شريط الأخبار

المصالحة: كلاكيت عاشر مرة..عصام يونس

06:37 - 20 كانون أول / يناير 2013


كلاكيت  عاشر مرة، ينتظم المشهد مرة أخرى، الجميع أخد دوره في انتظار الانتهاء من آخر مشاهد مسلسل حزين، هل سينجح الأبطال في انجازه؟ سئم الجمهور في انتظار الانتهاء من هذا العمل، وكل مرة يتحينون الانتهاء منه نجد أن الممثلين يفشلون في ذلك ويخيبون ظن الجميع.


قد يكون ذلك مقارب لمشهد المصالحة في جولتها الجديدة المكررة،  وهو ما يثير كثيرا من الأسئلة حول امكانية تحققها هذه المرة على ضوء مايرد تباعا من القاهرة من أنه تم الاتفاق على مواعيد محددة للبدء وللانتهاء من تطبيق ما هو متفق عليه، وبأن التطبيق هذه المرة سوف يكون متزامنا.


يبدو أن ما تحقق من نصر وصمود في غزة وحصول الفلسطينيين على صفة الدولة غير العضو شكلا اسبابا جديدة لانطلاق جولة أخرى من جولات مصالحة عصية على التفكيك، على الرغم من وجود كل الأسباب لتحقيقها ولو على الأقل من الناحية الذاتية. فالمصالحة هذه المرة تتم وفق مشهد بطولي طرفاه منتصران، وهو سبب مهم ولكنه قد يشكل سببا معيقا لأن ادعاء النصر قد يعني سببا اضافيا، شرعيا، لقطعة أخرى من كعكة السلطة.


لم يتحقق الكثير بفعل التغيرات الاقليمية، وانا اجزم بأن غزة هي جزء موضوع الأمن القومي المصري كائنا من كان من يحكمها وكائنا من كان من يحكم مصر، والفعل السياسي تجاهها يبدو لي أنه سيكون ثابتا وان الحاجة كانت ولازالت هي في التعامل مع غزة كحالة سياسية وليس فقط كحالة أمنية. إن الوقت الذي امضي انتظارا لما سيسفر عنه الربيع العربي لم يكن ذو معنى بل ان البحث عن شرعية رسمية مفقودة، اقليمية ودولية، يبدو أنها في نهاية المطاف ليست رهنا بأبطال الربيع العربي بل هي استحقاق دولي لعالم لازال يتحكم في الاقليم قبل وبعد هذا الربيع.


المراهنة على تغيرات في النظام الدولي ولاسيما مع الادارة الامريكية الجديدة وانتظار ما ستسفر عنه الانتخابات الاسرائيلية هو مضيعة للوقت واعادة انتاج للمأساة ذات التسعة عشر ربيعا والتي لم تنتج الامزيدا من التدهور وحالة بالغة الهشاشة ومزيد من الاستيطان وتقطيع اوصال الاراضي الفلسطينية. إن رهن الارداة تجاه المصالحة بوهم التفاوض يحمل دمار ذاته، فكيف تستقيم فكرة المفاوضات مع العدو والشعب الفلسطيني منقسم على نفسه؟


لاشك أن الانتخابات تشكل عادة فرصة لاختبار الشرعية والجماهيرية وهي مخرج للأزمات السياسية لطالما لجأت اليها الانظمة الديمقراطية المستقرة. إن الاصرار على اجراء الانتخابات وتعظيم قيمتها في تفكيك ازمة النظام السياسي الفلسطيني، كشرط للبدء في تطبيق المتوافق عليه. إن الانتخابات في كثير من حالات الازمة ليس بالضرورة أن تشكل مخرجا للازمة بل قد تعمقها على نحو خطير، ومثال ذلك ما شهدته الأراضي الفلسطينية من انتخابات في العام 2006 وكذا في لبنان والعراق وإلى حد ما في مصر.


إن التفاول او التشاؤم فيما يتعلق بالمصالحة مرتبط بمفهوم المصالحة نفسه بالنظر إلى حالة الالتباس الشديدة لمفهوم المصالحة الدينامي على ضوء حقيقة ان الاراضي الفلسطينية هي اراض محتلة والمصالحة تعني الانتظام خلف المشروع الوطني سعيا لتحقيقه وفق آليات متوافق عليها.

بالاضافة إلى أن المصالحة تتم في حالة بلغت فيها وقاحة الانقسام حدا انتجت معه نظامين سياسيين في غزة والضفة يكادان يكونان مكتملا الاركان. والسؤال هل يمكن التوافق الآن على رؤية مشتركة تجاه المشروع الوطني وادوات تحقيقه؟ وهل يمكن المصالحة بين نظامين سياسيين؟ وكيف يكون ذلك في ظل حقائق يبدو انه من الصعب القفز فوقها، فقد اختفت مراكز ونشأت اخرى؟ ان ديناميات الانقسام واهمها عامل الزمن ذات تأثيرات كبيرة تستوجب عقلا وحكمة وارادة واصرارا على تفكيكها وتفكيك العوامل المنتجة لها.


هل يمكن أن تنجز المصالحة، نظرية وممارسة، في ظل وجود رؤيتين مختلفتين وغياب للتوافق على برنامج سياسي وعلى  إدارة الصراع مع الاحتلال والموقف من المقاومة والمفاوضات. إن من بين مسببات الازمة وعدم انجاز المصالحة يكمن في ازمة الثقة العميقة بين الطرفين المتخاصمين والتي تعمقت خلال سنوات الانقسام والتي شهدت افعالا وردود لها واستخدام لكل الموبقات بحق الخصوم السياسيين كل في الآخر. إن الفكرة المؤكدة والتي يعيها الطرفان وتشكل قوام علاقة كل منهما بالآخر عدم مغادرة مربع المؤامرة بأن كلا منهما يسعى لتقويض الآخر بل وتحطيم مشروعيته.


ان المصالحة والنظر اليها بمنطق القبيلة أي بين شقيقين متخاصمين سوف يوفر الاساس لإعادة انتاج الانقسام نفسه، فالمصالحة كما أراها يجب ان تكون تلك العملية النشطة المتوافق عليها والتي يجب بالضرورة أن تخرج النظام السياسي الفلسطيني من ازمته وهو ما يتطلب اشراك الكل الفلسطيني في ذلك للوصول إلى رؤية جامعة تجاه الصراع مع الاحتلال واداوت مقاومته واداوت تمثيل الفلسطينيين.


إن المصالحة في جولتها الجديدة تتم في خضم انتخابات اسرائيلية عامة تؤشر لفوز اليمين وتعظم من خطاب العداء للفلسطينيين ورفض لحقوقه المشروعه ورفضه لفكرة المصالحة وتهديد السلطة في حالة الافتراب منها. شكل الانقسام في النظام السياسي الفلسطيني وتفتيت وحدت خيارا اسرائيليا استراتيجيا. ومن نافل القول أن دولة الاحتلال قامت وبطريقة منظمة بإرساء القواعد الأساسية والبنية التحتية للفصل بين الضفة وغزة وتعميق الانقسام بينهما وهو ما توج بالانفصال عن غزة واخلاء السئولية عنها والقيام بدقعها قسرا نحو مصر. أن ما هدفت ولازالت له دولة الاحتلال بالفصل بين الضفة الغربية وقطاع غزة هو ضخ مزيد من الاحباط في صفوف الفلسطينيين وكي وعيهم في امكانية اقامة دولتهم الموعودة.


ان الانقسام قد اعطى دولة الاحتلال مساحة مهمة من الزمن قامت باستثماره على نحو فاعل بتسريع  وتيرة الاستيطان في القدس وباقي الأراضي المحتلة وبتبني العدد من الاجراءات التي تهدف إلى ضم فعلي للضفة على طريق ضمها قانونيا، وتغيير واقع الديمغرافيا والجغرافيا وحسم كثير من القضايا الكبرى المؤجلة. إن جولة المصالحة الجدية بدأت في ظل موقف اسرائيلي لم يتغير يرفض ان تكون حماس شريكا في السلطة مالم تقبل بشروط الرباعية واساسها الاعتراف باسرائيل ونبذ "الارهاب".


لاتغير يكاد يذكر في البيئة السياسية الاقليمية والدولية التي تجرى فيها الجولة الجديدة من المصالحة، ولاتغير في الموقف الاسرائيلي تجاهها، فهل هناك ما هو أكثر من الرغبة تعطينا سببا لننتظر دخانا ابيضا.

انشر عبر