شريط الأخبار

موجز تاريخ الحذاء- يديعوت

11:08 - 11 تشرين أول / فبراير 2013

موجز تاريخ الحذاء- يديعوت

بقلم: سمدار بيري

في سني طفولتي البهيجة في حيفا كان الحذاء يطير ويطاردني في كل مرة كنت اتجرأ فيها أنا وأختي على الاخلال بقدس أقداس السكون المطلق والشغب بين الثانية والرابعة ظهرا. فقد كانت أمي (لأن أبي كان في العمل دائما) تستل السلاح الفظيع من تحت السرير وتُسدده الى الهدف وتصيبه على نحو عام، وتستخرج منا أمواج ضحك مخنوق. في مدينة العمال حرصوا على راحة الظهيرة. وفي بيوت اخرى استعملوا الأحزمة أو الضرب على الأيدي. أما عندنا فأصروا على التربية بالحذاء.

        بعد سنين لقيت في الجانب الآخر من الحدود تصورا مختلفا للحذاء، فقد كدنا نضيع مقابلة صحفية مع حاكم عربي حينما جلست أنا وزميلي أمام عدسات التصوير ووضع رجلا على رجل. ولم يكن الحاكم قد جاء بعد لكن المستشارين تأهبوا. قولي له، وأشاروا الى الزميل، أن يضع فورا قدميه على الارض. ولم يدرك الزميل ما الذي يريدونه من حياته. قولي له، أصر رئيس خلية حُراس القصر انه اذا كان ينوي ان يوجه طرف حذائه نحو الحاكم فلن توجد مقابلة صحفية.

        وعادت الأحذية حينما أُسقط رئيس العراق صدام حسين. فقد ضرب آلاف تمثاله المحطم بالأحذية وداسوه بنعال البيوت ومزقوا الصور الضخمة في الميادين. وحينما جاء الرئيس جورج بوش في زيارة مفاجئة لبغداد، خلع الصحفي منتظر الزيدي حذاءا رياضيا ورمى الرئيس الامريكي به في غضب مصحوب بالشتائم. واستطاع بوش أن ينحني واعتقل الزيدي وتحول سريعا الى بطل الشارع العربي بفضل حادثة الحذاء. وقد عرض عليه رجل اعمال من الخليج تعويضا بلغ ملايين، وحدد المنتج وصنع لنفسه الحذاء نفسه بالضبط مصنوعا من الذهب الخالص.

        إن الحذاء، مثل الكلب بالضبط، يُرى في العالم الاسلامي انه ذروة النجاسة. فاذا كنت ترمي بنعل مشت في الوحل والنجاسة فهذه علامة على أنك تقصد تنجيس الهدف والتعبير عن استخفاف عميق. ولا يجوز وضع رجل على رجل أمام شخص رفيع المستوى خشية ان تنبعث رائحة نتنة من الحذاء القذر. ويتبين ان الحذاء يرمز ايضا الى المكانة الاجتماعية: فقد حُكم على الفقراء بالسير حُفاة، أما من هم أقل فقرا فيشترون صنادل أو قباقيب من المطاط الرخيص. وتحرص الطبقة العليا على شراء أحذية جلدية فاخرة. وحينما ترمي بنعل فانك في واقع الامر ترسل برسالة إهانة الى حاكم أو مسؤول كبير يتعاونان مع العلمانيين الكفار مُنتجي الأحذية النفيسة.

        أمس تلقى رئيس مجلس الشعب الايراني علي لاريجاني، المرشح للرئاسة، مطر أحذية حينما حضر مؤتمر انتخابات في مدينة قُم المقدسة. وقبل ذلك بيوم كان حظ رئيس ايران احمدي نجاد حسنا حينما انحنى في آخر لحظة وتجنب الحذاء الذي سُدد اليه عند خروجه من المسجد الكبير في القاهرة. وكان الرامي لاجئا سوريا أراد ان يصفي الحساب مع حليف بشار الاسد المعلِن في طهران، ولم تعرف السلطة كيف تواجه هذه الحادثة. فالحديث من جهة عن ضيف فخم الشأن. ولكن مصر الرسمية من جهة ثانية تميل الى جانب رامي الحذاء. وقد دعا مرسي بشار الى التنحي وليست عنده خطط لتسخين العلاقات باحمدي نجاد الذي سينصرف الى بيته أصلا بعد اربعة اشهر وأن يورط نفسه مع الادارة في واشنطن.

        في خضم بحر التقارير الصحفية عن قضية الحذاء في القاهرة حصلنا على موجز تاريخ الأحذية الطائرة في العالم العربي. إن الرأس هو العضو الأهم في جسم المؤمن المسلم بسبب الدماغ والافكار. والجسم فيه القلب واليدان اللتان أُعدتا لاستعمال القوة والارتزاق. أما الجزء الأسفل فهو للانتقال من مكان الى مكان، في الحرب والسلام، ومن ميدان القتال الى منصة النصر، ومن الطاهر الى الدنِس والقذر. وماذا عن الحذاء؟ إن من لا يملكه يُعد بلا تربية وثقافة وبائسا أبديا غادره الحظ.

        في موجز تاريخ الرمي، لا يخرج المثقفون والاغنياء في العالم الاسلامي لرمي الأحذية لأن هذا هو سلاح من ليس عندهم ما يخسرونه ومن ضاقوا ذرعا باستماع وعود لن تتحقق أبدا.

انشر عبر