شريط الأخبار

عام 2013.. عام الحسم.. هاني المصري

12:18 - 01 تموز / يناير 2013

هناك من المؤشرات ما يدل على أنّ عام 2013 قد يكون عام الحسم على أكثر من صعيد، فلسطينيًا وعربيًا. ففي هذا العام يمكن حسم مصير ما يسمّى «عمليّة السلام» والمصالحة الوطنيّة والسلطة وسوريا والملف النووي الإيراني.

نبدأ بالسؤال: هل سيتم في العام الجديد إحياء ما يسمى «عمليّة السلام» أم ستعلن وفاتها رسميًا وتدفن. ففي بداية العام الماضي كان الاحتمال الأقوى أن تموت على خلفيّة الآمال التي أوجدها الربيع العربي، خصوصًا بعد الانهيار السريع لنظام حسني مبارك، الذي كان يمثل كنزًا استراتيجيًّا لإسرائيل وما ترتب على ذلك من ضغط هائل على الفلسطينيين لإبقائهم تحت براثن ما يسمى «عمليّة السلام»، وكان الأمل أن تقود الثورات العربيّة إلى فتح مسار سياسي جديد قادر على تحقيق الأهداف الوطنيّة.

فالربيع العربي في بدايته أعطى فرصة للتخلص من المسار المعتمد فلسطينيًّا وعربيًّا منذ أكثر من عشرين عامًا، لكن الفرصة تكاد تضيع مع المصير الذي يكاد أن ينتهي إليه الربيع العربي بعد صعود الإسلام السياسي المعتدل الذي اختار، حتى الآن على الأقل، السعي للهيمنة الداخليّة والتحالف مع الولايات المتحدة خارجيًا، وبالتالي مع إسرائيل؛ للحصول على اعتمادها له كوكيل لسد الفراغ في المنطقة.

في هذا العام الجديد، هناك احتمال لاستئناف المفاوضات مع اختلاف الأطراف والأهداف والمصالح، بحيث تكون مفاوضات عربيّة إسرائيليّة هذه المرّة لتوفير الغطاء العربي للتنازل القادم. فالمهم «أن تستهدف المفاوضات إنهاء الاحتلال بأي طريقة، وتنفيذ ما لم ينفذ من القرار 242»، كما قال نبيل العربي، أثناء زيارته الأخيرة رام الله؛ ما يزيد المخاوف من إحياء الخيار الأردني، الذي ظهر مؤخرًا بعد الحصول على الدولة الفلسطينيّة المراقبة، وعودة الحديث عن الكونفدراليّة، وعن مبادرات متعددة لاستئناف المفاوضات بعد الانتخابات الإسرائيليّة، تحت وهم أن الإدارة الأميركيّة في مرحلة رئاسة أوباما الثانية ستكون أكثر استعدادًا لفرض تسوية متسلّحة بتحالفها مع الإسلام السياسي الصاعد في المنطقة، لكن هذا يتجاهل أن إسرائيل تزداد تعنتًا وتطرفًا، وترفض المشاركة في أي مفاوضات جادّة، وتمضي في فرض الحلول المفضّلة لديها، وتقطع الطريق على أي صيغة لحل نهائي أو انتقالي يحقق الحد الأدنى من الحقوق والمطالب والمصالح الفلسطينيّة، حتى على صعيد خطوات بناء الثقة، مثل وقف الاستيطان، وإطلاق سراح الأسرى، وتحسين شروط الحياة الاقتصاديّة التي تتشدق بها ولا تساعد على تحقيقها.

أما المصالحة، فهناك احتمال ملموس بتحريكها هذا العام، لكن بشكل تكتيكي، لأنها حاجة مصريّة وعربيّة لفرض الأمن والاستقرار، وللأطراف الفلسطينيّة المتنازعة كل لأسبابه، ولكن من دون أن يصل الأمر إلى إنهاء الانقسام واستعادة الوحدة الوطنيّة، لأن هناك أسبابا وعراقيل وعقبات فلسطينيّة وعربيّة وإقليميّة ودوليّة (وإسرائيليّة قبل كل شيء) تحول دون حدوث اختراق نوعي في ملف المصالحة.

أما السلطة، فستتعرض لهزّات كبيرة هذا العام لاستكمال ترويض القيادة الفلسطينيّة. فالمفارقة تكمن في أن السلطة من المفترض أن تتحول إلى دولة بعد القرار الأممي، إلا ان المطلوب منها أن تفتح الطريق أمام الخيار الأردني من دون القدس واللاجئين ولا انسحاب إسرائيلي إلى حدود العام 67، أو تقبل بدولة ذات حدود مؤقتة، أي تصفية القضيّة الفلسطينيّة بمختلف أبعادها من خلال هذا الحل أو ذاك.

كان من المتوقع أن تؤدي الثورات، في الحد الأدنى، إلى تجميد اتفاقيّة «كامب ديفيد»؛ لأن الإسلام السياسي، وخصوصًا «الإخوان» اعتبروا عقدها خيانة للوطن والدين، وطالبوا دائمًا بإسقاطها، ولم يكن من الطبيعي أن يعلنوا بعد فوزهم التزامهم بها حتى من دون المطالبة بتعديلها.

طبعًا، قد لا تكون السياسة المصريّة الحاليّة هي نهاية المطاف، وقد نشهد تغييرًا لها، لأن حكام واشنطن وتل أبيب سيسعون لترويض «الإخوان المسلمين» تمامًا، وهذا قد يؤدي إلى تمردهم أو تمرد بعض اتجاهاتهم، خصوصًا أن هناك معارضة داخليّة كبيرة لحكمهم معرضة للاتساع، كما ظهر بعد الإعلان الدستوري في تشرين الثاني الماضي، وبالرغم من إقرار الدستور بالأغلبيّة ومن دون توافق وطني، ومن تراجع شعبيتهم بعد المشاركة المتزايدة مما يسمى «حزب الكنبة» في مصر في نشاطات المعارضة المصريّة.

مصير القضيّة الفلسطينيّة والمنطقة العربيّة برمتها سيتوقف على ما سيجري خلال هذا العام، وعلى الإجابة عن الأسئلة الآتية:

هل ستحقق الثورة المصريّة أهدافها من خلال قيام نظام تعددي ديموقراطي أو ستهزم من خلال قيام نظام استبدادي يتغطى بقشرة ديموقراطيّة؟

هل سيتم إنهاء الانقسام الفلسطيني على أساس شراكة حقيقيّة وديموقراطيّة، وبرنامج قواسم مشتركة، أم يبقى الوضع على حاله؟

أين ستنتهي الأحداث في سوريا، هل إلى الفوضى واستمرار الحرب الأهليّة والتقسيم، أم إلى التوصل إلى حل سياسي يحافظ على ما تبقى من سوريا ويضعها على عتبة التغيير، وتحقيق إرادة الشعب السوري في الحريّة والديمقراطيّة والكرامة والاستقلال الوطني؟

أين ستسير التطورات بما يخص الملف الإيراني، وهل ستنشب حرب إقليميّة هدفها المعلن إيقاف الملف النووي الإيراني، ولكن هدفها الحقيقي هو إعادة تقسيم المنطقة بين الدول الغربيّة ووكلائها القدامى والجدد في ضوء تراجع الدور الأميركي في المنطقة والعالم؟

إن هناك سباقًا محمومًا على إعادة اقتسام المنطقة والتعامل معها كرجل مريض وإجهاض الثورات العربيّة وقطع الطريق على تداعياتها، حتى لا تحقق المصالح والطموحات العربيّة، بما يكفل «قيامة العرب»، وإبعاد تغلغل القوى الإقليميّة والدوليّة الصاعدة والمنافسة، خصوصًا روسيا والصين وإيران، في ظل غياب مشروع عربي، وضمن مخطط لإبقاء المنطقة تحت رحمة التبعيّة والتجزئة والفقر والتخلف، وتقسيم البلد العربي الواحد كما حصل في العراق والسودان، على أسس طائفيّة وإثنيّة وقوميّة وغيرها، وكما يراد له أن يحصل في سوريا وبقيّة البلدان العربيّة.

كل ما سبق يجري في سياق محاولات حثيثة لتحويل الصراع في المنطقة من صراع من أجل الحريّة والاستقلال الوطني والكرامة والعدالة والتنمية والديمقراطيّة، وما يتبع ذلك من صراع ضد كل أشكال الاستعمار الجديد والاحتلال والتمييز والاستغلال والتبعيّة؛ إلى صراع عربي - إيراني، وبين السنة والشيعة، والإسلام المعتدل والإسلام المتطرف، والعلماني والديني، وإقامة حلف عربي أميركي غربي و«إسرائيلي» مباشر أو غير مباشر ضد إيران.

إن التطورات على هذا الصعيد وغيره أدت إلى تخوف من بعض الأطراف المحسوبة على ما يسمى «محور الاعتدال»، التي تخشى من زيادة نفوذ «الإخوان المسلمين» في المنطقة، ومن تحالفهم مع الولايات المتحدة، ومن أن يؤدي ذلك إلى امتداد موجة التغيير إلى بلدان الخليج والأردن والجزائر والمغرب، لذلك لاحظنا دعمًا خليجيًّا متزايدًا من دول الخليج للسلفيين والقوى المنافسة للإخوان في مصر وسوريا وغيرهما من البلدان في مواجهة الدعم الأميركي والقطري والتركي لجماعة «الإخوان المسلمين» بعد أن وصلت إلى الحكم في عدة بلدان، أهمها مصر. وقد يؤدي استمرار هذا الاتجاه إلى تبلور حلف سني آخر لا يعتبر إيران هي العدو الأخطر أو الوحيد.

على هذا الصعيد، لا يمكن الحسم حول أحداث هذا العام من دون معرفة ما سيحدث في الملف الإيراني، وهل ستكون هناك حرب أم لا؟

فالحرب على إيران ليست سهلة، ونتائجها ليست محسومة، سواء إذا شاركت فيها الولايات المتحدة إلى جانب إسرائيل أو لم تشارك، كما تحاول أوساط إسرائيليّة بزعامة نتنياهو أن تصور ذلك. والمسألة ليست بمتناول إسرائيل لوحدها كما تدعي. ولعل العدوان الإسرائيلي الأخير على غزة وما انتهى إليه من هزيمة إسرائيليّة يجعل حكام تل أبيب وحماتهم في واشنطن أكثر واقعيّة. فإذا عجزت إسرائيل عن هزيمة غزة وحدها، فكيف ستهزم إيران ومعها نصف العراق على الأقل وصواريخ «حزب الله» المصوبة نحوها؟

انشر عبر