شريط الأخبار

سورية.. شقان للأزمة الداء .. د. علي عقلة عرسان

01:24 - 11 تموز / يناير 2013

 

 

الأخضر ينحاز فيحول ويصبح لونه خريفياً، وفي جنيف لن يغير لونه بل سيحمل بسببها وبتكليف منها أجنحة فراشة ملونة بعدة ألوان.. مبادرته لم تخرج عن الإطار العام الذي كان لمبادرة كوفي عنان، ولسبب أو لآخر قد يلحق الأخضر الخريفي بكوفي عنان، في حين أننا لا نعرف عن الأسباب الحقيقية لتنحي عنان رغم بقاء ما زرع، إلا ذلك الذي قاله الروس عن تنحيه، أي أن السبب هو اللاعب الأميركي، والأميركي يعادل في مثلنا العربي البرْد، حيث يقول المثل" البرد أساس كل علة"، والأميركي أساس عللنا.

الأميركي والروسي والإبراهيمي يجتمعون في جنيف، ويعلِّق العالم أهمية على اتفاق الدولتين الأعظم بشا حل سياسي للأزمة السورية، وهو أمر يبدو ممكناً ولكنه يتقدم ببطء شديد في حين أن جداول الدم لم تتوقف عن الجريان، ومآسي الغارقين في الوحل من السوريين، نزلاء المخيمات والمدارس والكهوف..إلخ، تزداد وتتعمق، وتتجمد لوحات وإيقونيات صقيعية في العيون والقلوب، ولا يوضع حد لمعاناة فاقت حدود الاحتمال وأزرت بالأسباب والأهداف والنتائج، فتخليص الشخص من حياته ليس ثمناً ملائماً وعادلاً لإنقاذه من ظلم وأذى يقعان عليه.

قد لا يكون مجدياً الجهد المبذول ل

من أجل أن تستعيد رباعية المنطقة: " تركيا والسعودية ومصر وإيران" حضوراً ودوراً وفاعلية، على الرغم من إعلان السعودية ذي الدلالة على لسان وزير خارجيتها "أن الحل في سورية يعني السوريين أنفسهم ولا تدخل في شؤونهم"، وهو تحول مهم في الموقف إذا تُرجم عملاً شاملاً.. إذ في هذا الوقت ذاته يزداد الموقف التركي انزلاقاً نحو الحل العسكري لا سيما في ظل "الباتريوت"، ويزداد الجانب الإيراني تشبثاً بمبادرات سياسية لحل الأزمة السورية لا يرى أية حلول ممكنة خارجها، فضلاً عن التنافر الصامت بين قطبين في الرباعية هما القطب السعودي والإيراني، وهو تنافر مزمن ازداد حدة.

المبادرة التي قدمها الرئيس بشار الأسد بمراحلها الثلاث لم تُقبل من " معارضة الخارج" ومن يدعمها عربياً ودولياً، وهي في الأصل ليست موجهة إلى تلك الجهة كما قال الرئيس في خطابه الأخير، أي أن تلك " المعارضة" خارج إطار الحل السياسي السوري المطروح، وهذا لا يبدو مقبولاً من دول غربية ولا من بعض الدول العربية ولا من المنظمة الدولية، ولا من تلك المعارضة بطبيعة الحال.. وهو ما عبرت عنه تصريحات رسمية من تلك الجهات، ولكن المبادرة بحد ذاتها لا تخلو من معطيات تشكل مدخلاً واقعياً للحل السياسي والتغيير المنشود.. صحيح أنها لاتلبي طلب كل طالب من كل اتجاه، ولكن هذا لا يعني أن ليس فيها ما يلبي طلبات شرائح واسعة من السوريين تلامس واقعهم وتطلعاتهم.. وهي معطيات ومقترحات وفق مراحل، قابلة للمناقشة ويمكن أن تستكمل تفاصيلها وهوامشها ما غاب عن خلاصاتها ومتونها.. وربما كانت أو شكلت سقفاً يمكن للتداول الدولي والإقليمي والداخلي أن يخفضه قليلاً.. فالمفاوضات السياسية أو المبادرات التي تحمل حلولاً سياسية للأزمات مركبة، تبدأ بسقوف مرتفعة وتنتهي إلى توافق ليس هو بالضرورة ما يطرحه وما يريده كل طرف من أطرافها ولكنه ما يرتضيه أو يقبل به في نهاية المطاف. لن تكون مفرادات المبادرة السورية الرسمية للحل غائبة عن اجتماع جنيف/ الجمعة 11/1/2013، فالروس أعلنوا أن الاجتماع ينبغي أن يضع ما في تلك المبادرة من أفكار تحت نظره، ولا أظن أن سورية سترفض كلياً مقاربة تلك الأفكار بتعديل أو إضافة وإلا سيغدو الأمر وكأن هو فرض "لصيغة مقدسة الحروف والمضامين" على الدولتين الأعظم وفيهما الصديق الحليف وعلى المنظمة الدولية من خلال ممثلها الوسيط الإبراهيمي يلغي دورهم على نحو ما أو يفرض عليهم قالباً جامداً عليهم أن يدخلوا فيه؟! وليس هذاً فعل سياسة معهودة فيها المرونة. ولا أستبعد أن يخلص اجتماع جنيف إلى صيغة أولية تقدم إلى المنظمة الدولية لتصبح قراراً، ومن ثم تعرض على الأطراف السورية المعنية بالأزمة مباشرة لتشكل خلاصة موقف دولي لا يمكن نبذه كلياً.. وهو موقف بدا أنه أصبح أقرب إلى تبني الحل السياسي ونبذ التدخل الخارجي بالقوة المباشرة.. وقد عبرت دول وتكتلات دولية عن توجه يستبعد التدخل العسكري في الشأن السوري، فضلاً عن وجود الفيتو الروسي الصيني المانع لتدخل دولي بقرار من مجلس الأمن الدولي، ووجود أزمات اقتصادية وحسابات استراتيجية تحول دون تدخل حلف الناتو وحده مؤيد من دول عربية وإقليمية. وإذا أريد حل سياسي للأزمة في سورية، وتغيير فيها، وديمقراطية تستنبت في تربتها السياسية والثقافية والاجتماعية، وإصلاحات جوهرية تطال كل ما يتفق على تغييره السوريون ويصب في مصلحة الوطن ويؤسس لسورية صلبة اجتماعياً على الخصوص، فينبغي ألا تكون هناك اشتراطات مسبقة تلغي أحداً أو تحد من سقف التطلعات والأفكار أو تجعل الحوار وحركة التغيير والتغيير والإصلاح والوفاق والاتفاق زوبعة في فنجان.. لا يوج أبقى ولا أعلى ولا أرسخ من الوطن، وإرادة الشعب فوق الجميع، وما ينهي العنف والإرهاب والاقتتال والمعاناة والتخريب والتدمير وانعدام الأمن وكل أشكال الخوف والجوع والحاجة في سورية هو فوق إرادة كل ذي إرادة. 

إن من الأمور المستعجلة، بل الفورية، وقف العنف الدامي والتدخل الخارجي المتخفي، والإرهاب، ووضع حد لمعاناة الناس، لا سيما المهجرين منهم.. أولئك الذين نراهم في هذه الأيام العاصفة بين سيلي ماء وطين، تعصف بهم وبخيامهم وأطفالهم الرياح العاتية، وتحيلهم إلى أشباء في تيارات موت.. وكل ذلك يوجه إهانة، بل طعنة نجلاء لقلب كل سوري يريد كرامة وأمناً وعدلاً واستقراراً لشعبه وفي وطنه. ولكن يبدو أن الأرض السورية مشتعلة ناراً ودماراً، رغم طبقات الثلج التي تغطيها، فكلٌ يبحث عن مكسب عسكري يكون في كفة ميزانه إذا ما وُضعت الأعمال والآمال والأثقال في كفتي ميزان حساب.. على أنه لا نصر ولا منتصرون، والخاسر الوحيد الأكبر هو سورية وشعبها وأجيالها القادمة ومكانتها.. فهي وأبناؤها هم من يدفع ثمن المؤامرات والتحديات والتحالفات والعنتريات، والانحرافات الفكرية، والأمراض المذهبية والطائفية وثمن " الانتصارات" وقيمة " الفواتير" التي تترتب على سورية وسوريين هنا وهناك، من جراء انزلاق المنزلقين إلى الاحتراب، ودخول بعضهم تحت عباءة الآخرين من أعداء وأشباه أعداء، ووجود غير منتمين للوطن والأمة، وتجار سياسة وثقافة وجُلاب تعاسة، ومواقف جُهال تأخذهم حميَّة الجاهلية في تيارات العنف والإرهاب والفتنة، فيَقتلون ويُقتلون، وتخسر الأمة ويربح أعداؤها.

ليس الملح الآن الحديث عن تفاصيل الأحداث وتطوراتها، من بدأ وطوَّر وكيف.. ولا عن الأسباب وخلفياتها ومن وراء هذا أو ذاك من الأفعال، ولا عن القرارات والممارسات التي بهذا اللون أو ذاك وما الذي دفع إليها، فلكل أمر وقت، ولا يجوز أن نهمل أو ننسى شيئاً من ذلك، ولا أن نسمح لمن يخلطون الأوراق وينجون من العقاب ويركبون الموجة بعد أن يشعلوا النار ويتسببوا في الكثير من إراقة الدم وأشكال الدمار بأن يبقوا كذلك.. لكن أولويتنا الأولى الآن هي وقف الاقتتال وسيل الدم والانهيار، وقطع الطريق على من يعملون على أن تتحول المأساة السورية إلى مأساة عربية إسلامية تنتشر على أسس طائفية ومذهبية، يلمع برقها في ربوع الشام فيقصف رعدها في الأنبار، ليمتد البرق والرعد ومطرُ الدم إلى ربوع أخرى في الاتجاهات العربية والإسلامية كلها. ولا يوجد عذر لأحد من الناس المخلصين الواعين على هذه الأرض في ألا يقوم بفعل من شأنه كبح جماح هذا النوع من الانفعالات المجنونة وتفاعلاتها المفضية إلى التهلكة، تلك التي يبدو أنها تنمو في أو تُنمَّى في أوساط وتكتلات جماهيرية تدخل المعترَك فتحترب حتى النهاية ثم تسأل – إن هي سألت أصلاً وفاءت إلى نفسها – عن الجدوى والنتائج والتكلفة الباهظة التي ترتبت وتترتب من جراء بعث ثارات وأحقاد وحروب كريهة، وتمزيق الأمتين العربية والإسلامية وإضعافهما أمام أعدائهما الغربيين والصهاينة.

إن المبادرات والتحركات التي تنشأ في ظلال المتقاتلين أو بإعاز منهم، وتلك التي تتفيا بهم لن تكون مساحات النور الذي ينتشر ليضيئ طرق الناس إلى الخلاص، ولن يؤدي إلى الحلول الناجعة الناجزة لأنها محكومة بظروفهم وانفعالاتهم وبرامجهم وأحوالهم وهم في ساحات الاحتراب.. ومهما تجردوا وتجردت من ذلك ستبقى محكومة بصورة ما بظلالهم وتتحرك بتحركها تبعاً لقاعدة الشيء وظله.. إن المطلوب حركة نظيفة موضوعية منتمية واسعة فاعلة من المعنيين مباشرة بإطفاء الحريق الذي يلتهم أو يشرف على أن يلتهم وطنهم بيوتهم وأبناءهم وذواتهم فضلاً عن مصالحهم وقدراتهم وعلاقات أبناء أمتهم بعضهم ببعض.. وأولئك موجودون لكن تنقصهم المبادرة وينقصهم التنظيم، ويحتاجون إلى شجاعة الانطلاق.. قد يقف ضدهم المتقاتلون أو معظم المتقاتلين لأن كلاً من أولئك يريدهم إلى جانبه أو أن يكونوا حرباً على " عدوه".. إنهم البديل المناسب، ولا يمكن أن يكون الوطن قاحلاً حتى لا يكون هناك بديل.. إنها الرؤية التي تقصر عن إدراك ما في الواقع وليس الواقع هو الذي يخلو من البدائل لأنها موجودة وينقصها شمول الإدراك لها.. ومن يقول بالعقم هو نوع من طالبي الفتنة بتعميم العقم. وإن تلك الخطوة المطلوبة أو المنشودة تبدأ بطليعة أو تبدؤها طليعة ومن ثم تصبح تياراً.. والمناخ الآن مساعد على تكون هذا التيار، وعندما يرى الناس ملامحه وعناوينه بلا ظلال ولا موحيات ضلال.. سيقفون خلفه وتتشكل مظلات له وأذرع تعمل، وفي هذه الحالة يمكن أن يندفع الناس وراء الإخلاص والغايات النبيلة وليس وراء الشعارات والغوغئيات العليلة. الأمر ممكن وضروري وحيوي.. ولكن الداء العضال يكمن في أن الثقة فقدت أو ضعُفت أو هزُلت بين الناس إلى الحد الذي أصبح معه لا يثق الخنصر بالبنصر في الكف الواحدة.!!

من المؤكد أن سورية لا يمكن أن تعود إلى الوراء، وفي حكم الوراء أن تبقى كما كانت في بداية الأحداث أو قبلها، فهي حبلى بأفعال وأقوال وأفكار وممارسات وتوجهات وملفات أصبح معظم محتواها منشوراً ومنثوراً ومعروفاً، ومن ثم لا بد من أخذ كل ما في تلك الذاكرة وما أضيف إليه في عشرين وواحد من الأشهر المرة العجاف التي مضت حتى يومنا هذا.. وهذا كله يفرض رؤية جدية ومعالجة مقتدرة ومسارات جديدة، على ألا يعني مطلقاً نسف سورية الموقف والتاريخ والمكانة والأهداف والتعايش الاجتماعي.. ودفنها في رماد الحرائق التي نطفئها، وكما لا يعني أن نفقد استقلالية فريدة عزيزة عاشت، ولو بصورة بنسبية، في عصر التبعيات المميتة. إن الداء "الورم" السوري الذي لا بد من البرء منه يتكون من شقين رئيسن: شق داخلي شكَّل مناخاً ملائماً للأزمة الحالية ومستنبتاً للداء واستعصى زمناً على الدواء، وشق خارجي أراد من هم قوامه وبناءه ووراءه بأطيافهم وألوانهم، إحداث تغيير جذري في الخيارات والتوجهات والسياسات والمواقف المبدئية لسورية العربية "منهجاً وقواماً وذاكرة وتاريخاً".. وعلى من يُعقد عليهم الأمل ويتوافر فيهم العزم للتصدي لهذا الداء " الورم" أن يعالجوا الأمرين الواردين في الشقين المشار إليهما آنفاً، بحكمة وحنكة واقتدار، واضعين سورية بكل مكوناتها الشعبية والتاريخية والحضارية والعقيدية والثقافية والاجتماعية في أعلى الأولويات والاعتبار، حتى لا يأتي الحل " العلاج" شكلياً يمس جلد الجسد ويبقي على الورم متغلغلاً في الأحشاء، ولا أن يتسبب في إعطاب أو إهمال ما يطال منه الروح فيميت أو يجور، فيشفي من داء ويتسبب في أدواء.

دمشق في 11/1/2013

انشر عبر