شريط الأخبار

العودة الى العصر الحجري .. معاريف

12:21 - 14 حزيران / ديسمبر 2012

بقلم: عمير ربابورت

(المضمون: الهدوء في غزة والاعتراف بحماس كصاحبة السيادة في غزة، رفع مستوى العنف في الضفة وفرض تحديا على السلطة – المصدر).

مثلما في كل مجال تقريبا، في مستوى العنف في الساحة الفلسطينية يعمل، من ناحية اسرائيل، قانون الاواني المستطرقة: فالهدوء الذي ساد حول قطاع غزة أدى الى ارتفاع مستوى العنف في أرجاء يهودا والسامرة، وليس مجرد العنف: ففي الجيش والمخابرات الاسرائيلية باتوا يتعاملون مع الواقع الناشيء في يهودا والسامرة بصفته عهدا أمنيا جديدا. الهدوء شبه المطلق الذي تميزت به السنوات 2008 – 2012 بات في مصاف التاريخ.

وكي نفهم الواقع الجديد تجدر الاشارة الى حقيقة لم تحظى بنقاش جماهيري هام، ومشكوك أن يكون حتى واحد في المائة من الجمهور الغفير واعٍ لها: لقد اتخذت اسرائيل في اثناء حملة "عمود السحاب" قرارا ذا معنى تاريخي – الاعتراف بحماس بصفتها صاحبة السيادة الكاملة في قطاع غزة. ومع أنه قبل ذلك تعاطت اسرائيل مع حماس بصفتها المسؤولة عن كل ما يحصل في قطاع غزة، ولكنها حرصت، من الناحية الرمزية على الاقل، على كرامة السلطة الفلسطينية برئاسة محمود عباس (ابو مازن).

وأشرك المصريون السلطة في المفاوضات التي جرت على وقف النار في اعقاب جولات القتال السابقة مثلما حدث في "رصاص مصبوب" في 2009. ولكن هذا كان في عصر الرئيس حسني مبارك. اما الحاكم الحالي، رجل الاخوان المسلمين، محمد مرسي، فلم يحصي ابو مازن،  ولا ملك الاردن عبدالله ايضا.

وبالاعتراف بحماس، كحاكم بكل معنى الكلمة في غزة يوجد منطق معين من ناحية اسرائيل. كصاحب السيادة، فان ثمن خسارة حماس في جولات القتال مع اسرائيل هو ثمن أعلى، وحسب هذا المنطق فقد منحت اسرائيل حماس انجازات بعيدة الاثر في اطار المفاوضات بوساطة مصرية: فور وقف النار ألغت القاطع الحدودي بعرض 300 متر جنوبي الجدار المحيط بقطاع غزة والذي كان الدخول اليه محظورا منذ نهاية حملة "رصاص مصبوب". كما وافقت على تخفيف الحصار بل ووسعت مدى الصيد على شواطيء القطاع.

يفهمون لغة القوة فقط

اذا راجعنا فقط الاثار التكتيكية للاعتراف بحماس، فان نجاح الخطوة ونجاح "عمود السحاب" يكون باعثا على الدوار. فبعد ساعة من انهاء الحملة وحتى نهاية هذا الاسبوع لم تطلق من غزة على اسرائيل حتى ولا رصاصة بندقية واحدة. وذلك رغم أن قوات الجيش الاسرائيلي قتلت غزيين اثنين حاولا الهجوم على الجدار واصابت بضعة مشاغبين آخرين. وفي الاسبوعين الاخيرين أخذت حماس زمام القيادة التامة وأوقفت ايضا المظاهرات، وقواتها تحمل العصي فقط.

في قسم العمليات في الجيش الاسرائيلي يقارنون بين المعطيات التي جمعت في الاسابيع الثلاثة الماضية منذ نهاية "عمود السحاب" وبين المعطيات في الاسابيع الاولى بعد "رصاص مصبوب"، حين اطلقت قذائف هاون بل وصواريخ من قطاع غزة بوتيرة 2 – 3 احداث في الاسبوع. هذه الوتيرة انطفأت الى أن بدأت معركة تصعيد جديدة. الضباط الذين يجمعون المعطيات يجدون صعوبة في التصديق بان الهدوء في الجنوب منذ "عمود السحاب" هو هدوء مطلق.

المشكلة هي ان الانجاز الحالي من شأنه أن يكلف الثمن بمصيبة استراتيجية على مدى الزمن. ومن غير المستبعد ان تحاول حماس والجهاد الاسلامي مرة اخر التسلح بسلاح يصل الى تل ابيب وشمالها كي تملأ مخازنها من جديد. ولكن اخطر من التسلح المستبقلي لحماس والجهاد هي حقيقة أن فتح في يهودا والسامرة تلقت من حماس ضربة قاضية.

سيكون من المبسط الادعاء بان العنف يتصاعد مرة اخرى في الاسابيع الاخيرة في المناطق لان اسرائيل لم تجري مفاوضات سياسية مع السلطة الفلسطينية في السنوات الاخيرة او لان نتائج حملة "عمود السحاب" حطمت الردع. ولكن لهذين العاملين توجد مساهمة حاسمة في الوضع الجديد الناشيء على الارض.

نبدأ بالموضوع السياسي. الجمود أدى بالتأكيد الى احباط شديد في الشارع الفلسطيني. حقيقة ان التوقعات لدولة فلسطينية تعترف بها الامم المتحدة مثل ايلول 2011 خابت، يضاف اليها احتجاج أصيل على الوضع الاقتصادي وغلاء المعيشة، مما ضغط على ابو مازن لاتخاذ خطوة التوجه الى الامم المتحدة في 29 تشرين الثاني هذا العام كي يحصل على الاعتراف بدولة مراقبة.

ابو مازن لم يقد فقط الخطوة السياسية الناجحة من ناحته، بل بدأ يستخدم في خطاباته عبارات "الكفاح الشعبي" وخطب على منصة في قلب رام الله بعد هذا الاعتراف حين كان مئات الفلسطينيين يهتفون: مليون شهيد الى القدس. لم يسبق لابو مازن أن ظهر مشابها لعرفات حتى تلك المظاهرة.

الجدال التاريخي بين من يدعي بان الرئيس المؤسس للسلطة الفلسطينية ياسر عرفات بادر الى الانتفاضة الثانية بعد زيارة ارئيل شارون الى الحرم في ايلول 2000 وبين من يعتقد بان عرفات مجرد ركب عليها – لا يبدو أنه سيحسم ابدا. ولكن بالنسبة لابو مازن الحالة أكثر بساطة: رغم الخطاب في رام الله، في جهاز الامن الاسرائيلي لا يزال يسود توافق في الرأي بان تمسكه بالطريق السياسي هو تمسك أصيل. ابو مازن ليس زعيم انتفاضات. ونموذجه يشبه الخليط من بن غوريون وحاييم وايزمن. المشكلة هي أن جمهوره مقتنع جدا بان طريق الصراع هو الصحيح وأن "اليهود لا يفهمون الا لغة القوة". نحن من جهتنا، نساعد الفلسطيني من الشارع على التوصل الى هذا الاستنتاج.

في كل الاحوال، من ناحية ابو مازن، فانه حمس الجماهير قليلا وقرب اليه رئيس الامن الوقائي السابق، المتقاعد جبريل الرجوب، الذي من جهته بادر الى مسيرات احتجاج ضد الاحتلال على خلفية الاعتراف في الامم المتحدة. متقاعد آخر أجرى عودة في حماسة الجماهير هو رئيس بلدية نابلس الاسبق، بسام الشكعة، الذي يقال في صالحه انه عارض على طول الطريق اتفاقات اوسلو.

على خلفية رغبة السلطة الفلسطينية في ايقاظ الشارع، وعلى خلفية محادثات المصالحة بين فتح وحماس، توقفت اعتقالات رجال حماس في الضفة في ذروة حملة "عمود السحاب". وهذا الاسبوع ايضا لم يسجل نشاط هام لقوات الامن الفلسطينية ضد حماس.

ويوجد قادة جهاز الامن الفلسطيني في شرك شديد: انجازات حماس في غزة مست بشدة بمكانتهم. والكثيرون في الشارع باتوا يشبهون هذه القوات بقوات جيش لبنان الجنوبي سيئة الصيت والسمعة في نظر العرب. ويؤثر الضغط من الشارع اساسا على المستويات الميدانية وأدى الى أحداث شارك فيها رجال قوات الامن الفلسطينية في الخليل، في طولكرم وفي جنين.

هذا الاسبوع بدت مؤشرات على أن السلطة الفلسطينية تحاول وقف العنف الناشيء والتحكم بمستوى اللهيب. ولكن سلسلة من الاحداث في كل ارجاء الضفة تثبت بانه لن يكون سهلا اعادة الجنّي الى القمقم، اذا كانت على الاطلاق محاولة الى اعادة الوضع الى سابق عهده.

انشر عبر