شريط الأخبار

د.علي عقلة عرسان يكتب : مركز جمرايا .. العدوان الصهيوني طبيعة راسخة

08:01 - 01 آب / فبراير 2013

بعد منتصف ليل السادس من أيلول 2007 اخترقت مقاتلات إسرائيليّة الأجواء الجوّية السوريّة، بعد أن عطلت رادار سورياً قرب الحدود التركية، لتدمر منشأة قيد البناء بالقرب من نهر الفرات في محافظة دير الزور لم تكن لها حماية، قيل إنها منشأة معدَّة لمفاعل نووي لأغراض حربية تبنيه سورية بالتعاون مع كوريا الشمالية، ولم يثبت ذلك الادعاء الإسرائيلي الذي باركته الولايات المتحدة الأميركية، بأي شكل من الأشكال، وقال الدكتور محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، في حينه: «مفتشونا الذين حللوا الصور الفضائية بعناية استبعدوا أن يكون المبنى مفاعلاً نووياً».. ولم تكن تلك البلطجة الإسرائيلية المؤيَّدة أميركياً، قبل القيام بها وبعد إنجازها، هي الأولى على سورية فقد سبقها العدوان على مخيم عين الصاحب في 5 تشرين أول/ أكتوبر 2003 والتحليق الاستفزازي بطائرات F 16 فوق القصر الرئاسي قرب اللاذقية في 28 حزيران/ يونيو 2006، ذلك الذي سانده نائب الرئيس الأميركي ديك تشيني في حينه، واعتبره" بمثابة عصا لسوريا"، ويجيء اليوم، وخلال الأزمة السورية الدامية المستمرة منذ اثنين وعشرين شهراً، يجيء العدوان الإسرائيلي على مركز للبحث العلمي مسؤول عن رفع مستوى المقاومة والدفاع عن النفس في "جمرايا/ شمال غرب دمشق" في الساعات الأولى من يوم الأربعاء 30 كانون الثاني/ يناير 2013، ليزيد في تأكيد الطبيعة العدوانية الإسرائيلية المؤكدة من جهة، وليكشف ضلوع "إسرائيل" والولايات المتحدة الأميركية التي وافقت على العدوان الأخير المشار إليه كما في سابقاته، في الأزمة السورية سياسياً واستراتيجياً وعملياتياً.

إن قيام الكيان الصهيوني بهذه الاعتداءات على سورية وعلى دول عربية أخرى، بمباركة وحماية أميركيتين، يؤكد الشراكة القذرة بينه وبين واشنطن في أعمال عدوانية وإرهابية وإجرامية خارجة على القانون وعلى كل قيمة إنسانية وخلق نظيف، وللتذكير فقط نشير إلى أعمال من هذا القبيل، منها: العدوان الإسرائيلي على مفاعل تموز قرب بغداد عام 1981، وعلى مصنع اليرموك للذخيرة قرب الخرطوم أكتوبر 2012، وقبله قصفت الولايات المتحدة الأميركية معملاً للأدوية في الخرطوم بعملية إرهابية مكشوفة، والعدوان الإسرائيلي على مطار بيروت الدولي، وعلى تونس، والعدوان على مطار عنتيبي في أوغندا.. والقائمة طويلة وتطول،. وكل ذلك وسواه كثير، يفضح الطبيعة العنصرية الإجرامية المشتركةويبين أنها راسخة ومتنامية.

العدوان الصهيوني الأخير على مركز البحوث في جمرايا جاء بعد إعداد واستعداد وتدبير، فقد نقل قبل عدة أيام من ذلك بطاريتين من نظام القبة الحديدية المعدة لاعتراض الصواريخ إلى الحدود مع سورية ولبنان، وقال بنيامين نتنياهو، خلال زيارته الأخيرة للجولان المحتل:"نتنياهو: نستعد لمواجهة إنهيار الأسد"، ورافقت زيارته أقوال يائير غولان قائد المنطقة الشمالية في جيش العدوان والاحتلال والإرهاب ىالصهيوني إنه لا يستبعد  " تدخلاً عسكرياً مباشراً داخل الأراضي السورية، واحتلال مناطق، وإقامة حزام أمني، على شاكلة الحزام الأمني السابق في لبنان"، وكان رئيس جهاز الاستخبارات العسكرية في الجيش الإسرائيلي، افيف كوخافي في زيارة سرية للولايات المتحدة الأميركية للقاء عدد من كبار المسؤولين الأمنيين الأميركيين في البنتاغون، قبل العدوان، للبحث في مسائل أمنية، من بينها الأوضاع في الساحة السورية.".

وفي ظل الصمت الرسمي الإسرائيلي المعتاد في مثل هذه الاعتداءات الإجرامية الذي يتم لخلق بلبلة ولسبر رد فعل المعتدى عليه، ولاستشفاف رد الفعل الدولي والاستعداد لمواجهته وصوغ الردود عليه بالتوافق والتنسيق مع مع الولايات المتحدة الأميركية، تم تسريب إعلامي من نوعين: مباشر وغير مباشر، أي عبر وسائل إعلام إسرائيلية، وعبر محللين أميركيين على الخصوص عبر وسائل إعلام غربية وعربية، لتقديم معلومات وذرائع ومؤثرات في الرأي العام وفي الأوساط السياسية.. فقد ذكرت صحيفة "إسرائيل اليوم" بتاريخ الخميس 31 يناير الجاري: ".. أن إسرائيل هاجمت أمس الأراضي السورية مرتين، الهجوم الأول استهدف قافلة شاحنات سورية كانت تقل صواريخا مضادة للطائرات في طريقها إلى حزب الله اللبناني، والهجوم الثاني استهدف معهداً للأبحاث بالقرب من العاصمة دمشق.".. أما التسريبات / المواقف من النوع الثاني التي تمت عبر الإعلام غير الإسرائيلي ومن محللين غربيين ومن في حكمهم من بعض العرب، فتتلخص في التركيز على الآتي: " من حق إسرائيل أن تدافع عن نفسها"، و" تتشارك إسرائيل مع الولايات المتحدة في المخاوف من أن تستخدم سورية أسلحة كيميائية أو أن تقع تلك الأسلحة وسواها في أيدي الجماعات المسلحة.."، و" أن الهجوم يحمل رسالة إلى إيران بأن الذي استهدف سورية يستهدفها، وأن يدها طائلة."، و" إن النظام في سورية يترنح وهو عاجز عن الرد ويمكن للمعارضة المسلحة أن تقرأ ذلك بهذه العين."..إلخ.

لقد نفت سورية أن يكون العدوان الصهيوني قد استهدف قافلة من أي نوع، لا من شاحنات محملة بصواريخ روسية حديثة، ولا بأسلحة كيمياوية غير موجودة أصلاً، ولا بأي نوع من الحمولات.. إلى حزب الله في لبنان.. وأن الغارة الصهيونية واحدة استهدفت مركز البحوث العلمية مباشرة. وأفاد سكان في المنطقة بأن الطائرات الإسرائيلية ألقت تسع قذائف كانت الأولى هي الأخطر وقد أصابت المركز وتسببت بدمار وخسائر. وقد أتت الغارة على هذا المركز بعد عدة محاولات فاشلة من جانب المسلحين للاستيلاء عليه وقولهم: "إن فيه خبراء إيرانيين"؟! .. وفي خبر نشر على " الفيسبوك"، ينبغي الوقوف على تفاصيله ومدى دقته والتثبت من صدقيته، لما له من دلالات وخطورة وعلاقة بالهدف موضوع العدوان، مفاده: "أن أحد إعلاميي المعارضة المسلحة في موسكو صرح بأنهم "يمتلكون معلومات عن موقع عسكري سري في ريف دمشق، يخبئ فيه النظام أطناناً من اليورانيوم المشع، ويستعد لترحيله إلى إيران في القريب العاجل."!؟ ومثل هذا الادعاء إذا ما صح ووصل إلى العدو فإنه كفيل بإلقاء أضواء على أمور كثيرة تتصل بالعدوان على مركز البحوث في جمرايا، ومحاولات الاستيلاء عليه، وبما هو أبعد من ذلك بكثير مما يتصل بالأزمة السورية والاستهداف المتكرر لبنى حساسة في الجيش العربي السوري على الخصوص.. كما أنه يساعد أكثر وأكثر على فهم محتوى التسريب غير المباشر الذي يقول: " أن الهجوم على المركز في جمرايا يحمل رسالة إلى إيران بأن الذي استهدف سورية يستهدفها."، كما يلقي الضوء على وجود معلومات وتهديد وخلفيات دعت إيران إلى القول بلسان ولايتي: "أي هجوم على سوريا يعتبر هجوماً على إيران"، وإن كان هذا التصريح له من المعطيات السابقة على العدوان الصهيوني ما يبرره.

لقد وصف الجيش السوري في بيان له بأن الغارة "عدوان سافر" و"اختراق سافر للسيادة"، ولم يذكر شيئاً عن الرد عليه، سواء بصورة عاجلة أم آجلة.. وذاك أمر مفهوم، فحين تكون سورية في مثل هذا الوضع الذي هي فيه الآن فلا يمكنها أن تفتح جبهة مع عدو يستهدفها ومعه حلفاؤه الذين يمهدون لمثل هذا المبرر ليتخذوا منه ذريعة للتدخل العسكري بالمباشر من خلال إسرائيل والدفاع ىعنها، بعد أن أعيت بعضهم الوسائل.!! وحين تكون الولايات المتحدة شريكاً في الفعل فعلى سورية وهي في وضعها الراهن المعروف أن تفكر بأمر الرد أكثر وأكثر، فالباتريوت الأطلسية في الشمال مع وجود القوات التركية في حالة انتشار على الحدود، وبطاريات قبة الكيان الصهيوني الحديدية في الغرب والجنوب الغربي وجيش الاحتلال يتهيأ للعدوان، والداخل مشتعل، وبعض العرب طرف في الاعتداء والاستعداء.. فعلى أي جانبينا نميل.؟!

إن من يرى في هذا الفعل العدواني الصهيوني تعزيزاً، على نحو ما، لموقف النظام بوجه المعارضة المسلحة مخطئ وواهم ومغرض، ومن يرى فيه مناصرة للمعارضة ضد النظام يصطدم بإعلانات المعارضة بأنها الأحرص على محاربة الاحتلال الصهيوني، ومن يذهب في تفسير الأمر على أن العدو الصهيوني يستهدف الطرفين بأيدي بعضهما بعضاً قد يكون أقرب إلى الحقيقة لأن العدو لا يريد لسورية وجيشها وشعبها بكل أطيافه إلا الدمار والتخلف و.. و.. وهذا هو الأقرب إلى الفهم المستنِد إلى حقائق التاريخ والجغرافية، وإلى الطبيعة العدوانية العنصرية الإجرامية الراسخة لإسرائيل. من المؤكد أن سورية بحاجة إلى أن تتعافى مما هي فيه لكي تتصدى للعدو الرئيس والمجرم الأول في المنطقة " إسرائيل"، ومن المؤكد أن كثيرين من أبنائها المخلصين المدركين لحقائق الأمور والمنتمين بإيمان وإخلاص ووعي لأمتهم ووطنهم يعرفون ذلك ويدركون أبعاده.. ومن المؤكد وجود اختراقات في صفوفنا تجعلنا نخوض أبعد وأبعد في دوامة العنف والدم والدمار، الضعف والإضعاف.. ولكن أياً كانت الأمور فلن نفقد الأمل، وسورية الشعب والبلد ستبقى على مبادئ وأهداف ومواقف راسخة تتصل بماضيها ومستقبلها وهويتها وأمتها العربية.. وهنا نؤكد بكل التصميم والثقة ما قاله الجيش العربي السوري في بيانه حول العدوان الصهيوني الإجرامي على مركز الأبحاث في جمرايا: ".. أن مثل هذه الأعمال الإجرامية لن تضعف سورية ودورها ولن تثني السوريين عن مواصلة مساندة حركات المقاومة والقضايا العربية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.".

وربما جاز لنا، لو لم نكن في هذه الظروف المأساوية والامتحانات الصعبة والمحن الكارثية، وفي حالة الاستهداف الشاملة المعقدة والكبيرة والخطيرة.. ربما جاز لنا أن نكرر ما قاله نائب رئيس الجمهورية الأستاذ فاروق الشرع، بعد العدوان الصهيوني على موقع دير الزور، حيث قال لسيمور هيرش:" إنّ إسرائيل قصفت لاستعادة صدقيّتها، وهدف الإسرائيليّين هو أن نبقى نتحدّث عن المسألة.. ولن أخدم هدفهم. لمَ عليّ التطوّع لفعل ذلك؟!".. لكن الأمر يستدعي منا أن نبحث ونتقصى ونتحدث ليعرف بعض أبناء شعبنا ما ينبغي أن يعرفوا، ولكي نشعر بمدى الخطر وبعظم التحديات وضخامة الاستهداف لوطننا وشعبنا، ولنؤكد ضرورة أن نفيء إلى رشدنا فتحكمنا الحقائق والمبادئ والثوابت والعلاقات وقيم المواطنة والإيمان والانتماء لأمتي العروبة والإسلام، وما يرتبه ذلك على كل منا من مواقف ومراجعات وأفكار وتصرفات.

والله من وراء القصد

دمشق في 1/2/2013

 

انشر عبر