شريط الأخبار

فهمي هويدي يكتب : أيـكـون عـام المـصـالـحـة الـفـلـسـطـيـنـيـة؟

12:55 - 15 حزيران / يناير 2013

تستعيد القضية الفلسطينية مكانتها بعد ضياع. المصالحة باتت ممكنة، بعد صمود غزة وتطور سلاحها في المواجهة، وبعد قبول فلسطين دولة عضواً غير مراقب في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وبعد التغييرات التي حصلت في مصر... العام الجديد، عام إحياء فلسطين.

أدري أن مصطلح المصالحة الفلسطينية جرى ابتذاله، بعدما استخدم عنواناً للقاءات ومشاورات عدة، أُريد بها تمييع المصالحة وتعطيلها، وبعدما توسطت لأجلها أطراف، عرفنا لاحقا، أنها لم تكن محايدة أو نزيهة، وأنها كانت تتحرك في إطار المخطط الإسرائيلي الرافض للمصالحة، ما لم تتم بعد استسلام غزة وتركيعها. برغم ذلك، فإنني أزعم أن الكلام الجاد حول المصالحة سوف يجرى في العام الحالي، وإن زيارة السيد محمود عباس للقاهرة هذا الأسبوع كانت بمثابة خطوة في ذلك الاتجاه. وإذا سألتني لماذا التفاؤل بما يمكن أن يتم إنجازه هذا العام، فردي أن المتغيرات التي حدثت في الأجواء وعلى الأرض تعطي ذلك الانطباع، وتوحي بأن أوان الكلام الجاد حول الموضوع قد حل.

لا أنكر أنني كنت أحد الذين يتشككون في إمكانية وجدوى المصالحة بين حركتي «فتح» و«حماس»، لأن الرئيس محمود عباس، الذي يفترض أنه يرأس منظمة التحرير، ويقود حركة «فتح» يتبنى موقفاً يراهن فيه على الحل السياسي، ويستهجن فكرة المقاومة ويرفضها، في حين أن حركة «حماس» تستمد شرعيتها من تبنيها لخط المقاومة، وتعتبر السلطة التي تمارسها في القطاع أحد أوجه المقاومة التي لا تلغي الأوجه الأخرى، بدليل أنها تحتفظ بسلاحها، وقد استخدمته في صد الاجتياحات الإسرائيلية، جنباً إلى جنب مع حركة «الجهاد الإسلامي» وعناصر المقاومة الأخرى. أفهم أيضاً، أن الطرفين لم يغيرا من موقفيهما، لكن الذي تغير هو المعطيات الحاصلة على الأرض التي تفرض على الطرفين أن يتلاقيا من دون أن يتنازل كل منهما عن موقفه. وهذه المعطيات تتوزع على الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني، إلى جانب أن هناك متغيرات أخرى مهمة على الصعيدين الإقليمي والدولي ينبغي ألا نغفلها.

إسرائيلياً، لم يعد هناك شك في أن موضوع الدولة الفلسطينية وحل الدولتين استبعد تماماً من الأجندة الإسرائيلية. وأن كل الوعود التي قدمت والاتفاقات التي تمت مع الفلسطينيين من خلال التفاهمات السياسية، لم تكن سوى فخاخ أريد بها كسب الوقت وتخدير الفلسطينيين لتغطية عملية التهويد والمضي في الانقلاب الجغرافي والسكاني الذي يحدث على الأرض. وفي الوقت الذي ظلت تتمدد فيه إسرائيل على الأرض، فإنها أناطت بالسلطة في رام الله وجهازها الأمني الذي ينفق عليه ثلث الموازنة، مهمة قمع الجماهير الفلسطينية والحيلولة دون انتفاضها وثورتها في مواجهة التغول والعبث الإسرائيليين. وهو ما نجحت فيه حتى الآن. إلا أن استمرار ذلك النجاح ليس مضموناً، خصوصاً أن مظاهر الغضب الفلسطيني في الضفة تعددت خلال الأشهر الأخيرة، حتى أصبح الحديث متواتراً عن انتفاضة فلسطينية ثالثة وعن ربيع فلسطيني تهب رياحه استلهاماً للربيع العربي. وقد تزامن ذلك مع تسارع خطى الاستيطان الذي قيل إنه بمناسبة الانتخابات البرلمانية التي تجري في 22 كانون الثاني الحالي. وقيل إنه جزء من الرد الإسرائيلي على لجوء السلطة الفلسطينية إلى طلب عضوية الأمم المتحدة وقبول الطلب. وهي سياسة يتوقع لها أن تستمر خلال المرحلة المقبلة، لأن التنافس في الانتخابات حاصل بين اليمين واليمين وليس بين اليمين واليسار.

ورغم أن إسرائيل ضامنة لانحياز الإدارة الأميركية، وضمانها للكونغرس أشد، فإنها تدرك أن الرئيس باراك أوباما سيظل مشغولا بمشكلات بلاده الاقتصادية في خلال العامين الأولين من ولايته الثانية، وهو ما قد يفسح المجال أمامها لممارسة العربدة في المنطقة. وليس معروفاً في هذه الحالة ما إذا كان بنيامين نتنياهو سيحاول أن يسترد اعتباره بعمل عسكري ضد غزة التي تحدَّته وكسرت كبرياءه مرتين. أو ما إذا كان سيحقق رغبته في توجيه ضربة عسكرية إلى إيران، التي اعتبر مشروعها النووي على رأس تحديات إسرائيل الاستراتيجية. وفي كل الحالات، فإن الفترة القادمة ستظل مفتوحة لمختلف الاحتمالات أمام مغامرات اليمين الإسرائيلي، وربما ألقى بعضها بظلاله على أجواء المصالحة.

المتغيرات على الساحات الأخرى الفلسطينية والعربية والدولية إيجابية ومهمة وتتلخص فيما يلي:

ــــ فلسطينياً، أضع صمود غزة في المرتبة الأولى، وأضع التطور النوعي في سلاح المقاومة في مرتبة موازية، وهو التطور الذي مكّن عناصر المقاومة من إطلاق صواريخ وصلت إلى تل أبيب، حتى لو لم تصب أحداً فيها. لأن فكرة وصول صواريخ المقاومة إلى «عاصمة الدولة العبرية»، تمثل هاجساً مرعباً يؤرق القيادة الإسرائيلية، فضلا عن أنه يصيب في مقتل فكرة الأمن الإسرائيلي. وأحسب أن هذه النقطة بالذات كانت وراء مسارعة إسرائيل إلى طلب وقف إطلاق النار إثر عدوانها على القطاع الذي حمل اسم «عمود السحاب»، كما أنها كانت وراء مبادرات حُسن النية التي قدمتها آنذاك، مقابل وقف إطلاق الصواريخ من غزة، في غير حالات العدوان بطبيعة الحال. وقد أشار إليها الرئيس الأسبق لجهاز الموساد افرايم هليفي في مقال نشرته صحيفة «يديعوت أحرونوت»، (من تلك المبادرات توسيع مساحة القطاع البحري أمام شاطئ القطاع لصيد الأسماك والسماح بتجديد أسطول الحافلات والشاحنات في القطاع، كذلك السماح باستيراد مواد البناء من إسرائيل). ومن الملاحظات المهمة التي ذكرها الرجل، أنها كانت المرة الأولى التي أجرت فيها إسرائيل مفاوضات مع حركة «حماس» لتخفيف الحصار عن غزة، بوساطة مصرية بطبيعة الحال. وكانت إسرائيل في السابق تخاطب السلطة في رام الله فقط وترفض الحديث مع حركة «حماس».

يضاف إلى ما سبق، متغير سياسي آخر له أهميته، يتمثل في قبول دولة فلسطين عضواً بالجمعية العامة للأمم المتحدة، استجابة للطلب الذي قدمه الرئيس محمود عباس، ولقي تأييداً واسعاً من قبل المنظمة الدولية.

ــــ عربيا، أزعم أن ثورة 25 كانون الثاني كانت أهم متغير إقليمي لصالح القضية الفلسطينية. ذلك أنها المرة الأولى منذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل العام 1979 التي تبنت فيها مصر موقفاً مسؤولاً ونزيهاً إزاء القضية، تجاوزت به تلك المرحلة المخجلة التي صار فيها رئيس مصر كنزاً استراتيجياً لإسرائيل. وحين طويت هذه الصفحة، فإن مصر الرسمية فتحت أبوابها لممثلي المقاومة، وهم الذين لم يروا في السابق سوى مصر الأمنية دون غيرها. وفى ظل ذلك الوضع المستجد، رأينا خالد مشعل رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» ورمضان شلح الأمين العام لحركة «الجهاد» ورفاقهما في قيادتي الحركتين، في لقاء مع رئيس الجمهورية، بعد أن كان محظوراً عليهما دخول أي مؤسسة رسمية باستثناء مبنى المخابرات العامة. كما رأينا رئيس الوزراء المصري الدكتور هشام قنديل مجتمعاً مع السيد إسماعيل هنية وغيره من المسؤولين في قطاع غزة.

لم يكن ذلك هو المتغير الوحيد وإن كان الأهم، وإنما أسهمت تلك الأجواء في كسر حصار غزة (وليس إلغاؤه) فزار القطاع أمير قطر ثم وفد من وزراء الخارجية العرب، كما أصبحت الوفود والمساعدات تصل إلى غزة من دون عقبات تذكر.

هذه الأجواء كان لها صداها في محيط الجامعة العربية، حيث وافق وزراء الخارجية على اقتراح للأمين العام الدكتور نبيل العربي بإعادة النظر في قرارات الجامعة السابقة المتعلقة بالتسوية السلمية مع إسرائيل. وفي المقدمة منها، المبادرة التي أطلقتها قمة بيروت في العام 2002 ولم تحقق شيئاً منذ ذلك الحين، وقد فهمت أن هذه الخطوة سوف تتلوها خطوات أخرى، ربما كان في مقدمتها سحب المبادرة وتبني موقف أكثر حزماً في مواجهة السياسات الإسرائيلية المتصلة بالاستيطان والتهويد.

ــــ دولياً، كان تصويت 138 دولة في الجمعية العامة لمصلحة قبول عضوية فلسطين في الأمم المتحدة دليلاً قوياً على تراجع التأييد الدولي لإسرائيل ووقوفها على أبواب عزلة سياسية لم تعرفها من قبل.

هذه الخلفية تسوغ لنا أن نقول إن القضية الفلسطينية أصبحت الآن في وضع أفضل نسبياً. وأن اختراقات حدثت في الأفق المسدود الذي سرب إلينا إحباطاً مستمراً طوال السنوات التي خلت، ولم يمنعنا من الاستسلام لليأس سوى تلك الومضات المضيئة التي كانت تلوح في الفضاء مع أخبار المقاومة الفلسطينية والصمود الباسل لأهل قطاع غزة.

لقد ظل انقسام الصف الفلسطيني هو الثغرة المؤلمة في المشهد، الأمر الذي عانى منه المسؤولون في حركتي «فتح» و«حماس»، وقد أدركوا أن الوقت قد حان لحديث جاد حول المصالحة، تقوم فيه مصر بدور نزيه وفاعل. وإذا صحت معلوماتي في هذا الصدد فإن الدور المصري المفترض في هذه الحالة سوف يتجاوز نقل وجهات النظر ومحاولة التقريب بينها، إلى محاولة بلورة مشروع محدد للمصالحة يقدم إلى الطرفين، يسترشد بوجهة نظر كل طرف ومقترحاته. والسيناريو المفترض في هذه الحالة يقضي بأن يطالب كل طرف بتقديم رؤيته ومقترحاته إلى الوسيط المصري، الذي سيتولى دراسة ما يتلقاه ويستخلص منه مشروعاً يكون ملزماً لـ«فتح» و«حماس» معاً. كأننا بصدد الدخول في شيء أقرب إلى التحكيم الذي يرتضي فيه طرفا الاحتكام إلى ثالث موثوق فيه، ويمكِّن هذا الأخير من الاستماع إلى حجج كل طرف على حدة. وبعد مناقشتها يُصدر الحَكَم قراره الذي يلزم الطرفين.

حين سألت في التفاصيل، قيل لي إن المشاورات لم تدخل بعد طور بلورة الأفكار، وإن لقاءً تمهيدياً يفترض أن يتم بين أبو مازن وأبو الوليد، سيطلب بعده من كل طرف أن يقدم مشروعه، لتدور العجلة بعد ذلك إيذاناً بميلاد المصالحة المرجوة، التي أرجو أن تكسر الشعور بالتشاؤم من رقم 13 المعلق على جدران العام. إلا أن أبو الوليد يبدو أكثر تفاؤلا، لأنني سمعت منه في الدوحة قبل أيام قوله، إن العام الجديد لن ينتهي قبل أن تتم المصالحة. قولوا إن شاء الله.

انشر عبر