شريط الأخبار

سلطة تحتضر ...كتب نبيل عمرو:

10:20 - 31 تشرين أول / ديسمبر 2012

عاد الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى الحديث مجددا وبصراحة عن أنه ينوي تسليم نتنياهو مفاتيح السلطة إذا لم تقع معجزة خلال الأشهر المقبلة.

المعجزة التي تنقذ السلطة، هي أن يبادر نتنياهو وحكومته اليمينية بالإفراج عن أموال السلطة المحتجزة لديهم، وهذا أمر ممكن وإن بصعوبة، وأن يعلنوا عن وقف الاستيطان في الضفة الغربية والقدس، وأن يدخلوا في مفاوضات جادة تعتمد مرجعيات محددة تحقق نتائج ملموسة في مدى زمني معين.

وفي الوقت الذي يهدد فيه الرئيس عباس بتسليم المفاتيح، تمر السلطة الفلسطينية بظروف بالغة الصعوبة على الصعيدين السياسي والمالي، أي أنها لكي تحافظ على وضعها الحالي الذي يلامس خط الفقر أو ينزل عنه قليلا، فهي بحاجة إلى مائتي مليون دولار شهريا، ولا يلوح في الأفق أن هذا المبلغ الضخم سيجد من يغطيه.. حتى شبكة الأمان العربية لو نفذت وفق قمة بغداد فإنها لن تحل المشكلة؛ إذ سيبقى الوضع المالي للسلطة مضطربا، وتستمر عملية التنقيط في حلق الموظفين إلى ما لا نهاية.

ولعل ما هو أخطر من الأزمة المالية ما وصل إليه الوضع النفسي للشعب الفلسطيني من اهتزاز وتراجع في الثقة، ذلك بعد أن وصلت معنويات الفلسطينيين إلى الذروة جراء ما وصف بالانتصار العسكري التاريخي في غزة، والانتصار السياسي التاريخي في الأمم المتحدة..

إن طرح مسألة تسليم المفاتيح إلى نتنياهو، سواء كانت حقيقية وجدية أو كانت من أجل الضغط لتحريك المياه الراكدة، تعكس بوضوح حقيقة انعدام الخيارات الفعالة لدى السلطة، ذلك أن تسليم المفاتيح سيكون هو الفصل الأخير في اللعبة، إن لم نقل الشهقة الأخيرة للتجربة المحتضرة، التي شاءت الأقدار أن تعلق عودتها للحياة في هذا الظرف بالذات.. على مستحيلات من نوع أن تقوم حكومة المستوطنين بوقف الاستيطان، وأن يظهر ممول سخي يمنح السلطة مائتي مليون دولار شهريا كفاعل خير يتجاوز الحسابات السياسية بكل أنواعها.

تسليم مفاتيح السلطة يعني الخروج من مشكلة للدخول في معضلة أكبر وأقوى.. ذلك أن نتنياهو المرشح حتى الآن لقيادة الحكومة الإسرائيلية المقبلة لأربع سنوات جديدة، لن يكون متعاونا في هذا الأمر، ولن يقبل المفاتيح هكذا ببساطة، فما الحيلة لو قال للسلطة إن قضية على هذا القدر من الأهمية والحساسية تحتاج إلى مفاوضات للتسليم والتسلم؟ ذلك أن الحديث يجري عن تسلم زمام أمور شعب يعد بالملايين، وعن سلطة فيها وزارات وخدمات والتزامات للبنوك وإسرائيل، وبالتالي سيقول جملة عامية نستخدمها كثيرا «دخول الحمام ليس كالخروج منه»!!

كذلك فماذا تفعل السلطة والمنظمة بهيلمانها ورجالاتها وزعمائها ومواكبهم ونفقاتهم وإداراتهم ووزاراتهم وموازناتهم؟ هل سيبقى كل شيء على حاله ويتولى ضباط الإدارة المدنية الإسرائيلية توجيه الأمور على الأرض، بينما يظل الزعماء الفلسطينيون مجرد ناطقين سياسيين باسم القضية الكبرى والشائكة؟ هل سيبقى القادة على الأرض بينما مفتاح البيت الذي يسكنونه في يد الاحتلال «وهذه المرة بصورة رسمية»، أم أنهم سيغادرون إلى بلاد الله الواسعة؟ وساعتئذ يحق السؤال ما هي الجهة التي ستقول للطبقة السياسية الفلسطينية أهلا وسهلا هذه بلادنا اسرحوا وامرحوا فيها إلى حين تتعدل الموازين وتأذن المعادلة الإسرائيلية - الأميركية والدولية بدولة لكم هي تجسيد لما حصلتم عليه قبل شهر في الأمم المتحدة؟

كما أن لنا منطقا نراه سليما وعادلا، فإن لخصومنا منطقهم غير السليم وغير العادل، إلا أن الفرق بين منطقنا ومنطقهم، أننا نملك الحق الأعزل وهم يملكون الباطل المسلح، وبوسعنا استنتاج الفرق بين الاثنين.

منطقنا الذي يشاركنا فيه تسعة أعشار العالم، حسب المقاييس الرقمية للتصويت في الأمم المتحدة مفهوم تماما، إلا أن السؤال هل هنالك مؤشرات واقعية على أن فهم العالم لمنطقنا سوف يتبلور في عملية سلام جديدة فعالة وملزمة لإسرائيل أولا دون أن أقول تتبناه الإدارة الأميركية؟

حتى الآن يجري حديث خجول عن أن إدارة أوباما قد تبادر، وأن الرباعية قد تقفز من الأرشيف نافضة عن نفسها غبار الفشل المتراكم لتبدأ تحركا جديدا.

والمؤسف والمؤلم أن العالم صار يتحدث عن موضوعنا لمجرد أن يقول شيئا، فكل من يتصل بنا أضحى معلقا على أمور أخرى لم تنضج بعد، أولها الوضع العربي الذي عجز عن إرسال عدد من الوزراء في زيارة تضامنية إلى رام الله، بعد أن قرر عدم إرسال أي وزير خارجية أثناء التصويت على الدولة.

وحين يكون الوضع العربي هكذا فإن من غير المنطقي أن يكون الوضع الدولي أفضل على صعيد المبادرة والفعل، فالكل ينتظر.. وقد يطول الانتظار.

انشر عبر