى القاهرة.

القصة الثانيـة حدثت بعد الثورة، حيـث تلـقت طهران رسالة رسمية من مصر تحدثت عن إمكانية مناقشة موضوع العلاقات بين البلدين بعد مراجعة الموقف الإيراني من ثلاثة أمور:

الوضع القائم في العراق، مساندة الحكومة السورية، حسم مسألة أمن الخليج، وفي تعليقه على القصتين قال محدثي إن نظام مبارك كان معنياً بالملف الأمني بالدرجة الأولى، إلا أن الرسالة التي تلقتها طهران بعد الثورة دعت إلى تعرية السياسة الإيرانية قبل الحديث عن عودة العلاقات، الأمر الذي فهم منه المسؤولون في طهران أن مصر وضعت شروطاً تعجيزية لا تفسر إلا بأنها بمثابة إغلاق لملف إعادة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.

أثناء انعقاد القمة الإسلامية حدث أمران مهمان في السياق الذي نتحدث عنه. الأول تمثل في عقد قمة ثلاثية ضمت إلى جانب الرئيس محمد مرسى الرئيسين التركي عبدالله غول والإيراني أحمدي نجاد. وفي هذا الاجتماع حدثت تفاهمات حول أمور عدة، كان من بينهما مبادرة مصرية دعت إلى اجتماع ثماني لبحث الملف السوري تشترك فيه إلى جانب الدول الثلاث ممثلون عن الحكومة السورية والمعارضة إلى جانب منظمة التعاون الإسلامي والجامعة العربية والمبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي، المبادرة جاءت تعبيرا عن تطوير للموقف المصري يمهد للتعاون المشترك، ولا يثير النقاط الأخرى التي وردت في الرسالة التي سبق إرسالها إلى طهران. كما أنها تعول على الحل السياسي للأزمة السورية بعد إعلان رئيس المجلس الوطني السوري السيد معاذ الخطيب استعداده للحوار مع النظام.

تحفظ الرئيس التركي على فكرة الحوار بين المعارضة ونظام دمشق، إلا أن التفاهم المصري الإيراني بدد الانطباعات السلبية السابقة وأحدث ثغرة في أفق العلاقات الذي بدا مسدوداً.

الأمر الثاني المهم أن السفيرة الأميركية في القاهرة السيدة آن باترسون طلبت لقاء رئيس الوزراء الدكتور هشام قنديل، لأول مرة منذ تعيينه في منصبه. وحين التقته في مكتبه قالت له إن هناك معلومات تحدثت عن تعاون اقتصادي وشيك بين القاهرة وطهران، يشمل إيداع وديعة بعدة مليارات من الدولارات لحساب مصر في البنك المركزي، كما يشمل إمداد مصر بما يعادل 5 ملايين طن من النفط شهرياً، هذا بالإضافة إلى معاملات تجارية أخرى. وقد عقبت على ذلك قائلة بأن إيران خاضعة لعقوبات دولية أقرها مجلس الأمن. وهي تريد أن تنبه مصر إلى أنها إذا فتحت باب المعاملات الاقتصادية معها، فإن ذلك قد يخضعها بدورها لتلك العقوبات، الأمر الذي من شأنه أن يعرضها إلى مزيد من الأزمات الاقتصادية التي قد تحملها بما لا تطيق.

رسالة السفيرة الأميركية، فضلا على أهمية مضمونها، فإنها تسلط الضوء على الدور الذي تقوم به الولايات المتحدة في صياغة الموقف المصري إزاء إيران. ذلك أن المتواتر، لدى الدوائر وثيقة الصلة بالقرار السياسي، أن الإدارة الأميركية رهنت موقفها الإيجابي من النظام الجديد في مصر بتوافر ثلاثة شروط، هي: عدم المساس بمعاهدة السلام مع إسرائيل ــ مقاطعة إيران ــ إتاحة هامش من الديموقراطية يحسن الصورة ويحفظ استقرار الأوضاع في مصر. ولا يحتاج المرء لأن يبذل أي جهد لكي يدرك أن النقطتين الأوليين تتفق فيهما المصالح الأميركية والإسرائيلية، ولا لكي يلاحظ أن مطلب الاستقرار المنشود يقاس بمقدار تأمينه لتلك المصالح. إذ ليس سراً أن واشنطن يهمها ذلك الاستقرار حتى وإن تم ذلك على حساب موت السياسة. كما يحدث في بعض الأنظمة المحيطة بنا والتي تحظى بالرضى والمباركة الأميركييْن.

قبل أكثر من ربع قرن وصف الدكتور جمال حمدان مصر وإيران وتركيا بأنها مثلث القوة في المنطقة، الذي باكتمال أضلاعه تنهض وتستقر وتعاد صياغة موازين القوى في الشرق الأوسط. وذلك هو الرأي الشائع في أوساط الخبراء الاستراتيجيين ودارسي العلوم السياسية. ولكن لأن المثلث له هذه الخصوصية الفريدة فإن الأطراف ذات المصلحة في الهيمنة على المنطقة وتركيعها كانت وما زالت حريصة على ألا يتحقق ذلك التكامل بين الأضلاع الثلاثة. وبات من المفارقات مثلا أن تغض مصر الطرف عن تناقضاتها مع إسرائيل وتطبع العلاقات معها في حين يحرم عليها أن تمد أية جسور مع إيران، بما في ذلك خط الطيران بين البلدين.

عند أهل النظر فإن إقامة العلاقات بين مصر وإيران تعد ضرورة استراتيجية، ومصلحة مشتركة للبلدين وللعالم العربي والأمة الإسلامية. ولا يعني ذلك تجاهل أية خلافات أو أية ملفات عالقة بين البلدين. ولكنه يعني تغليب المصالح العليا وإدارة الخلافات بين الطرفين بما لا يهدر تلك المصالح، وعلاقات إيران وتركيا نموذجية في هذا الصدد. فالبلدان خاضا حرباً شرسة بين الصفويين والعثمانيين، وأحدهما شيعي والآخر سني، وبينهما تناقضات في العراق وسوريا وأحدهما مخاصم لإسرائيل ومعاد للولايات المتحدة والثاني متصالح مع الاثنين. ومع ذلك فالجسور لا تزال ممتدة بين البلدين والتبادل التجاري بينهما يتجاوز عشرة مليارات دولار سنوياً. وهما يسعيان جاهدين للتفاهم والتقارب وليس الخصام والتقاطع. حتى منطقة الخليج العربي التي لها أكثر من مشكلة حساسة مع إيران، نجدها تحتفظ بعلاقات ديبلوماسية معها، علماً أن حجم التبادل التجاري بينها وبين الإمارات وحدها يقدر بحوالي 15 مليار دولار سنوياً، ولدى السعودية سفيران إيرانيان وليس سفيراً واحداً، أحدهما في الرياض لدى الدولة والثاني في جدة لدى منظمة التعاون الإسلامي.

هكذا، فإن تطبيع العلاقات مع إيران حلال على الجميع، لكنه محرم على مصر. وذلك التحريم تفرضه الولايات المتحدة وإسرائيل وبعض دول الإقليم في الخارج. وتقف في صفها القوى السلفية وبعض أصحاب المصلحة في الداخل.

انشر عبر