شريط الأخبار

هَزُلَت..؟! قليل.. د.علي عقلة عرسان

05:00 - 08 تشرين ثاني / فبراير 2013


 

لم أستطع أن أتبين سبباً معقولاً "لإنذار" شبيه بإنذار غورو، وجهه رئيس ائتلاف "معارضة الخارج" إلى النظام في سورية، يمهله فيه حتى يوم غد الأحد 10/2/2013 لإطلاق سراح النساء السوريات السجينات أو الموقوفات جميعهن.. وإلا..؟! لم أتبين سبباً كما أسلفت إلا البحث عن مخرج للتنصل من الإعلان عن "التوجه المشروط" نحو " تفاوض على رحيل النظام؟!" كما سماه، وهو توجه يجعله شرطُه مكفوفاً لأنه يلغي الشريك ويفرض حالة لايوجد ما يوجب فرضها.. وهذا لا يمكن أن يحقق تقدماً نحو السير في طريق الحل، بصرف النظر عن الحجج المبداة والبواطن المخفاة، والنوايا التي للأطراف المعنية بالصراع الذي يبحث عن حل. وفي تقديري أن ذلك الإنذار يأتي نتيجة اعتراض من اعترض، من داخل الائتلاف، على المقترح أو التصريح الذي أطلق عليه صفة "المبادرة"، هذا إذا افترضنا حسن النية وأن الأمر كله لم يكن مجرد مناورة.

لست مع بقاء شخص واحد في السجن من دون أن يكون صدر بحقه حكم قضائي، سواء أكان رجلاً أم امرأة، لا سيما النساء، ولا قبول أية ممارسة تنطوي على ظلم أو تمييز وتشيع الفوضى في البلاد وتؤدي إلى فساد وإفساد، أو السكوت عليها وعلى مرتكبها.. وما يعنيني هنا بالتحديد هو الوقوف على البعد الأخلاقي الذي يجعل ساسةً، أياً كان موقعهم وموقفهم ودورهم وهدفهم ومكانتهم وتكوينهم.. و.. إلخ، يسوِّغون لأنفسهم ممارسات وتحركات وتصرفات وأفعالاً وأقوالاً، يدفع ثمنها الناس دماً ومعاناة وتحيل حياتهم إلى جحيم، وتبثّ الفوضى في المجتمع والعلاقات، وتكلِّف الأوطان خسائر فادحة.. بينما لا يطال الساسة المعنيين من ذلك كله أذى ما، بل ربما يرتفعون بنظر أنفسهم وبنظر الموالين لهم وبعض الجهات التي يعنيها شأنهم.. درجة، هي عملياً درجة انحدار لأنها غالباً ما تكون مبلَّطة بالجثث البشرية والدماء وملونة بألوان البؤس، ومؤدِّية إلى الضنك والإحباط وربما اليأس.!؟

لقد لمع في أفق بعض الناس منا برقُ أملٍ بعد لقاءات وتصريحات تمت في ميونيخ وأقبلت عليها دول معنية بالأزمة السورية ورحب بها، برزت فيها رغبةٌ في ترجيح كفة حل سياسي للأزمة يصنعه السوريون أنفسهم بأنفسهم، حقناً للدماء وإنقاذاً للشعب من المعاناة والدولة من الانهيار!؟.. ولكن لم نلبث أن تبيّنا أن ذاك لم يكن سوى لمع سراب.. وأننا لقد غَلَّبنا الأماني والتفاؤل المفرط حين تكلمنا عن بصيص ضوء أمل في النفق المظلم، على الرغم من أن التدقيق والتمحيص في تفاصيل " الدعوة القرعاء" على أرضية الواقع والمنطق واستقراء تاريخ الحدث منذ نشوئه.. ينفيان إمكانية كونها بشائر تحملها ريح تزجي سحائب إلى أرض عطشى للماء قد غصت بالجثث وضاقت بصبيب الدماء.. ولا يجعل التدقيق والتمحيص منها ثباتاً مؤقتاً على قول وموقف يمكن أن يستثمر فيهما الخيرون لجهة الحل، وأن يجعل المنطق من ذينك القول والموقف حالة صحو ومراجعة واستشعار للمسؤولية بحيوية ضمير وحكمة عقل، تساهم في انزياح الوضع من المدابرة إلى المقاربة.. ولكن سرعان ما تبين أن ذلك سراب بقيعة يعود الظامئ من الركض وراءه أكثر ظمأً ويأساً، وبرق خلب من الأقوال التي تساهم في إضراء حدة البأس وبؤس الاقتتال.. وقد جاءت الأيام الثلاثة الماضية التي تلت موجة الكلام في الموضوع مصداقاً لذلك، إذ شهدت الأوضاع السورية تصعيداً في العنف الدامي، وتدميراً طال مدنيين أبرياء ومقاتلين من طرفي الصراع، معظمهم من السوريين.. وأتى ذلك على مباني ومواقع ومنشآت ومؤسسات ومعامل، منها معامل الدفاع التي كلفت الشعب السوري الكثير وتشكل ركيزة من أهم ركائز دفاع سورية عن أرضها وحقوقها ضد أعدائها، كما ذهب بحياة عناصر بشرية ذات تخصص مهني وخبرة يحتاج إليها الوطن وشباب هم مستقبله.. ليضاف كل ذلك إلى رصيد المحنة التي أرهقت الشعب وأصابت البلاد بما ندر أن أصيبت بمثله منذ الاستقلال حتى اليوم.

إن كل الشروط التي توضع للدخول في حل سياسي سوري – سوري يقود إليه الحوار الوطني المسؤول الذي يجري على الأرض السورية، ومن دون تدخل خارجي من أي نوع أو ارتهان من أي لون.. هي معوقات وذرائع لا يمكن أن تُقبل من أحد، وأعباء على الوطن والشعب يفرضها "ساسة" لا تعنيهم عملياً شجون الناس وشؤون الوطن، وهي غير مقبولة اللهم إلا ثلاثة شروط، هي مطالب مشروعة كما نعتقد، تمهد اجتماعياً وسياسياً ومنطقياً وأخلاقياً وإنسانياً لمناخ عام ملائم، وثقة تنمو بين كل الأطراف على أرضية نسبية من الأمن والاستقرار، وتساهم في إنجاح الحوار، وهي: وقفُ العنف بكل أشكاله ومصادره، وعودةُ المهجَّرين في داخل سورية وخارجها إلى بيوتهم بأمن واطمئنان مع تقديم التسهيلات والمساعدات لهم لإعادة توطُّنهم، وإطلاقُ سراح كل من تم توقيفه أو احتجازه أو اختطافه بسبب الأزمة/البلوة والابتلاء/ ما لم يثبت أنه ارتكب جريمة يصدر بها حكم من القضاء.

وقد تضمَّن مشروع الحل السياسي ذو المراحل الثلاث الذي تعمل عليه الحكومة السورية الآن، بجدية ملحوظة، تضمَّن تلك الشروط/ المطالب على نحو ما، ويمكن تعزيز هذه المطالب وتوضيحها وإزالة كل ما قد يشوبها من شوائب أو ما يضعفها ويجعلها موضع مماحكة ومناورة ومداورة؛ وتقديم كل ما يساعد على تحقيقها بأسرع وقت وعلى أكمل وجه. وعلى من ينظر إلى ذلك المشروع على أنه إملاء وإلى أن الأخذ به إلحاق، أن يقدم بديلاً أفضل يقنع ويستقطب، كما أن على الحكومة التي تعمل على تنفيذ المشروع ألا تنظر إلى أن بيديها الأفضل والأكمل والأشمل وأن على الآخرين أن يلتحقوا بها، بل عليها أن تؤكد وتعيد التأكيد على أن من يدخلون هذا المدخل هم وإياها شركاء متساوون. وعلى كل الأطراف المعنية بالمشروع، أي بالحل السياسي والوصول إلى حقن الدماء واستعادة سورية وشعبها لحالة من لأمن والاستقرار أن تحرص على المشاركة من أجل استنقاذ سورية من مصير مظلم لا يمكن أن يقبله لها ولشعبها العظيم عاقلٌ مؤمنٌ حرٌ منتمٍ لأمة ووطن وثقافة وحضارة وقيم إنسانية سليمة، ويريد دولة مدنية عصرية مستقلة ومتحركة نحو الأفضل.  

لم يعد مقبولاً استمرار الوضع في سورية على ما هو عليه من فوضى ودموية وفتك واقتتال واستهانة بالشعب والوطن وحياة الناس، حيث تتجلى بوضوح أنواع من الأمراض الاجتماعية الفتاكة بالقيم والأصالة والأصول، وتظهر استباحة الشعب والوطن والاستهانة بالحياة البشرية والعمران بمعناه الخَلْدوني – الحضاري الشامل، بفظاعة لا توصف.. ولا يجوز لأي سياسي، أياً كان ومهما كان، أن يدعي أنه الشعب والوطن والناطق باسمهما ما لم يكن مخولاً من الشعب شرعياً ورسمياً بتمثيل الوطن والتعبير باسم الشعب، عبر مسؤولية قانونية وأخلاقية هي أمانة يحاسَب عليها بكل ما تعنيه الأمانة ويعنيه الحساب، ولا يجوز لأي شخص أن يقفز من نافذة السياسة أو أن يلج من باب من أبوابها ليفرض ذاته أو رأيه وسلطته ومصلحته أو ارتباطه على الوطن والشعب، مضحياً بمصالح الناس وثوابت الشعب وتراث الوطن.. لكي "يفرحنا" بقامته قامة تردي القامات وتحز الرقاب وتطيح بالحقوق والحريات والآراء وباستقلالية الوطن وكرامته، وينتصب مسؤولاً في خضم من الدم والألم، و" وطنياً فذاً" في المنابر والمعابر، يتآمر على الوطن ويستعدي عليه الدول، ويفعل فعل السمسار للأمم على أمته يبيعها في الأسواق بعد أن استرخص أن يبيع ويباع. يكفينا ما لقينا حتى الآن من سياسات ومواقف وآراء وارتباطات أوردتنا موارد الهوان وأوقفتنا على مشارف فتنة تكاد تشعل الأمتين العربية والإسلامية، بعدما أحرقت ما أحرقته في سورية العزيزة قلب الأمتين.

لم يترك ساسة هذا الزمن قيمة تُذكر فتشكر لسياسة مسؤولة منتمية محترمة مترفِّعة رفيعة تنقذ الناس من الظلم والجهل والإرهاب والفتن والارتهان، ولا تكون السبب في جعل صغارهم وكبارهم، نسائهم ورجالهم.. مادة ووقوداً لنار يشعلونها وصولاً إلى سلطات وشهوات وثروات ونزوات تحكمهم وتجعلهم يعبثون بالناس ومصائرهم.. ولم يترك كثير من الساسة سبيلاً لرفع ذاته ومصلحته ورأيه وفئته فوق كل من عداه وكل ما علاه إلا واتبعه، مستبيحاً كل قيمة وحرمة ووسيلة، بَلْه استباحة القوانين والحقوق والحريات والمفاهيم وعقول الناس.. ومن الطبيعي في النتيجة أن سياسة وساسة من هذا النوع لم يتركوا في الناس الذكرى والقدوة الحسنتين، فمن غرق منهم في شيء من ذلك يجيئ من يغرقه ويغرَق معه فيما هو أشد بؤساً وأنكأ لجراح المجرحين.. وها نحن الآن في زمن تُبنى فيه السياسات بالجماجم بدل أن تُحمي الجماجمَ ومكنوناتها وتنمى وتطور وتكرَّس للعقل والبناء والإبداع والاختراع؟! يقولون في مثل هذه الأحوال:" هزُلَت"؟! ووالله إنها كلمة لاتفي الواقع حقَّه، ولا الموصوف وصفه، ولا تنعت كل من ينطبق عليهم الهُزال في الرأي والرؤية والقيمة والأداء والتدبير والتفكير الذي من هذا النوع، المؤدي إلى مثل هذا الجحيم.. ما يستحقه من نعوت.   

 شبابنا يحمل بعضه السلاح على بعض، يُميت ويموت، سواء أكان في عصائب مسلحة أو في قطعات من الجيش العزيز نُذرت لغير ما تخوضه الآن من حرب.. جيشنا العزيز نغرقه في أرضنا بين رمل ورمل ونار ونار، بينما يتجرأ العدو الصهيوني على أن يستبيح أرضنا وسماءنا شيئاً فشيئاً، وها هو يبني في الجولان السوري المحتل جداراً، ويقيم مناطق عازلة في أرضنا، ويخترق بطيرانه فضاءنا ليقصف مواقع ومواقع، ويهدد ويتمدد.. ونحن نضطر إلى مواجهة بعضنا بعضاً ليفرح هو ويسرح ويمرح على هواه؟! أوليس هذا زمن العجائب التي تصيب أهلها بأفدح المصائب وتجعلهم بين الأمم أضحوكة للأمم؟! هل مهمة شباب سورية أن يقتلوا سورية باسم " الحرية" وأن يقاتلهم جيشها باسم الحفاظ على الوطن والشعب والقيم الوطنية؟!.. هَزُلَت.. هذا قليل!! إنها كلمة أقل بكثير مما ينطبق عليه وضعٌ يصيبنا في مقاتل، ويضعنا أمام خيارات أهون منها المستحيل.

دمشق في 8/2/2013

انشر عبر