شريط الأخبار

الفلسطينيون إلى أين؟.. بقلم: هاني المصري

08:56 - 18 تموز / ديسمبر 2012

أحاديثٌ مثيرةٌ وتطوراتٌ مهمةٌ متلاحقةٌ تدلُ على أن القيادة الفلسطينيّة ومختلف القوى الفاعلة تكاد أن تُضيّع الفرصة الذهبيّة ببلورة استراتيجية جديدة، والبناء على صمود وانتصار المقاومة في غزة والحصول على الدولة المراقبة.

بدلًا من البناء على ما تحقق والإسراع في إنهاء الانقسام في سياق عمليّة متكاملة لإحياء القضيّة الوطنيّة عن طريق إعادة بناء الحركة الوطنيّة وإعادة تشكيل المنظّمة، بحيث تضم مختلف الأطياف الفلسطينيّة، وعلى أساس التصدي للتحديات والمخاطر الراهنة والمستقبليّة وأخذ العبر والدروس من التجارب السابقة والمعطيات الجديدة في فلسطين والمنطقة والعالم؛ استمعنا إلى أن القيادة الفلسطينيّة تستعد لإطلاق مبادرة لاستئناف المفاوضات، وكأنه لا يكفينا أكثر من عشرين عامًا من اللهاث وراءها، بالرغم من نتائجها الكارثيّة على كل المستويات والأصعدة. و"حماس" لا تزال منشغلةً في تعزيز سلطتها في غزة، والحصول على الاعتراف العربي والدولي بها، واعتبار ذلك الأولوية المطلقة لها، وهي لم تستكمل انتخاباتها التي طالت كثيرًا، أكثر مما ينبغي، بما يؤثر على دورها في مختلف الملفات، وخصوصًا ملف المصالحة. فهي اكتفت بالتكرار بأنها تريد المصالحة، وأن الكرة في ملعب "أبو مازن"، مع أن الكرة في متناول كل من يتحلى بالمسؤوليّة ويقوم بالمبادرة، التي يثبت فيها أنه يُعلي المصالح الوطنيّة على المصالح الفرديّة والفئويّة والفصائليّة.

وما يزيد الطين بلة، أن هناك تأجيلا لملف المصالحة على خلفيّة إعطاء الأولويّة لبذل الجهود الرامية إلى استئناف المفاوضات الفلسطينيّة الإسرائيليّة في الأردن في شباط المقبل، أي مباشرة بعد الانتخابات الإسرائيليّة، وقد تسارع إلى الأخذ بنصيحة دينيس روس بأن يتم استئناف المفاوضات فورًا من دون انتظار الانتخابات الإسرائيليّة، وهو - حتى لا ننسى- صاحب نظريّة إدارة الصراع وليس حله، والمهم أن تكون هناك "عمليّة سلام" من دون سلام.

ولم يقتصر الأمر على ما تقدم، بل تم طرح فكرة الكونفدراليّة في سوق التداول السياسيّ، وبالرغم من النفي الرسميّ الفلسطينيّ والأردنيّ، إلا أنّ مصادرَ موثوقةً أكدت أنّها فكرة طُرِحَت لجسّ النبض، ويبدو أنها نوع من الهرب إلى الأمام، ومحاولةً يائسةً لإحياء الجهود لما يسمى "عمليّة السلام"، والاستعداد للمرحلة القادمة التي من أبرز عناوينها: محاولاتٌ محمومةٌ لإعادة رسم خارطة الشرق الأوسط؛ لإيجاد شرق أوسط جديد، ليس اعتمادًا على مخططات خارجيّة فقط، مثلما كان الأمر سابقًا، وإنما في إطار مساعٍ حثيثةٍ لتوظيف المتغيرات والثورات العربيّة المشروعة والضروريّة إلى عكس ما تهدف إليه تمامًا.

طَرْحُ فكرة الكونفدراليّة الآن هي محاولةٌ لتقوية أطراف تخشى من صعود الإخوان المسلمين في المنطقة، تحت راية المشروع السني، الذي يشمل: مصر، وتركيا، وقطر، وغيرها من الدول، في مواجهة محور إيراني شيعي، يضم: إيران، والعراق، وسورية تحت حكم الأسد، وبعض لبنان.

إن ما منع تحقيق الكونفدراليّة في السابق قادرٌ على منعها الآن بصورة أكبر، وهي أنّ إقامةَ الدولة الفلسطينيّة مرفوض تمامًا من إسرائيل، بصرف النظر، سواء ضمن إطار مستقل، أو ضمن صيغة مع الأردن، وبالتالي فالدولة ليست على مرمى حجر وفق الوهم الشائع المستمر برغم الخبرات المستمرة، وهذا يجعل التّلهّي بالكونفدراليّة أقصر طريق للفتنة بين الفلسطينيين والأردنيين، وبين الأردنيين والأردنيين من أصل فلسطيني، ومن دون أن يقربنا ذلك من إنهاء الاحتلال ولا من إقامة الدولة.

المطلوب سحب هذة الفكرة فورًا، لأنها يمكن أن تدفع الأردن إلى التّهْلُكة. فالبحث في الكونفدراليّة أو غيرها من الصيغ يبدأ فقط بعد إنهاء الاحتلال، لأن البحث فيها الآن يعفي الاحتلال من المسؤوليّة، ويكرر إظهار المشكلة وكأنها عند الأطراف العربيّة: تارة لأنهم يريدون تدمير إسرائيل وإلقاء اليهود في البحر؛ وتارة أخرى، لأنهم لا يؤمنون سوى بالعنف ويعارضون الطرق السلميّة والمفاوضات، وعندما تنازلوا عن جزء كبير من حقوقهم واشتركوا في ما يسمى "عمليّة سلام" وجدوا أنفسهم في دوامة لا تنتهي من التنازلات، وكلما قدموا تنازلًا يقال لهم هل من مزيد.

فبعد الاعتراف بإسرائيل من دون اعترافها بالحد الأدنى من الحقوق الفلسطينيّة، ووقف المقاومة، وملاحقة المقاومين، وتقديم مبادرة السلام العربيّة؛ دخلنا في مرحلة تغيير قيادة ياسر عرفات. وبعد اغتياله، بدأنا مرحلة إثبات الجدارة وبناء المؤسسات، وكأن الضحيّة هي المسؤولة عن استمرار الاحتلال. وعندما استنفذت خطة بناء المؤسسات نفسها يتم بعث فكرة المفاوضات وفكرة الكونفدراليّة لإشغالنا بقضايا أخرى، بعيدًا عما يجب أن ننشغل فيه، وهو تجميع كل عناصر القوة والضغط الفلسطينيّة والعربيّة والدوليّة الكفيلة بتغيير ميزان القوى، وإيجاد ميزان قوى جديد يجعل الاحتلال يَخْسَرُ ومُكْلِفًا لإسرائيل. عندها فقط يمكن دحر الاحتلال وإقامة دولة فلسطينيّة، أما العودة إلى دوامة المفاوضات العبثيّة من دون أوراق قوة وفي ظل الانقسام فليس مجرد خطأ، وإنما خطيئةٌ لا تغتفر.

هناك طريق، وإذا توفرت الإرادة للسير فيه، يمكن تغيير الواقع الكارثي الذي نعيشه، وجعل الانتصارات التي تحققت في غزة والأمم المتحدة نعمةً لا نقمةً.

إن دعوة سلام فياض المفاجئة لمقاطعة البضائع الإسرائيليّة يمكن أن تكون جزءًا من الإستراتيجيّة المطلوبة، مثلها مثل الدعوة الجماعيّة للمقاومة الشعبيّة، والمقاطعة الشاملة لإسرائيل على كل المستويات والمحافل المحليّة والإقليميّة والعربيّة والدوليّة، وملاحقتها على جرائمها القديمة والجديدة لعزلها، وفرض العقوبات عليها؛ إذا كانت جدية وليست مجرد شعارات للاستهلاك المحلي، ولا ردود أفعال مؤقتة على إجراءات احتلالية أو سياسات إسرائيليّة سرعان ما تندثر، بينما تبقى الحقائق الاحتلاليّة والاستيطانيّة والعنصريّة ماثلة وتتعاظم باستمرار. فالمطلوب وضع خطط إستراتيجيّة تهدف إلى وضع كل طاقات وثروات وكفاءات وإمكانيات الفلسطينيين في مجرى الكفاح لإنهاء الاحتلال وتحقيق الحريّة والعودة والاستقلال. فالمقاومة تزرع، والتحرك السياسي يحصد، ومن لا يزرع لا يحصد.

مخيم اليرموك تحت النار .. وأسرى فلسطينيون في سجون العراق

لا يمكن إنهاء هذا المقال من دون إدانة قصف مواقع في مخيم اليرموك بالطائرات الحربية السوريّة، فلا شيء يبرر استهداف المدنيين، وعلى النظام السوري وكل الأطراف السوريّة أن تجعل الفلسطينيين في سورية بمنأى عن الحرب الداخليّة، وعلى القيادة الفلسطينيّة أن تتحمل مسؤولياتها في حماية الفلسطينيين، وإدانة الأطراف التي تريد تقديمهم وقودًا للأزمة التي تشهدها سورية.

أطالب بالتحقيق في المعلومات التي تفيد بأن هناك أكثر من 400 معتقل فلسطيني في العراق، إضافة إلى مئات الآلاف من المعتقلين العراقيين، ومع ذلك يتم عقد مؤتمر لنصرة الأسرى الفلسطينيين في السجون الإسرائيليّة من دون ضمان حتى إطلاق سراح المعتقلين الفلسطينيين في العراق.

انشر عبر