شريط الأخبار

حاليا، في العراق يقتلون- هآرتس

01:43 - 06 تموز / يناير 2013

بقلم: تسفي بارئيل

استقبال صعب كان بانتظار صالح المطلق، نائب رئيس الوزراء العراقي، في مدينة الرمادي في محافظة انبار غربي العراق. "انصرف"، صرخ نحوه المتظاهرون الذين يخوضون اعتصاما منذ عشرة ايام ويغلقون الطريق الرئيسي الذي يربط بين بغداد وسوريا والاردن. "لماذا جئت بعد اسبوع فقط؟"، هتف بعضهم، بينما رفاقهم كانوا يرشقون الحجارة والاحذية على قافلة سيارات المطلق. وبينما كانت القافلة التي تقل نائب رئيس الوزراء، تنسحب من المدينة في المحافظة السنية، اطلقت النيران نحوها. وأعلن مكتب نائب رئيس الوزراء انه "بعون الله نجا من محاولة اغتياله.

رئيس الوزراء الشيعي، نوري المالكي، طلب من المطلق السني محاولة تهدئة الخواطر في المحافظات السنية بعد اسبوعين من العواصف. فقد خرج السكان السنة الى الشوارع للتعبير عن الاحباط العميق الذي يشعرون به في ضوء ما يعتبر في نظرهم ظلما للطائفة. والشكاوى الاساس لدى السنة تتعلق بالضرر المقصود الذي يلحق بزعمائهم واليد الحرة التي اعطيت لقوات الامن التي تعتقل دون تمييز زعماء محليين، نساء وشيوخ في محاولة لتقويض الاحتجاج.

"يجب الغاء المادة 4 من قانون مكافحة الارهاب"، هكذا يطالب الزعماء السنة، الذين يؤكدون بان نحو 90 في المائة من السجناء السياسيين في السجون في العراق هم من أبناء طائفتهم. وبزعمهم، فان المادة 4 أصبحت أداة للحرب السياسية، وذلك لانها تسمح باعتقال كل من يشتبه باعمال الارهاب، المساعدة في هذه الاعمال او تمويلها وفرض عقوبة الموت عليه. التعريف الذي يقول ما هو العمل الارهابي غامض وعمومي بشكل يسمح لقوات الامن بالعمل كما يروق لها.

لا خلاف في أن مكافحة الارهاب حيوية لبقاء العراق. فبعد سنة بالضبط من انسحاب القوات الامريكية من الدولة، تقلصت العمليات بشكل كبير. ففي العام 2012 احصي في العراق 2.174 قتيلا "فقط"، حسب التقرير الرسمي أو 4.471 قتيلا حسب معطيات الموقع الاكثر مصداقية والذي يحمل اسم "احصاء الجثث في العراق".

المعطى الاعلى يشهد هو الاخر على تحسن السيطرة على الوضع الامني في الدولة مقارنة بعامي 2006 – 2007، واللذين سجل فيهما رقمان قياسيان في عدد القتلى. ومع أن قوات الامن التي تحت تصرف حكومة العراق اكثر نجاعة واكثر تدريبا مما كانت في حينه، الا ان التقدير هو أن جيشا يستحق اسمه، قادرا على حماية حدود الدولة، لن يقوم قبل العام 2020.

فضلا عن المعركة المتواصلة ضد الارهاب في العراق، فان المسألة الاساس هي كيف يعرف الارهابي. فمثلا، العراقي الذي يساعد قوات الثوار في سوريا، يهرب لهم السلاح والذخيرة او يمولهم قد يعتبر ارهابيا في دولة تنسق سياستها الخارجية مع ايران. كما أن نائب الرئيس، طارق الهاشمي السني، مطلوب في العراق بتهمة اعمال الارهاب. وقد هرب الهاشمي الى تركيا وهو الان أغلب الظن يتواجد في قطر. وحذر أول أمس في حسابه على الفيس بوك من أن "المالكي يخطط لذبح السنة في محافظة الانبار".

ويستند هذا الادعاء ضمن أمور اخرى الى تصريحات المالكي نفسه، الذي أوضح هذا الاسبوع بان المتظاهرين السنة هم مخلون بالقانون وحذر من أنهم اذا لم يتوقفوا عن المظاهرات واغلاق الطرقات فانه سيضطر الى العمل ضدهم بقوة. وأحدثت قضية الهاشمي أزمة في العلاقات بين تركيا التي منحته ملجأ، وبين حكومة العراق التي طلبت تسليمه ولم يستجب طلبها.

ويعتقد معارضو رئيس الوزراء العراقي بان الاتهامات التي وجهت للهاشمي هي جزء من حملة ترمي الى المس بالقيادة السنية. وعلى حد قولهم، فان اعتقال حراس وزير المالية رافع العيساوي السني، قبل نحو اسبوعين يخدم هدفا مشابها. ويشتبه بحراس الوزير بالمشاركة في الارهاب. ويحتفظ العيساوي، مثل وزرا آخرين في العراق، بجيش صغير خاص به يعد نحو 200 حارس مدربين ومسلحين. وادعى هذا الاسبوع بان المالكي يحدث أزمة ويطارده شخصيا، على خلفية الانتقاد الذي وجهه لرئيس الوزراء.

ويتسع الشرخ في العراق ايضا الى الاقليم الكردي المستقل، الذي يكافح منذ زمن طويل ضد الحكومة المركزية على خلفية توزيع أرباح النفط. ويقضي اتفاق وقع في ايلول بين الاقليم الكردي وبين الحكومة في بغداد بان يكون بوسع الاقليم أن يصدر 200 ألف برميل في اليوم ويتلقى 17 في المائة من المردود. ودفعت حكومة العراق للاقليم نحو 550 مليون دولار كسلفة على حساب التصدير، ولكن الاكراد يدعون بانها مدينة لهم بـ 290 مليون دولار آخر، يتأخر تحويلها. وقررت شركات النفط العاملة في الاقليم الكردي تقليص تصدير النفط الى 5 الاف برميل في اليوم، في محاولة للضغط على الحكومة المركزية للالتزام بتعهداتها.

 كما تعارض الحكومة العراقية التوقيع المستقل للاقليم على اتفاقات مع شركات أجنبية. وبزعمها، فان كل اتفاق كهذا يجب أن توقعه الحكومة المركزية. ولكن زعماء الاقليم الكردي استخفوا حتى الان بهذا الطلب وهم يخططون – الى جانب تركيا – لبناء انبوب يمكن ان ينقل نفطا بحجم 2 مليون برميل في اليوم من الاقليم الكردي الى ميناء جيهان في تركيا. ويعفي الاتفاق الاقليم من التعلق بالحكومة العراقية – ولكنه سيجعل تعلقه بتركيا مطلقا.

جيش خاص

أما تركيا، التي تعاطت حتى وقت أخير مضى مع الاقليم الكردي بشك وامتنعت عن تبني خططا استراتيجية بعيدة المدى تربط اقتصادها باقتصاده، خوفا من أن يؤدي ازدهاره الى اقامة دولة كردية مستقلة، فقد غيرت سياستها على نحو دراماتيكي. وتحولت في غضون وقت قصير الى حليف لحكومة الاقليم، وسعت علاقاتها التجارية معه وتصالحت مع القيادة الكردية، التي تتعاون في الحرب ضد حزب العمال الكردستاني، الذي تعتبره تركيا منظمة ارهابية. وتأتي اقامة انبوب النفط لتستكمل العلاقة الاستراتيجية.

ومع أن العراق هو شريك تجاري هام للغاية لتركيا – حيث أن حجم التجارة بين الدولتين يبلغ نحو 8 مليار دولار في السنة والتوقع هو ان يصل الى 12 مليار في نهاية العام القريب القادم – الا ان جزءاً هاما من التجارة يمر عبر الاقليم الكردي. وعليه فان التهديد بقطع العلاقات بين العراق وتركيا لن يمس بالضرورة بحجم التجارة.

مع اقليم كردي قوي ومزدهر في شمالي الدولة، يحتفظ بجيش خاص به ولا يأتمر لاوامر الحكومة المركزية؛  مع محافظات سنية متمردة في غربي الدولة تهدد باشعال انتفاضة عنيفة؛ ومع خصوم شيعة في بغداد وفي الجنوب، فان مهمة المالكي – الحفاظ على وحدة الدولة – باتت اصعب أكثر فأكثر.

تعلن الولايات المتحدة بانها تعارض الدور التركي في الاقليم الكردي وتؤيد عراقا موحدا. ولكن القوات الامريكية توجد خارج الدولة وهي تحتاج الى التعاون التركي ضد النظام السوري وضد ايران. وقدرتها على التأثير على خطوات تركيا في العراق محصورة، هذا اذا كانت موجودة على الاطلاق. والمفارقة هي أنه بينما تؤيد الادارة الامريكية موقف حكومة العراق حيال الاكراد، فان شركات امريكية مثل "شبرون وآكسون" تواصل استخراج النفط في الاقليم الكردي وتحقيق الارباح من تصديره.

بعد شهرين ستحل الذكرى العاشرة على الحرب في العراق، ومراجعة تصريحات الرئيس الذي شن الحرب، جورج دبليو بوش، وتصريحات وزرائه يمكن ان تبين كم هو بعيد العراق اليوم عن التخطيطات الفاخرة التي رافقت الحرب اياها. العراق لا يزال نازفا، ممزقا وغير مستقر. والاخطر من ذلك، فانه يتطور ليكون تهديدا استراتيجيا.

انشر عبر