شريط الأخبار

عادة ثورة... هآرتس

01:48 - 21 تموز / ديسمبر 2012

بقلم: أنشل بابر

(المضمون: في الاردن تعلموا كيف يتعايشوا مع الاحتجاج بوتيرة بطيئة: الشرطة يبتسمون، المتظاهرون يطلقون الشعارات تنديدا بالملك والجميع يتفرقون. لعل قصص اللاجئين من سوريا تفقد الاردنيين الشهية للكفاح العنيف. ولعل الملك عبدالله لا يزال ينجح في المكان الذي فشل فيه الآخرون - المصدر).

في نظرة اولى، ذكّرت قافلة سيارات الشرطة التي تقف على طول ميدان الملك فيصل في وسط البلدة القديمة في عمان صباح يوم الجمعة الماضي بمشاهد مشابهة قبل نحو سنتين في تونس وفي القاهرة. هناك أيضا وقف مئات أفراد الشرطة في بزاتهم ورجال المخابرات باللباس المدني امام المظاهرات ضد النظام، التي بدأت فور الصلوات في المساجد. ولكن هنا هذا مختلف: أفراد الشرطة الاردنيون لا يحملون عصي، دروع وبنادق غاز مسيل للدموع، وباستثناء بضعة ضباط يتحزمون بالمسدسات، فانهم غير مسلحين على الاطلاق. وهم مبتسمون ويبدون مرتاحين وهم يحملون وجبات الغداء الساخنة المغلفة. بضع سيارات دورية تنتشر في الشوارع المؤدية الى الميدان الصغير خارج مسجد الحسيني القديم والمكتظ، جاهزة لاغلاق الطريق اليه اذا كانت حاجة، ولكن لا يبدو توتر في الهواء. الباعة المتجولون يقفون في كل زاوية مع أكوام الكراتين التي تستخدم كابسطة للصلاة وعلى سطح المنشأة للوضوء، تقف طواقم التلفزيون. وفي الساعة 12:00 تجمع بضع عشرات من الرجال فقط في المسجد. ويسير ضباط شرطة كبار رويدا في الشارع المجاور، يبتسمون للمارة.

بعد سنتين من اندلاع موجة الثورات في العالم العربي، بعد اسقاط النظام في مصر، تونس وليبيا، في الوقت  الذي لا تزال في سوريا المجاورة تعربد حرب أهلية، في المملكة الاردنية الهاشمية تعلموا كيف يتعايشوا مع المظاهرة الاسبوعية ضد النظام. وقبل شهر فقط كان يبدو أن المقاومة بدأت ترتدي طابعا عنيفا: فقد خرج عشرات الالاف الى الشوارع في أعقاب رفع اسعار الوقود والغاز واصطدموا بقوات الامن. واعتقل المئات، وقتل اثنان. واتجه الانتباه العالمي للحظة الى الاردن ومعه التساؤل عن قدرة بقاء الملك عبدالله الثاني. اما الان فافراد الشرطة هادئون، ربما بفضل تفوقهم العددي: مئات الشرطة يقفون استعدادا.

في الساعة 12:15، تغلق الشوارع حول المسجد، ولكن الشرطة لا تمنع مئات الرجال من التدفق نحو الميدان والانضمام الى الصلاة. سيارة واحدة يسمح لها مع ذلك بالدخول: شاحنة محملة بالاعلام الاردنية وبمكبرات الصوت. التنسيق الكامل مع الشرطة يدل ظاهرا على أن هذه سيارة ستكون تحت تصرف المتظاهرين من مؤيدي النظام. في الميدان وفي شارع الملك طلال المجاور للمسجد يقف نحو الف شخص، يستعدون للصلاة والمظاهرة.

أحد المنظمين، اسامة عبادي، يعرض نفسه كناطق بلسان حركة الشبيبة من الحركة الاسلامية: "نحن نحتج ضد استمرار اعتقال النشطاء ومن أجل حرية التعبير ونقل السلطة الى الشعب". فهل هذا يتضمن الاطاحة بالملك عبدالله؟ عبادي يبتسم. "نحن بالذات نريد للملك أن يبقى"، يقول، "ولكن على الا يحكم. يمكنه أن يكون ملك مثلما في انجلترا". هل سيستخدمون العنف لتحقيق أهدافهم؟ "ولا باي حال من الاحوال. رأينا الدم الذي يسفك في سوريا. نحن نريد اصلاحا عقلانيا، بثمن متدنٍ ودون اخطاء".

في 12:45 يقف الرجال في صفوف طويلة في عرض الشارع. بعض من افراد الشرطة ينضمون اليهم للصلاة. والان يمكن ان نلاحظ قوة شرطة اخرى في اقصى الشارع – 6 سيارات دورية طويلة بزجاج غامق، محملة بلابسي البزات الغامقة. وهؤلاء هم رجال الدرك، بستراتهم الواقية وخوذاتهم ويحملون قنابل الغاز المسيلة للدموع. وهم سيحافظون على مسافة، ولكن في حالة التصعيد سيدخلون الى العمل.

في الواحدة ظهرا يسجد المئات. وفور الصلاة تبدأ المظاهرة. ويتبين الان بان سيارة مكبرات الصوت التي سمحت الشرطة لها بالوصول حتى الميدان يستخدمها المتظاهرون. والواحد تلو الاخر يصعد اليها الخطباء الذين يطلقون شعارات مثل "بالروح بالدم نفديك يا اردن"، و "لا لعبدالله السنور (رئيس الوزراء)". وبالتدريج تصبح الهتافات اكثر جرأة: "الشعب يعيش بكرامة أو يموت" و "الشعب جائع والحكومة تسرق". ويحمل بعض المتظاهرين يافطات مع صور المعتقلين التسعة من الشهر الماضي الذين لم يفرج عنهم بعد.

المتظاهرون لم يذكروا بعد اسم الملك، ولكنه حاضر في غيابه. "الاردن، الله وكفى" يهتفون، مسقطين عبدالله من الثلاثي المقدس القائم في أنظمة الطغيان العربية. وها هو خطيب يوجه حديثه للملك مباشرة ويهدد: "غير النظام وإلا فنهايتك كنهاية زين العابدين بن علي"، وكذا: "الحرية من الله، لا من عبدالله". ولكن مع أن التوجه الى الملك مباشرة، دون استخدام لقبه، محظور حسب القانون الاردني وقد يؤدي الى الاعتقال، فان الشرطة يقفون جانبا. الوحيدون الذين يتدخلون، يفصلون بين المظاهرة وبين مجموعة صغيرة من نحو 30 مؤيدا للنظام يهتفون نحو مؤيدي الاصلاح "الدولارات من ايران، الدولارات من ايران" تلميح بان الاحتجاج تموله محافل اسلامية من طهران.

لا يوجد للمظاهرة انتماء حزبي او رمز سياسي واضح ما، ولكن الخطيب الاخير هو رجل الاخوان المسلمين، حسن ديابوت، الذي يعد بمواصلة الكفاح حتى تحقيق التغيير. وهو ينهي كلامه في الساعة الثانية، ويتفرق مئات المتظاهرين بسرعة وفي غضون دقائق تعود الحركة الى الشارع الذي يعج بالناس. فعلى مدى ستين دقيقة بالضبط منح المتظاهرون الوهم وكأن بوسعهم أن يتجرأوا في وجه السلطة. بعد ذلك ينتهي هذا، حتى الاسبوع القادم.

الرائد سعيد، قائد قوة الدرك، بابتسامة رضى على وجهه، يقول ان "هذه مجموعة صغيرة وغير ضارة". وهو لا يخاف من ان ينشأ عن هذه المظاهرات احتجاج مثلما في مصر. "الاردن كله أسرة واحدة وتوجد هنا ديمقراطية اجمالا"، يقول، "الاغلبية لن تسمح للاسلاميين بتدميرنا". ومع أنه قبل شهر استخدم رجاله الغاز المسيل للدموع والنار الحية، "ولكن هذا انتهى بسرعة والان أنت ترى بان الجميع يريدون فقط الوصول الى بيوتهم بسلام".

هل في الاردن بالذات نجح الحكم في وقف الثورة العربية؟ حسب المظاهرة الاسبوعية في عمان يبدو أن نعم. مسجد الحسيني ليس ميدان التحرير. ولكن من قال ان على الثورة ان تولد بالذات في العاصمة. في تونس وفي مصر ايضا بدأ الاضطراب في المدن البعيدة قبل أن يصل الى المركز. وبالفعل، في الاردن ايضا المظاهرات الاعنف هي في المدن الجنوبية المصابة بالبطالة مثلما في الطفيلة والكرك. ومع ذلك، بعد نحو سنتين من اندلاع المظاهرات في الاردن، يبدو أن الشرطة تحسن فقط الاحتواء والتهدئة للمظاهرات دون عنف.

في أحاديث مع المسؤولين والمقربين من الاسرة المالكة، يوصف المتظاهرون باستخفاف، "يصخبون ولكن لا يؤثرون". وبالفعل، حتى في ذروة المظاهرات لم يشارك اكثر من 5 الاف شخص. ولكن حتى لو لم تكن الاغلبية الساحقة تخرج الى الشوارع، فانه خارج الفقاعة المحمية من القصر والاحياء الفاخرة غربي المدينة يصعب على المرء ان يجد في عمان مؤيدين حقيقيين للملك وحكومته.  ومن جهة اخرى، ما أن تتفرق المظاهرة يوم الجمعة، يصعب ايضا ايجاد اردني يعترف بأنه يشارك باستمرار في المظاهرات. كما أن هناك من يدعي حتى بان المتظاهرين يخدمون عمليا الحكم في أنهم يتيحون التظاهر الوهمي بوجود حرية تعبير في الاردن. ورغم الاعتقالات وحقيقة أنه في الاشهر الاخيرة يتم اقتياد المعتقلين لعرضهم امام محكمة خاصة لامن الدولة، فان مسؤولين في الحكومة الاردنية يدعون بان الملك عبدالله بالفعل يسمح بحرية تعبير كاملة. رسميا، قد يكون هذا صحيحا، ولكن عمليا قلة يستغلونها.

في الاسبوع الماضي جرى في عمان مهرجان أفلام من أجل حقوق الانسان. المهرجان، الذي جرى برعاية مركز الثقافة الملكي، عني بالنزاعات في كل العالم، الا في الاردن. ومحل عماد الشوا في شارع رينبو – جادة المطاعم والبارات في وسط عمان – مليء بالقمصان التي تحمل رسائل ثورية. ولكن هذه رموز الثورة في مصر، تونس وحتى فلسطين. ولا كلمة عن الاردن. ويقدم الشوا نفسه كشخص شجاع يوجد "في الهامش السياسي" ولكنه يعترف بان في كل الاحوال لا أحد يشتري القمصان السياسية وهي فقط هنا لتعطي المحل صورة شابة وثائرة.

قبل اسبوعين دعا الملك ستة من المتظاهرين الذين اعتقلوا واحتجزوا في العزل على مدى ايام الى الغداء في قصره بعد الافراج عنهم. ووعدهم بان يعمل على تغيير الوضع. توجد خلافات كثيرة بين الاردنيين حول دور الملك: هناك من يرى فيه جهة منقطعة، يعيش معظم حياته خارج الاردن ويسمح لمحافل القوة الاخرى بان تدير الدولة.

في 23 كانون الثاني، غداة الانتخابات في اسرائيل، سيتوجه الاردنيون ايضا الى صناديق الاقتراع. ولا توجد في شوارع عمان اعلانات انتخابية بعد وأحد لا يعرف من هم المرشحون في المحافظات المختلفة، ولكن توجد نقطة شبه واحدة مع الوضع في اسرائيل: لا يهم كيف تتوزع المقاعد في البرلمان، معروف مسبقا من سيواصل الاحتفاظ بالسلطة.

في الاشهر الاولى من الربيع العربي، أعلن عبدالله في المقابلات الصحفية عن أنه ينوي ان ينفذ في الاردن ثورة دستورية في نهايتها تكون المملكة ديمقراطية برلمانية والاسرة المالكة يبقى لها دور تشريفي بمعظمه، مثلما في قسم من الديمقراطيات في غرب اوروبا. اما في الفترة الاخيرة فهو يجري مقابلات صحفية اقل ومقربوه يقولون انه لم يهجر التطلعات الديمقراطية ولكن "الحديث يدور عن مسيرة يجب أن تنفذ بحذر شديد وهي ستستغرق اجيالا".

ولكن، في السنة والنصف الاخيرتين عقد عبدالله حوارا مع جهات سياسية مختلفة، وادخلت عشرات التعديلات على الدستور الاردني بهدف زيادة قوة البرلمان. كما اجريت تعديلات طفيفة على عملية الانتخابات تضمنت ضمن امور اخرى انتخاب 20 في المائة من اعضاء البرلمان في قائمة قطرية، ومع ذلك، فان 80 في المائة من المقاعد لا تزال تنتخب بالطريقة اللوائية، التي تعطي اولوية واضحة للمناطق القروية قليلة السكان حيث تسكن اساسا القبائل البدوية، قاعدة الدعم التقليدي للاسرة المالكة.

ويشرح رجال الملك بانه لو جرى تغيير فوري لطريقة الانتخابات بأسرها، لمس الامر بكل الاحزاب الديمقراطية واتاح للاخوان المسلمين، الحزب الوحيد ذو البنية التنظيمية، تحقيق أغلبية في البرلمان. ولهذا فانهم يدعون بانه يجب اجراء التغييرات بالتدريج. فعبدالله يخشى ليس فقط من صعود الاسلاميين. بل ان عليه أن يوازن ايضا بين مطالب واحتياجات القبائل البدوية، السكان الفلسطينيين، الذين يشكلون عمليا اغلبية في الدولة، وسكان الاردن الاصليين.

البث الاذاعي للثورة

نائل العتبة، عامل في شركة بناء من اصل بدوي، يقول ان "الملك هو رجل طيب يحاول أن يفعل امورا طيبة، ولكنه محوط باناس فاسدين. أنا، كنصف اردني، لا أعتزم المشاركة في هذه الانتخابات لاني لا اعرف لمن اصوت. لننتظر الى ما بعد الانتخابات وسنرى اذا كان سيفعل احد ما شيئا نافعا فنصوت له في المرة التالية". في نظر العديد من الاردنيين فان الفساد اخطر بكثير من غياب الديمقراطية.

ايهاب مقصد، مدير شركة سياحة يقول ان "رجلا مسكينا يسرق عشرين دينارا يدخل الى السجن ولكن من يسرق الملايين من الاموال العامة لا يمسك ابدا وهو بنفسه جزء من السلطة". فلماذا لا تجري ثورة في الاردن؟ "لانه لا توجد قيادة ولاننا رأينا ما يحصل في سوريا وهذا غير مغري ابدا"، يقول.

حتى دون الثورة من الداخل، فالثورات لدى الجيران أضرت جدا بالاردن. فالتخريبات المتواصلة في خط الغاز الطبيعي من مصر، قطعت التوريد لاسرائيل ولكنها قطعته ايضا للاردن الذي يضطر الان لان يدفع خمسة اضعاف مقابل الوقود لمحطة توليد الطاقة لديه، ويرفع بعشرات في المائة السعر للمستهلك. وفقط من قطع الغاز فقد اقتصاد المملكة 5 مليار دولار وينبغي أن يضاف الى ذلك الضرر الذي لحق بالسياحة وبالاف الاعمال التجارية، الكبيرة والصغيرة، التي كانت تعيش على التجارة بين الاردن وسوريا. في الحكم الاردني يدعون بان التعاظم الآني للمظاهرات في الاشهر الاخيرة لم ينبع من مطلب الديمقراطية بل من جملة عوامل تضمنت رفع الاسعار والحملة الاسرائيلية في غزة.

وكان مخيم الزعتري للاجئين فتح قبل أقل من نصف سنة في شمالي الاردن للاجئين من سوريا. وتقوم فيه الان الاف الخيام والمقطورات الجديدة لاستيعاب اللاجئين المتدفقين من مناطق القتال في سوريا. "القدامى" في وسط المخيم اعتادوا على حياة الاقتلاع وفي الطريق المركزي في المخيم يوجد سوق يعج بالحياة يمكن الحصول فيه على كل شيء، من المنتجات الغذائية الاساسية وحتى اجهزة التلفزيون.

ويواصل لاجئو الحرب الاهلية في سوريا الحفاظ على اتصال مع الوطن ويطلعون على الاخبار من خلال الشبكات الاجتماعية. معظم الهواتف النقالة تلتقط سوريا وفي سوق المخيم اقيم ايضا "مقهى" يمكن فيه مشاهدة قناة التلفزيون للجيش السوري الحر.

ليس كل اللاجئين عالقون في المخيم. فنصف ساعة سفر من الزعتري ، في بلدة الرمثا الاردنية، يقف محمد قرب سيارته التجارية ويشاهد محطة الجمرك على مسافة مائة متر. في المرة الاخيرة مر فيها قبل اسبوعين عندما فر الى الاردن مع زوجته وثلاثة اطفاله. وهو يقول ان "الجيش لا يزال يسيطر على الطريق الى دمشق. وهم يوقفون السواقين على الطريق، يخرجونهم ويطلقون النار على بعض منهم. يبدو أنه توجد قوائم وأخشى أن يكون اسمي في القائمة".

ولكن في معبر الحدود التجارية يقظة. في سوريا، العديد من المصانع تواصل الانتاج وفي القرى يزرعون الفواكه والخضار والاردن هو السوق الاقرب. سائق يجلب البضاعة حتى الرمثا سيجد من يشتري ويدفع الثمن. محمد يلقي نظرة مرة اخرى الى حفنة الاوراق النقدية السورية المتقلصة. منذ بداية الثورة في سوريا في شباط 2011 فقدت الليرة السورية 60 في المائة من قيمتها. من جهة اخرى لما كان لا يمكن الدفع بعملة اخرى، لا تزال لها قيمة ما. ومع هذا المال يمكن لمحمد ان يعود الى الداخل، يعبىء الوقود ويحمل البضائ على السيارة. وسيكون له ما يعيل به عائلته بحيث لا يضطر الى أخذهم الى مخيم لاجئين.

ومثل الجميع، يتمنى محمد ايضا سقوط النظام في سوريا، ولكن اذا انتظر ذلك في الطرف الاردني من الحدود، فقد يجد نفسه مع كومة من الاوراق النقدية السورية عديمة القيمة تعلوها صورة حافظ الاسد. لعل الابن بشار يصمد بضعة ايام اخرى، ما يكفي من الوقت لعقد صفقة أخيرة.

 

انشر عبر