شريط الأخبار

يضيع الوطن ويضِّع حين.. علي عقلة عرسان

02:47 - 28 تشرين أول / ديسمبر 2012

قال المعتمد بن عبَّاد:

يطول على الدهر أن لم ألاقها   ويقصر أن لا قيتها أطول الدهر

وذاك من المعتمد قول يعبر عن رؤية للزمن تتصل بحالة تتبدل بتبدل الشرط والظرف والوجد الذي أملاها وأوجدته، وهو يرى إلى الزمن بعين العاشق المشتاق ونحن نرى إليه بعيون دامعة يفريها الألم ويلاحقها الخوف.. وفي رؤيتنا ورأينا: يومُ الألم يطول ويومُ الفرح يقصر، وهذا ما تضفيه الحالة النفسية للشخص على الوقت وحتى على الأحداث وتفسيرها وترابطها، بأسبابها ومسبباتها، كما تضفيه على صور الأشياء والأشخاص، أما الزمن فيبقى ذلك النهر المتدفق بلا انقطاع أو فتور، إنه أحد أجزاء الدهر القهار، لا يحول ولا يزول ولا يتغير ولا يتبدل، وقد لا تدرك أسراره العقول.. وإنما نحن فأحوالنا وأمزجتنا.. نحن الذين نتحول ونتلون فنلوِّن الأوقات والأشياء والأشخاص بما نشاء لها من ألوان. إن صور الأشياء تظهر للرائي حسبما ينظر هو إليها من خلال حواسه وأحواله، بينما تتلون صور الأشخاص وتتغير حسبما يعتري أصحابها من أحوال وحسبما يعتري الناظر إليهم منها، وتدخل في ذلك عوامل تتعلق بالعلاقة بين تلك وأولئك. والأشخاص ليسو مثل الأشياء بطبيعة الحال، فهم إزاء ذلك في صورتين، إحداهما يبديها ويجلوها منظور الرائي وحاله والأخرى تعكسها مرآة المرئي وأحواله.

وبين ضبابية الرائي والمرئي يساور المرءَ الشكُّ في صحة ما يرى رؤية عين ومذهب عقل، وما يصل إليه من مُدرَكات ومعانٍ وتفاسير لما يرى.. ومن ذلك كله ومما يتوالد حول الشخص ويتزاحم عليه وما يصدر عنه نتيجة تفاعله مع الوارد إليه، يتشكل قوام الرؤية ومناحها والفهم والتفاعل جراءها مع المعطيات بأشكالها وألوانها ودلالاتها، ومن المناخين الخاص والعام ومن مكوناتهما تتشكل البوتقة الحاضنة للأشخاص والرؤى والأفكار المتأثرة بالوقت وصور الأحداث والأشياء والأشخاص، وفي هذا المناخ الحاكم قد يضيع المرء ومحيطه أو ينام ويستيقظ على خوف من الضياع.

والضياع ليس توهان الجسم في مفازات الأرض، أو الدخول في بلبال يصيب البال ويؤثر في التصرفات والسلوك والأحوال، بل هو إلى ذلك، وبصورة أهم وأخطر وأوسع، ضياع الروح أو فصام ما بينها وبين العقل من حبل سُرّي، وتوهان العقل في ثنايا الواقع والوقائع وتموجه بين الخيارات والمعطيات والغرائز والعواطف والضرورات وعواصف المتغيرات، توهانه بين الحقوق والواجبات، بين زهْو الخاص ونُبل العام.. في حياة تنقله من لجة إلى لجة ومناخ اجتماعي وسياسي وثقافي وروحي لا يساعد على الوضوح لتنجلي في ظل ذلك رؤية ويتجلَّى عطاء بإبداع، بل إنه مناخ لا يقبل الوضوح ولا يرتضيه، ولا يسمح بتلبية الحاجات والضرورات وفق منظومات الطبيعة وقوانينها وسيرورة عملها فيأخذ بسلوك يحترم قواعدها ويستفيد من نظامها، ولا يقبلها وفق المنظومات الوضعية " "الاجتماعية والقانونية والخُلُقية.. إلخ" ووفق كل ما تواضع عليه الناس في مجتمع ودولة وعلاقات أفراد وأقوام وشعوب ودول، في حياة هي حق لكل الأفراد والشعوب والدول، من أجل بقاء مزدهر وحياة مشتركة تبقي على الخاص والعام في توازن يحيي ولا يميت ويعدل ولا يجور.

إن تفشي الجور والغرور والفساد والإفساد والزيف والتزييف، وكثرة الخارجين على قوانين الطبيعة والقوانين والوضعية، وشيوع مناخ يحتضن المغامر والمقامر ويعلي شأنه، ووسط ينفخ الضفدع فيلاً ويصنع من الأشخاص العاديين فراعين، وانعدام المعايير الموضوعية وغياب المحاكمات المنطقة والمرجعيات العقلانية الحاكمة للتصرفات والأشخاص والأوضاع والأحداث تلك التي تدقق الأحكام وتصدرها وتنفذها، وعدم الإقبال على قبول الحقيقية والبحث عنها ومناصرتها بمنهجية ومسؤولية وخُلق سويٍّ وضمير حيٍّ.. كل ذلك يفقد الحياة بمكوناتها والأحياء بمقومات وجودهم وعيشهم الكريم، قويهم وضعيفهم، يفقدهم أموراً جوهرية لا بد من توافرها لتطمئن إليها الأنفس ويعيش في ظلها الإنسان الحياة بمعانيها وأبعادها وحدودها ومراميها. ومن تلك الأمر ضرورات الأمن من جوع وخوف في تربة وطن ومجتمع وثقافة تحفظ الكرامة وتعزز العدل وتقيم المساواة، ويرتفع فيها الإنسان وفق سلم قيم ومقومات عقل وأصول معرفة وفعل وليس بقدرته على المكر والغش والخداع واستباحة ما لا يستباح، ولا تصبح عنده مقومات العيش الكريم، وعلى رأسها "نعمة الأمن من جوع وخوف والاطمئنان إلى حكم عادل تنتجه بيئة معافاة وتحكمه وترشده وتراقبه منظومة مؤسسات وشخصيات وقوانين ومعايير اجتماعية وإدارية صارمة وقيم حاكمة تحمي الفرد والأسرة والمجتمع من الضلال والضياع.. عرضة للانتهاك والاستباحة والإتلاف، ومن ثمة تصبح مقومات العيش في وطن عزيز يعز الإنسان ويعلي القيمة، تصبح بنظره أشبه بعقبات وقيود ومعوقات يجب تخطيها، إذ هي عنده وعند الجاهل الطامح المغامر من أمثاله ممن يريدون أن يعبروا بأية وسيلة إلى مواقع السلطة ليتسلط ويتأبدوا فيها، ولو داسوا هامات وافترسوا حيوات ودمروا عمراناً وأدموا قلوباً وأسالوا أنهاراً من الدماء.

والضياع الأدهى ليس ضياع شخص في متاهات نفس وحسب، بل ضياع وطن تضيع بضياعه الأنفس، وطن يدخله المغامرون والمنافقون والمستبدون والانتهازيون والمقامرون والمتآمرون في متاهات ودوامات لا يعرف كيف يخرج منها.. فالوطن حين تتحكم به الرعونة وتحكمه الرؤى الضيقة العجاف والعناصر المتطرفة والمصالح الشخصية والفئوية والتطرف الأعمى من أي نوع كان، ويسيطر على قراره وتوجهاته ضعاف الأنفس وقصار النظر، تُخنَق فيه الكفاءات والمبادرات، ويُخنق فيه أهل الخير وكل من فيهم النفع له من أبنائه، ويُضيق على من يحرصون عليه ويراعون مصالحه ومصالح مواطنيه ويضيق بهم، ويضيق حاكمه بمن لا يوافقه الرأي والرؤية وبمن لا يتفق معه في كل ما يقوم به من أفعال ويدلي به من آراء وأقوال، ويصبح وجود أولئك عبئاً يتم التخلص منه بوسيلة ما لسبب ما.. يصدق عليه وعلى ما فيه ومن فيه قول عمرو بن الأهتم:

لَعَمرُكَ ما ضاقَت بِلادٌ بِأَهلِها       وَلَكِنَّ أَخلاقَ الرِجالِ تَضيقُ

فوطن يكون فيه جهلاؤه حكماؤه، ومراهقوه منقذوه، والانتهازيون والعملاء من أبنائه "مناضلون يقايضون عليه"، وحكامه بعض ظلامه ومن يساهم في إعدامه لسبب يراه ويتهم بما يفعله سواه.. هو وطن مفقود، ويؤسس لفقد هيبته وسيادته وكيانه وذهاب بنيه وضياعهم في منافي التيه.. وتسيل دماء الأبرياء وغير الأبرياء في رحابه بغزارة حتى لتصرخ الأرض من ضيقها بما يهراق من دم، فلا يُلتفت لصراخها، ولا يعني شيئاً لأيٍّ من المحتطبين بليله البهيم إذ تقول: " كفى قتلاً وتنكيلاً وتدميراً.. فلم يخلق الخلق للقتل والموت بعبثية وجنون، بل خلقوا ليمجدوا الخالق ويحفظوا الخلق ويزينوا الحياة ويستمتعوا بها.. خلقوا ليبنوا البنيان على أسس متينة، وليؤسسوا بقوة لاستمرار الحياة واستثمارها في الخير والصالح والممتع والمفيد من الأمور، لقد ارتفع الإنسان بمشيئة الخالق وكرم من دون الخلق، ليرتفع من ثم الناس بعضهم فوق بعض درجات بالتقوى والعمل الصلح والقدرة على البذل والتضحية والعمران وليس بالقدرة على الفتك وإبادة مقومات الحياة وقتل الإنسان.. كفى قتلاً لقابيل ونسله ومن في حكمه أقول، ولكل من فيه حياة أقول: ألا كفى.. أليس فيكم من راشد وغيور يرعى حق الله والناس في الأرض."؟!.

نعم أخاف من الضياع، وأخوف ما أخافه إنسان ضائع ولغ في الدم حتى استطاب الدم، وأرى الخوف يزحف على أشلاء الوطن حين يزحف أطفالُ عراة بعري الوطن وهم يطلبون الخبز والدفء والدواء والأمان، فلا يجدون من ذلك شيئاً ولا يجدون أمهاتهم أو لا يجدون في عيونهن دمعاً ولا في جنباتهن حناناً لأن الصقيع يلف كل شيء حتى القلوب والعقول أما الضمائر فتجمدت مذ تخثر المدم المراق وتجمد.. وأرى الوطن يضيع ويضيِّع حين تجوع حرائره ويأبين أن يأكلن بأثدائهن فيُغتصَبْن من ذئاب في رحابه أو فيما يستقبلهن من رحاب الأرض إذ يضيق بهن الوطن ويضقن به.. يغتصبهن من لا شيئ فيه مما يكون الرجولة والكرامة بحق.. وتراهن في خضم الألم والعري والعار يصرخن مستنجدات ولا منجد ولا عاصم.. بينما الساقطات من نساء فيه وفي سواه من أرض يرتعن في المرابع، يرفعهن السقوط بكل ألوانه وأشكاله، من السقوط السياسي وتدني الهمة والقيمة إلى السقوط الجنسي بدِمَنِه ومدمناته ومدمنيه، ويرفعن درجات فوق درجات، بقدرة ما وكفاءة ما وإرادة ما.. فيُبلَّغْن مراتب الفضيلة والقيادة والريادة والثورية والنبالة، ويتربعن في المواقع التي يتجرأن فيها ومنها على إصدار أحكام قيمة على من يشأن من مواطنين ومواطنات، فضلاً عما يصدرن أو يوحين بإصداره من أحكام التجريم والقتل والملاحقة والتسفيه التي تصدر على الأبرياء والبريئات، الفاضيلين والفاضلات، والمنتجين والمنتجات، من الطيبين والطيبات والمبدعين والمبدعات من أبناء الوطن وبناته كافة، بينما هن يضعن الساق على الساق ويحتسين شرابهن بأناقة، من دون أن تنسى أي منهن وأي من الرجال الذين هم على شاكلتهن أن يعلنوا إصدار تلك الأحكام والأقوال والأفعال "باسم الشعب" الذي يجيره هذا وذاك لحسابه من دون حساب.

الوطن يضيع ويضيِّع يوم تموت فيه القيم والشهامة والمعايير الموضوعية للحكم والاحتكام، وحين يموت فيه الدين والعلم والثقافة والأمل ويتبدد اليقين، وحين يموت أبناؤه موتاً مجانياً عبثياً أو يمشون أمواتاً في الطرقات يبحثون عن ذواتهم وظلالهم ولا ظلال ولا ذوات، ويوم يستنسر فيه البوم ويتبوَّم العقاب، ويوم يستشري بين جنباته الشر ويُزدرَى الخير ويُرفَض العقل والمنطق، وحين يتعرض فيه الفكر السلم للتسفيه والاحتقار، ويتعرض أحراره المنتمون إليه وللأمة انتماء عضوياً صادقاً، للملاحقة وصنوف العذاب، وحين يشهَّر به من قِبَلِ بنيه وغير بنيه على منابر الأمم، وينادَى على احتلاله واحتقار استقلاله وتدمير قواه الحية، ويوم يستحر فيه القتل وينتشر الدمار ولا يملك أن يوقف شيئاً من ذلك، ويوم يُزري سفهاء من أبنائه بالأصول والمعقول ويعلو صوت الطبالين والزمارين فيه على صوت العلماء والمثقفين والمبدعين باصالة، ويعوم لصوص الإبداع ومن يزيفون تاريخ الأحداث والأشخاص والأفكار والإبداع والأشياء ويجيرونها بصخب " ميليشياوي" كريه لمصلحتهم، ويتحاشى كرام الناس من أهل الحق والجدارة أن ينزلقوا إلى ما ينشئه أولئك من مستنقعات الراي ووسائل التعبير عنه.. ويضيع الوطن حين تَفترس قوى فيه أبناءه الطيبين وحقوقهم، وحين يدني شأن العلياء منهم ويعلي شأن المفترين والأشرار وقصار النظر والقامات، وحين يحاسب المؤمن على إيمانه والوطني على إخلاصه، وحين يُحتقر فيه العقل والإيمان والإبداع ويطفو الجهل والإلحاد والاستبداد، وتتزيا اللصوصية بزي العبقرية، وتلبس القوى العمياء حلل الادعاء وتدعوا الناس إلى الاتباع.!!..

الوطن يضيع ويضيع معه الناس، كبيرهم وصغيرهم، حين يضيع فيه معيار القيمة، ويحكمه ويتحكم بمصيره الجهلُ والادعاءُ والاستبداد والأدعياء، وحين يطغى البغي والبغاء على منابر ودوائر فيه ويتمركزان في بواطن أمور وظواهرها.. والوطن يضيع يوم يحتله الإرهاب ويناصر بعض بنيه الإرهاب عليه، وحين يحتل المدافعون عنه رقاب الناس وبيوتهم بالحراب ويشيعون فيه الخارب، ويوم يعلن فيه الظلام نفسه نهاراً، ويفترس فيه الجهال دياراً، وتسيل الدماء فيه أنهاراً، وتستهدفه سياسة ربانها ومرشدها ومستشارها فاسد مغرور، يدعي المعرفة وهو الجهل، يطالب بثروة وسطوة ووجاهة بأي ثمن ومن أي طريق جاءت، بصرف النظر عن الوسيلة والسبيل والأداة وحكم التاريخ والضمير ورضا الشعب وإرادته، بينما هو لا في العير ولا في النفير.. ويوم تصبح السياسة سفن لصوص ومقامرين، ربابنتها بحارة قفار لا يعرفون عن البحار أكثر مما تعرفه النَّملة عن المحيط الهدار.. فإذ ذاك وهناك في تلك المجاهل، وفي ذلك المناخ وأشباهه يفترس الناسَ في الوطن الخوفُ والقهر والظلم والجوع والعري، ويدخلهم الحرصُ عليه وعلى أنفسهم في سلبية لا يتجاسرون معها وبسببها على ما يجب التجرؤ عليه، فتستباح حدوده وسيادته وثقافته حضارته وكرامته وكرامة الإنسان فيه..

وإخال أن وطني اليوم يتوارى عن الأنظار خجلاً، ويدخل في متاهات الخراب والدمار مكرهاً، ويتحاشى أن يظهر على ما هو عليه من حقائق الأحوال، بينما يضعه بعض بنيه على الخصوص في خضم تخلف وعار، وهم بذلك يؤازرون أعداءه عليه. ألا بؤساً لمن يركب في الوطن وبذريعة إنقاذه مركب الدم، ويتجنب الحكمة والمروءة والعقل، ويتنكب عن طرق السلم والمسؤولية التاريخية والفهم، ويجعل سواه يدفع له ثمن مأكله ومشربه وملبسه ومأواه.. يدفعه دمعاً ودماً ومعاناة.. وقديما قال شاعر الحكمة ابن أبي سلمى زهير:

وَمَن يَغتَرِب يَحسِب عَدُوّاً صَديقَهُ       وَمَن لا يُكَرِّم نَفسَهُ لا يُكَرَّمِ

وَمَهما تَكُن عِندَ اِمرِئٍ مِن خَليقَةٍ     وَإِن خالَها تَخفى عَلى الناسِ تُعلَمِ

وَمَن لا يَزَل يَستَحمِلُ الناسَ نَفسَهُ       وَلا يُغنِها يَوماً مِنَ الدَهرِ يُسأَمِ

دمشق في 28/12/2012

                                                               علي عقلة عرسان

انشر عبر