شريط الأخبار

غزة تستنهض الوطنية الفلسطينية مجددا..د/ إبراهيم أبراش

06:31 - 04 تشرين أول / يناير 2013

مع أنني لست من رواد المهرجانات والمظاهرات إلا أن سماح حركة حماس بإحياء ذكرى انطلاقة فتح في قطاع غزة بعد سنوات من الممانعة شكلت عندي حالة فضول للخروج والمشاركة في حدث قد يكون خطوة في طريق المصالحة الوطنية،وأشاهد كيف سيكون الاحتفال وحجم المشاركين بعيدا عن تقديرات ذوي الشأن،وخصوصا أن الأحزاب باتت تقيس قوتها وحضورها ليس بقدر ما تنجز في طريق التحرير والاستقلال بل بقدر ما تحشد في المهرجانات. بعيدا عن التعصب لرأي أو حزب أو أيديولوجيا أقول بكل صدق إن مهرجان إحياء ذكرى انطلاقة الثورة الفلسطينية في ساحة السرايا في غزة يوم الجمعة الموافق 4-1-2012 لم يكن مجرد مهرجان كبقية المهرجانات أو إحياء لذكرى انطلاقة حزب ،بل حدث له دلالات سياسية عميقة .فلم أشاهد طوال حياتي وعبر تاريخ القضية الوطنية وفي كل أماكن تجمعات الفلسطينيين مهرجانا أو تجمعا فلسطينيا بهذا الحجم ،ومن يقول بأنها تظاهرة مليونية لم يكن مبالغا ،بل هو توصيف لا يعبر عن الحقيقة . فإن كان القول بالمظاهرة المليونية في دول تعدادها تسعون مليون نسمة كمصر أو عشرات الملايين كاليمن وليبيا وتونس يعتبر حدثا مهما فإن خروج مليون في منطقة يقل سكانها عن مليونيين هو اكبر من حدث ،إنها ظاهرة تحتاج لدراسة معمقة لفهم ما جرى. ساحة السرايا التي هي ضعف ساحة الكتيبة حيث تعودت حركة حماس إحياء مناسباتها امتلأت بالكامل،وكان عدد من احتشدوا في الشوارع الجانبية المحيطة بالسرايا أضعاف من كانوا داخل السرايا ،واتشحت الساحة وشوارع غزة وسياراتها وأسطح منازلها برايات فتح وعلم فلسطين،أطفال ،فتيات ،نساء ،شيوخ ،شباب تدفقوا إلى مدينة غزة وإلى ساحة السرايا حتى يخال المرء أن بيوت قطاع غزة أُفرِغت من ساكنيها.
يقينا لم يكن كل من خرجوا من أبناء تنظيم حركة فتح ولم يخرجوا بتعليمات من التنظيم بل كانوا أناس من مشارب شتى ،إنهم أبناء الفصائل والأحزاب الوطنية والمستقلون الذين يجمعهم الانتماء للمشروع والهوية والثقافة الوطنية ،وحيث أن حركة فتح ليست سلطة حاكمة في غزة فإن الذين خرجوا يهتفون لفلسطين ولحركة فتح وللرئيس أبو مازن لم يخرجوا خوفا من السلطة أو طمعا بمغانمها ،بل إيمانا بفكرة وتلبية لواجب ،حتى أن كثيرين من الناس اشتروا رايات فتح من أموالهم الخاصة ودفعوا أجرة المواصلات من جيوبهم ومن لم يملك الأجرة جاء سيرا على الأقدام وكثيرون باتوا في الساحة . الكل حمل راية فتح حتى وإن لم يكن من فتح لأن راية فتح مثلت الوطنية الفلسطينية،خرجوا مدفوعين بروح وطنية تم كبتها وخنقها وقهرها طوال سنوات،
إذا انتقلنا من توصيف ما حدث إلى تفسيره فإن كثيرا من الرسائل والدلالات الأولية التي يمكن استخلاصها وسنذكر بعضها ونؤجل الحديث عن البعض الآخر حتى لا نبدد فرحة الفرحين ولا نزيد من تخوفات المتخوفين وحتى نبقي باب الأمل مفتوحا أمام المصالحة .الرسائل الأولي هي:
1- إن قطاع غزة كان وما زال منبع الوطنية الفلسطينية ،فلا الاحتلال ولا أية أيديولوجيات (غير وطنية) يمكنها أن تغير من هوية وانتماء فلسطينيي القطاع .
2- الفلسطينيون الذين خرجوا في قطاع غزة لم يخرجوا من أجل دولة غزة أو من أجل رفع الحصار ولا لمساندة حزب حاكم، بل خرجوا من أجل فلسطين كل فلسطين ،ورددوا الشعارات والهتافات الأولى لحركة فتح والثورة .
3- إن فلسطين لا يمكنها أن تقاد إلا تحت راية الوطنية الفلسطينية وغيرها ستكون رايات دخيلة وعابرة إن لم تستدرك الأمر وتوطن نفسها وإيديولوجياتها .وأن الفكرة الوطنية التي تعبر عنها حركة فتح بقيادة الرئيس أبو مازن ما زالت العمود الفقري للوطنية الفلسطينية .
4- إن توَحُد القوى الوطنية في مهرجان السرايا وبهذا الحجم، يؤكد على أهمية وضرورة توحيد هذه القوى الوطنية في إطار جبهة واحدة ،وهذه الجبهة موجودة ولكن تحتاج لتفعيل ،وهي منظمة التحرير التي يجب أن تستنهض نفسها بفصائلها المتواجدة فيها حاليا قبل أن تتهيأ لتستوعب بقية القوى الإسلامية والوطنية.
5- إن في الوطنية الفلسطينية من الأريحية وسعة الصدر ما يُمَكِنها من استيعاب كل شرائح الشعب وأحزابه بكل توجهاتها السياسية والإيديولوجية ،بينما أحزاب الإسلام السياسي لا يمكنها إلا أن تكون منغلقة على منتسبيها وعاجزة عن استيعاب الكل الفلسطيني، بل لا تستطيع أن تستوعب أحزاب الإسلام السياسي الأخرى أو تشترك معها في برنامج وإستراتيجية واحدة .
6- إن السلطة مفسدة للأحزاب الوطنية والجهادية ،فشعبية حركة فتح في الضفة الغربية حيث تُحسب حركة فتح كحزب سلطة أقل بكثير من شعبيتها في قطاع غزة حيث توجد خارج السلطة ،وكذا الأمر بالنسبة لحركة حماس ،حيث شعبيتها في الضفة أكبر من شعبيتها في قطاع غزة حيث تحولت لحزب سلطة.
7- برز في المهرجان جيل جديد من الفتية والشباب لم يعايش الثورة الفلسطينية ولم يشارك في الانتفاضتين كما لم يشارك في الانتخابات الأخيرة عام 2006 التي منحت الأغلبية لحركة حماس،هذا الجيل رفع رايات فلسطين وفتح وردد شعارات الثورة ،هذا الجيل بدد كل التخوفات التي كانت تنتابنا على الوطنية الفلسطينية وبدد التخوفات من أن تسود حالة اليأس والإحباط.
ولكن .... ومقابل ذلك نتمنى أن يتم استثمار ما جرى في صالح القضية الوطنية والمصالحة الوطنية ،وان لا يتم احتساب ما جرى وكأنه نصر لحزب على آخر بل يجب احتسابه نصرا لفلسطين وللوطنية الفلسطينية،كما نتمنى أن لا يغيب عن البال أن معركتنا الأساسية توجد في الضفة والقدس وليس في غزة فهناك يجب أن يكون الحشد واستعراض القوة في مواجهة الاحتلال وليس في مواجهة بعضنا البعض،وإن استنهاض الوطنية الفلسطينية في القطاع لا يهدف للحلول محل حركة حماس ولا حتى مشاركتها السلطة في غزة بل يجب أن يكون هدفها رفض الانقسام الجغرافي والسياسي والتأكيد على أن قطاع غزة ما زال خاضع للاحتلال كالضفة الغربية الأمر الذي يتطلب توحيد جهود الجميع لمواجهة عدو مشترك.
وكلمة أخيرة نقولها وقد سبق أن حذرنا منها سابقا ،يجب الحذر كل الحذر من مخططات مشبوهة للبعض بان يغطي على فشله وعجزه عن تحرير الضفة والقدس بإدعاء انتصارات مهرجانية في قطاع غزة،والحذر من أن يتم توظيف استنهاض الحالة الوطنية في القطاع لتكريس صيرورة غزة كيانا قائما بذاته يتم الصراع على من يحكمه .
انشر عبر