شريط الأخبار

منقسمة ونازفة مصر تتوجه الى صناديق الاقتراع.. هآرتس

12:24 - 14 تموز / ديسمبر 2012

بقلم: تسفي بارئيل

(المضمون: الخلافات والمناوشات، بعضها عنيف، والتي ثارت في مصر في الاسابيع الماضية تشهد على أن قلب الصراع يرمي الى منع الثورة من أن تكون فقط انقلابا محبطا – انقلابا يحول النظام من ديمقراطي الى نظام ديني - المصدر).

"اجتزنا المرحلة التي قالوا فيها عن حركة الاحتجاج "فليتسلوا قليلا"، الى المرحلة التي قالوا لنا فيها "قوتنا في وحدتنا"، ومنها الى المرحلة التي قالوا لنا فيها "موتوا في غضبكم"، هكذا شرح وائل غنيم، زعيم "قسم الانترنت" في الثورة المصرية. ويتناول غنيم في وصفه القصير الفترة الاولى التي اعتقد فيها الرئيس حسني  مبارك بان الثورة غير موجودة حقا وأن المتظاهرين لا يريدون سوى التنفيس. "دعوهم يتسلون"، قال لمساعديه.

ولكن في غضون ايام تبين أن التسلية كلفته حكمة. فقد استولى الجيش على الحكم وسار كتفا بكتف مع المتظاهرين، "قوتنا في وحدتنا"، قال المتظاهرون، "الجيش والشعب – يد واحدة".

وها هي الان تخشى حركات الاحتجاج من أن تكون الثورة سرقت منها. فاصرار الرئيس محمد مرسي، حتى ما قبل بضعة ايام، على عدم تغيير اعلاناته الرئاسية، التي أثارت عاصفة هائلة، يعتبر لدى المحتجين بصقة في الوجه، وكأن الحكم الجديد يبلغهم بان "موتوا في غضبكم"، فنحن لا يهمنا.

ولكن كان هذا يهم مرسي جدا. فميدان التحرير ليس اللامكان، بل مركز البرلمان الجماهيري. ولم يتبقَ لمرسي بديل غير الطاعة، والغاء القرارات الرئاسية، والاعلان عن استفتاء شعبي وتسريع صياغة الدستور. وهكذا اعتقد، سيأتي الهدوء الى مصر. وبالاساس، فان الجيش لن يستدعى مرة اخرى للتدخل في صالح المتظاهرين.

غدا، عندما تبدأ المرحلة الاولى من مرحلتين في الاستفتاء الشعبي، سيتبين اذا ما وكم نجح مرسي في اقناع المعارضة بالتعاون مع الخطوة الدستورية التي اقترحها.

مجرد صياغة الدستور قبل الانتخابات للبرلمان كان تنازلا حقيقيا من الاخوان المسلمين، الذين طالبوا باجراء الانتخابات قبل صياغة الدستور، انطلاقا من التقدير بان الانتخابات ستمنحهم قوة كبيرة في البرلمان، اكبر حتى من الانتخابات السابقة (التي رفضتها المحكمة الدستوية)، ومن خلالها يمكنهم أن يتحكموا ايضا بعملية صياغة الدستور. اما الان فسيضطر الاخوان الى انتظار نتائج الاستفتاء والعمل حسب دستور لا يلبي كل طموحاتهم الايديولوجية.

ولكن في هذه الخطوة التاريخية تكمن عدة ألغام قابلة للانفجار من شأنها أن تمس بشرعية الاستفتاء وبقدرة مرسي على الاعلان عن بدء الانتخابات للبرلمان. بعض من حركات المعارضة تعارض بالقطع اجراء الاستفتاء. أكبرها هي "جبهة الانقاذ الوطني"، بزعامة عمرو موسى، حمدين صباحي ومحمد البرادعي. وهم يطالبون بان يجري اولا نقاش مفصل لكل مواد الدستور، كي تعرض على الجمهور صيغة متفق عليها. ولكن هذه ليست جبهة موحدة. فبعض المعارضين يقترحون المشاركة في الاستفتاء على أن يتم التصويت بالرفض وهكذا منح قوة جماهيرية لرفض مسودة الدستور.

بعض من الحركات السلفية تؤيد اجراء الاستفتاء ومواد الدستور. مقابلها، حركات سلفية راديكالية أو جهادية تقول انه لا يجب المشاركة في الاستفتاء أو التصويت على الدستور لانه "يقدس افعال الانسان وليس حكم الله". ويؤيد الاخوان المسلمون بالطبع سواء الاستفتاء أم الدستور، ولكنهم يخشون من انه اذا كانت نسبة المشاركة في الاستفتاء منخفضة، فسيقلل هذا من شرعيته. هذا الامر من شأنه أن يؤثر على نتائج الانتخابات المستقبلية للبرلمان.

على مسافة مناسبة من الاطراف وقف الجيش، الذي ألمح هذا الاسبوع برقة شديدة بان من الافضل للاطراف أن يتوصلوا الى التوافق، دون أن يحدد موقفا من الاستفتاء. وزير الدفاع المصري، عبدالفتاح السيسي، دعا اليه زعماء المعارضة كي يقنعهم بتلطيف حدة مواقفهم، ولكن الدعوة الغيت في النهاية. فقد فهم الجيش بان مجرد وجود حوار سياسي سيثير عليه حركات الائتلاف، التي سترى في ذلك تدخلا في السياسة. في البداية نفى الناطقون بلسان الجيش ان تكون مثل هذه الدعوة قد صدرت على الاطلاق، ولكن أمس أوضح نائب وزير الدفاع، الجنرال محمد العصار، بان وزير الدفاع لم يقصد ان يدير بنفسه حوارا وطنيا، وان المبادرة جاءت كجزء من فهمه بان "مصر هي عائلة واحدة، وانطلاقا من محبة الامة". ومع الغاء الدعوة تبدد أيضا أمل المعارضة في تجنيد الجيش الى جانبها.

معارضة اخرى هي عقد الاستفتاء على مرحلتين. هذا القرار ينبع من النقص في القضاة الذين سيشرفون على الاستفتاء، في ضوء قرار الكثير من اعضاء نادي القضاة عدم الاشراف عليه بسبب سلوك مرسي وقراراته الرئاسية الشهر الماضي. وبزعم المعارضين، فان نتائج المرحلة الاولى قد تؤثر على نتائج المرحلة الثانية.

ويبقى مضمون الدستور المقترح موضع خلاف، ولا سيما المواد المتعلقة بمكانة الشريعة الاسلامية بصفتها المصدر الاساس للتشريع، صلاحيات الرئيس، البنود المتعلقة بحرية التعبير، ومكانة المرأة.

ومن أجل التغلب على هذا الخلاف شكل مرسي لجنة خاصة للبحث في المواد موضع الخلاف. وغايتها اعادة صياغة التعديلات على الدستور. لجنة "الحوار الوطني" برئاسة رجل القضاء سليم العوا، وبمشاركة مندوبين عن عدة حركات معارضة (دون جبهة الانقاذ الوطني) عقدت أمس جولة ثالثة من المباحثات للوصول الى اتفاق قبل اجراء الاستفتاء.

الصياغات المعدلة المتحققة لن تعرض على الجمهور بل ستنقل للتصويت عليها في البرلمان، والحركات المشاركة في المداولات تتعهد بان تصوت في صالحها في احدى الجلسات الاولى للبرلمان.

اذا ما اقر الدستور في الاستفتاء، فسيعلن الرئيس مرسي عن موعد قريب للانتخابات البرلمانية. وهكذا تكتمل المرحلة الرسمية من الثورة التي بدأت قبل نحو سنتين. اذا ما رفض الجمهور المصري الدستور، فسيضطر مرسي الى تشكيل لجنة جديدة لصياغة الدستور ويؤخر بعدة اشهر طويلة هذه الانتخابات.

ولكن القسم الرسمي لا يعد بهدوء في مصر. فعندما تبدأ سياقات التشريع، سيقف البرلمان الجديد ورئيس الدولة مرة اخرى امام برلمان موازٍ في ميدان التحرير وفي شوارع المدن. وذلك لان تيارات عديدة في مصر، سواء في الجانب الليبرالي، العلماني او القبطي أم من الجانب السلفي الراديكالي، قد يناكفون الواحد الاخر ولا يكتفون بالصراع البرلماني، ولا سيما اذا كانت نتائج الانتخابات للبرلمان خلقت أغلبية لواحد من التيارات الرئيسة.

الخلافات والمناوشات، بعضها عنيف، والتي ثارت في مصر في الاسابيع الماضية تشهد على أن قلب الصراع يرمي الى منع الثورة من أن تكون فقط انقلابا محبطا – انقلابا يحول النظام من ديمقراطي الى نظام ديني.

انشر عبر