شريط الأخبار

مع القسوة الى النهاية.. اسرائيل اليوم

01:45 - 28 تموز / ديسمبر 2012

بقلم: بوعز بسموت

(المضمون: بدأ بشار الاسد يفقد أواخر مؤيديه بعد استعماله سلاحا كيميائيا كما يُقال في حمص وغيرها من المدن السورية. ان الشيء المؤكد هو ان الاسد سيموت في بلده أو يفر ولا احتمال لغير ذلك - المصدر).

"العالم مكان عيش خطير لا بسبب الناس الذين يسيئون بل بسبب الذين لا يفعلون شيئا للتغيير". تذكرنا يوم الاحد هذا الاسبوع للمرة التي لا يعلم أحد كم هي منذ بدأت الأحداث في سوريا في آذار 2011 مقتبسين من كلام ألبرت آينشتاين. في مركز محافظة حماة قتل عشرات المواطنين السوريين كانت جريمتهم كلها أنهم كانوا في الصف ينتظرون الفرن ساعات طويلة لشراء الخبز. وكان ذلك ايضا هو الاسبوع الذي أُبلغ فيه ان الرئيس السوري بشار الاسد بدأ يستعمل السلاح الكيميائي على المتمردين. ما تزال سوريا تنزف والعالم مع البنادق والضمادات ما يزال يقعد متنحيا وينتظر.

أُضيفت بلدة حلفايا هذا الاسبوع الى سلسلة طويلة من بلدات في سوريا تحدث فيها الفظاعة وكانت شهادة اخرى على السهولة التي لا تحتمل التي يقرر فيها زعماء عرب ذبح أبناء شعبهم. وتبرز الفظاعة في سوريا بروزا خاصا لأن النظام وكل أبناء الطائفة العلوية الذين يؤيدونه قد استدخلوا في أنفسهم منذ زمن ان الحديث عندهم بخلاف تونس ومصر واليمن بل ليبيا، عن حرب حياة أو موت. وكان واضحا للجميع انه لا يؤخذ أسرى في "الربيع" السوري. فليس عجبا ان بلغ عدد الضحايا 45 ألفا بحسب معطيات منظمات حقوق الانسان في سوريا. ولا يتنازل أي طرف ولا يستسلم أي طرف.

"الانسان هو أكثر الحيوانات توحشا"، قال فريدريخ نيتشه، وقد قال هذا قبل ان يحظى بمعرفة عائلة الاسد. لم يعرف الأب ولا الابن ومن المؤكد انه لم يعرف روح القدس التي لا مكان لها في هذه العائلة البربرية. بعد الاسبوع الأخير لم يعد شك في ان الاسد سيمضي في هذه المرحلة أو غيرها الى الجحيم. لكن اذا كان يوجد شيء ما ايجابي مؤكد بالنسبة اليه فهو انه حينما سيلقى أباه حافظ، فانه سيستطيع ان يفخر أمامه بأفعاله ويتلقى منه نصائح جليلة.

اتهمت احدى المنظمات السورية الرائدة والأكثر نشاطا فيما يتعلق بحقوق الانسان النظام السوري هذا الاسبوع بأنه يستعمل السلاح الكيميائي. وقالت المنظمة المذكورة ان ستة مقاتلين على الأقل يتبعون قوى المتمردين قُتلوا في الليلة بين يوم الاحد ويوم الاثنين في حي الخالدية في مدينة حمص بعد ان استنشقوا غازا أطلقته عليهم قوات الجيش السوري.

ليس واضحا عن أي غاز يدور الحديث، لكن تُبين شهادات ميدانية ان "سحابة دخان ارتفعت في الجو في اللحظة التي أصابت فيها القذائف المطلقة جدارا". وتم الزعم في تقرير آخر ان اربعة متمردين آخرين يضافون الى الستة الذين قتلوا بسبب استنشاق غاز سام يعانون شللا وأصيب اربعة آخرون بعمى. وأبلغت جهات معارضة سورية أن الدخان المنبعث يسبب الدوار والصداع القوي ونوبات صرع.

لم يعرفوا في واشنطن كيف يُفسرون الأخبار التي وردت من سوريا بل صعب على المتمردين في سوريا أن يُعرفوا الهجمات بأنها كيميائية لأنه لم يتضح لهم ان الحديث عن سلاح محظور. ومهما يكن الأمر فان التقدير هو ان النظام السوري استعمل لأول مرة نوعا من السلاح الكيميائي، ويحاول المتمردون ان يُعظموا ذلك الأمر قدر المستطاع.

من جملة اسباب ذلك الرأي العام الدولي والرأي العام في روسيا خاصة – فقد بُيّن في موسكو برغم تأييد النظام السوري ان استعمال السلاح الكيميائي هو قضاء على نظام الاسد. ومع ذلك طلب وزير الخارجية الروسي لافروف ان يُبين هذا الاسبوع ان الخطر الأكبر هو ان يقع السلاح الكيميائي في أيدي المتمردين ومنهم منظمات تتبع القاعدة والجهاد العالمي.

ينتظرون السقوط

ان الخوف في الغرب هو من ان يستعمل الاسد السلاح الكيميائي اذا شعر بأنه يفقد السيطرة على الدولة بصورة نهائية. ويعلم الاسد جيدا ان استعمال السلاح الكيميائي "خط احمر" ستكون له تأثيرات دولية. وبيّنت واشنطن جيدا بوساطة وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ان استعمال السلاح الكيميائي سيوجب عملية امريكية.

ولما كان الرأي العام في امريكا لا يتحمس تحمسا خاصا لمغامرة عسكرية اخرى في الشرق الاوسط فان واشنطن لا تسارع الى قبول المعلومات عن استعمال سلاح كيميائي باعتبارها معلومات صادقة. وربما من اجل ذلك دعت منظمات المعارضة السورية منظمة الصليب الاحمر الدولية الى ان ترسل فورا فريقا طبيا الى مدينة حمص حيث يحاصر الجيش بعض الأحياء منذ أشهر. واهداف ذلك هي علاج المصابين والفحص عن الغاز غير المعروف في الأساس.

"لا شك في انه استُعمل غاز وإن كان من الواضح ان ليس الحديث عن غاز السارين"، قال طبيب سوري طلب عدم الكشف عن اسمه. بل تتحدث تقارير مختلفة عن استعمال سلاح غير معروف على مواطنين لا في حمص وحدها بل في حماة وإدلب ايضا. "الحديث في أكثر الحالات عن نوع جديد من غازات سامة لأنه يصعب على الاطباء ان يحددوا ما هي المادة السامة"، قال هذا الاسبوع متحدث جيش سوريا الحر، لؤي المقداد.

أن مبعوثة القناة الفرنسية "فرانس 2"، التي زارت مدينة حمص هذا الاسبوع لم تأت هي ايضا ببراهين على استعمال سلاح كيميائي، لكن صور السوق المدمرة في المدينة أدهشت المشاهدين. فالاسد لا يرحم حياة الناس ويضر بمواقع تاريخية محفوظة كتلك السوق المدهشة الجمال.

ينبغي ان نذكر ان وسائل الاعلام العربية عامة أبلغت هذا الاسبوع في توسع ان نظام الاسد يستعمل سلاحا كيميائيا. بل ان شبكة "الجزيرة" كشفت عن ان طائرات في خدمة النظام ألقت قذائف تحتوي على مادة سامة على أحياء في مدينة حمص. وتريد نظم الحكم العربية على العموم التي توجد لها جميعا اليوم تقريبا صلة ما بالاخوان المسلمين ان ترى سقوط واحد من النظم العلمانية الاخيرة التي ما تزال باقية، أعني نظام الاسد.

ما تزال جزائر عبد العزيز بوتفليقة وحدها التي يساعد جيشها الرئيس في الحفاظ على السلطة وخفض رؤوس الاخوان المسلمين كلما رفعوها، ما تزال تؤيد الاسد في الحلقات الدولية وفي لقاءات الجامعة العربية. ان وزن الجزائر أقل كثيرا من وزن قطر أو من وزن العربية السعودية اللتين تصادم احداهما الاخرى على نحو عام لكنهما في الحالة السورية تتمنيان معا سقوط الطاغية من دمشق.

بلا هوادة

وفي خلال ذلك ما يزال بشار الاسد باقيا في قصره وإن كان التقدير ان نظامه المتضعضع بلغ مرحلته الاخيرة، بل تم الابلاغ هذا الاسبوع في صحيفة "الغارديان" البريطانية ان المتحدث السابق عن نظام الاسد جهاد المقدسي يتعاون مع وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. والمقدسي بحسب ذلك البلاغ، الذي فر من الدولة في نهاية تشرين الثاني، يساعد الاستخبارات الامريكية على فهم كيف تتخذ القرارات في قدس أقداس النظام السوري.

لم تحب المعارضة السورية المصافحة المهذبة جدا بين ممثل الامم المتحدة والجامعة العربية الجزائري الاخضر الابراهيمي، والرئيس الاسد هذا الاسبوع في قصر الرئاسة في دمشق، فقد جاء الابراهيمي في زيارة ليومين للتباحث في وجود حل للصراع السوري العنيف ومحاولة التوصل الى مصالحة مع الاسد.

على حسب تقرير للصحيفة الفرنسية "لافيغارو"، ستأتي المصالحة المحتملة برعاية الولايات المتحدة وروسيا، ولم يُحب المتمردون هذه الفكرة فالاسد عندهم لم يعد جزءا من المعادلة بل يجب عليه ان ينصرف.

سُمح لمبعوث الامم المتحدة ان يلتقي في دمشق مع جهات من المعارضة السورية لكنها جهات حصلت على شهادة احلال من السلطة. وقال هؤلاء بالطبع ان كل حل يمكن ان يوجد مع الاسد نفسِه فقط. وبالمناسبة وصل الابراهيمي الى موسكو في نهاية هذا الاسبوع.

لكننا لن نتذكر من الاسبوع الماضي تأميل الاسد مصالحة تنقذه بل الصدوع التي أخذت تتسع في القيادة العليا السورية الى حد أنها ستفضي آخر الامر الى نهاية النظام الوحشي.

لم يحجم نائب الرئيس فاروق الشرع في المدة الاخيرة عن انتقاد معاملة رئيسه للمتمردين. وقد ذُكر الشرع وهو وزير الخارجية الاسطوري السني في حالات كثيرة باعتباره الشخص الذي يستطيع ان يقود سوريا – مؤقتا على الأقل – بعد مغادرة الاسد، بل كانت اشاعات بأنه فر، بيد ان من كان راعي الاسد في البدء ما يزال قويا في الصورة.

يوجد في القيادة السورية العليا اليوم في واقع الامر تياران متشاحنان. الحرس القديم الذي ورثه بشار عن أبيه ويؤيد توجها مهادنا وتنازلات ما للمتمردين للحفاظ على جزء من السلطة على الأقل. ويعتقد الشرع والمشاركون في ذلك التوجه ان الرئيس الاسد يستطيع من موقع قوة ما يزال باقيا في يديه ان يداور بحيث يبقى للطائفة العلوية في سوريا قدرة على تأثير ما.

وفي مقابلهم يؤيد الحرس الشاب استمرار الصراع مع المتمردين بلا هوادة وبلا تنازلات. ويبدو ان الاسد قد اختار في هذه الاثناء التوجه الهجومي. فلما كان الصراع في الدولة عنيفا بصورة خاصة أصبح الاسد يدرك ان هناك مكانا للجانب المنتصر فقط في سوريا اليوم، فهو يرى ان المنتصر يأخذ كل شيء.

وهو الى ذلك يرى ان ربيع الشعوب العربي لم يُحسن الى الزعماء الذين فضلوا "الاحسان" الى الشعب قُبيل النهاية.

ان التنازلات في العالم العربي تُرى ضعفا. فقد أنهى زين العابدين بن علي في تونس وحسني مبارك في مصر وعلي عبد الله صالح في اليمن عملهم في اللحظة التي حددوا فيها مدة حكمهم. وفي شأن معمر القذافي كان الامر يختلف شيئا ما لأنه لولا التدخل الدولي، أعني تدخل حلف شمال الاطلسي، لأمكن جدا ان يكون ما يزال باقيا معنا في 2013.

ان وحشية الاسد تحظى اذا بتأييد الحرس الشاب من القيادة الذي لا يشتمل فقط على ممثلين من أبناء الطائفة العلوية، ففي هذا الجسم الحاكم سنيون ودروز ايضا.

يمكن ان نجد بين المجموعة المؤثرة جدا في الرئيس أخاه العقيد ماهر الاسد (44 سنة) قائد الفرقة الرابعة المسؤولة عن أمن دمشق والقصر الرئاسي.

وينتمي أخوال الرئيس وأبناء أخواله رجلا الاعمال محمد مخلوف (80 سنة) ورامي مخلوف (44 سنة) ورجل الأمن الرفيع المستوى حافظ مخلوف (41 سنة) الى تلك المجموعة التي تطمح الى ان ترى صراعا لا هوادة فيه.

وفي النهاية وفي الليل حينما يمضي الاسد لينام يسمع كلاما مشابها من زوجته الحسناء أسماء – سنية – التي كانت الى زمن غير بعيد نجم المجلات الغربية وهي تدعو زوجها اليوم الى عدم وقف المعركة بأي ظرف.

يوجد في تلك المجموعة الضيقة كما قلنا من قبل درزيان ايضا هما منصور عزام (52 سنة)، وهو الوزير المسؤول عن الشؤون الرئاسية، ولونا الشبلي، وهي صحفية سابقة في "الجزيرة". ويمكن ان نضيف اليهما ايضا الجنرال علي مملوك (66 سنة) المسؤول عن الأمن الداخلي ورستم غزالة (59 سنة) مدير الأمن السياسي.

"هذه مجموعة الاشخاص التي يصغي اليها الاسد واليها فقط"، يقول خبير بشؤون سوريا يفضل من اجل أمنه الشخصي ان يبقى مجهولا بسبب زياراته المتقاربة لدمشق والعلاقات التي ما تزال له بالقيادة السورية.

سيموت أو يفر

في المقابل أدرك فاروق الشرع وجنرالات الجيش السوري انه لن يوجد في الوضع الحالي أي حسم للصراع الدامي، في الزمن القريب على الأقل وأنه يجب عليهم ان يُظهروا المسؤولية وان ينقذوا ما بقي من اجل الدولة ومن اجل النظام.

قال الشرع في مقابلة صحفية أجراها مع الصحيفة اللبنانية المؤيدة لسوريا "الأخبار" وهو الذي عمل وزيرا للخارجية السورية 22 سنة، قال ان الاسد "لا يخفي رغبته في الانتصار بوسائل عسكرية".

وقال الشرع في تلك المقابلة الصحفية ان الاسد يمسك بزمام السلطة وان جميع مواقع القوة تحت سيطرته لكنه تحفظ ايضا وقال انه "توجد اليوم في النظام السوري عدة مواقف تعارض مواقف الرئيس الاسد".

وفي اثناء ذلك، في اثناء كتابة هذه السطور تقريبا، ارتفع عدد الضحايا في سوريا الى 45 ألفا. وتُبين معطيات منظمة حقوق الانسان "أو.اس.دي.اتش" ان 31544 منهم مدنيون (منذ 15 آذار 2011)، أما سائر الضحايا فهم جنود يكملون العدد الذي لا يمكن تصوره والذي سيبقى في ارتفاع في نهاية الاسبوع القريب ايضا.

وبالمناسبة يضاف الى هذه المعطيات بحسب منظمة "أو.اس.دي.اتش" المنشقون عن جيش الاسد الذين يبلغ عددهم 1511.

ان رئيس سوريا هو أبغض شخص في سنة 2012 وقد كسب هذا باستحقاق لأن وحشيته وعدم جديته تجاوزا كل حد. واذا لم يبق في السنة القريبة فينبغي ايضا ان نفترض أننا لن ننساه سنين طويلة بعد. من كان يصدق ان الوريث سينجح في التفوق على أبيه؟ يصعب على سوريا الى اليوم ان تهضم الـ 20 ألف قتيل في حماة في 1982 وها هو ذا بشار قد نجح في ايقاع ضعف ذلك من عدد الضحايا.

اختار طبيب العيون السوري ان يطفيء الحريق الكبير الذي شب في بلده بالزيت. فليس عجبا ان أخذ اللهب يزداد اتساعا، وليس عجبا ايضا انه مع استراتيجية كهذه سيبلغ بعض ذلك اللهب الينا ايضا. والسؤال الكبير هو هل يموت الاسد في بلده أم يفر منها. وكل سؤال آخر حول الاسد اليوم غير ذي صلة.

انشر عبر