شريط الأخبار

انتصار غزة والتحديات المستجدة ..عوني فرسخ

03:20 - 13 تموز / ديسمبر 2012

شهد قطاع غزة خلال الاسبوع التالي لانتصاره العسكري جملة مواقف وتصريحات تدعو للقلق على حاضر ومستقبل الحراك الوطني الفلسطيني ما يستدعي وقفة تنبه الغارقين في عسل الاحتفال بنصر في الافق نذر اجهاضه كما اجهض اكثر من نصر عسكري وسياسي عربي قبله.

وسبق لنا القول في تناولنا الانتصار في 'حرب الايام الثمانية' أن الادارة الامريكية واداتها الصهيونية لن تسكتا على انتصار افشل استعادة آلة الحرب الصهيونية قوة ردعها. والذي يبدو ان ما سبق وحذرنا منه قد جاء مبكرا إذ تناقلت وكالات الانباء ان حكومة نتنياهو اعلنت عدم سماحها لامين عام 'الجهاد الاسلامي' ونائبه من دخول القطاع في مخالفة صارخة لتفاهمات 'التهدئة ' التي تضمنت الاتفاق على عدم التعرض لقادة وكوادر فصائل المقاومة في القطاع. فضلا عن ان منعهما من العودة للقطاع عدوان على حقهما المشروع بموجب الاعلان العالمي لحقوق الانسان ' الذي ينص في المادة (13) منه على حق الانسان بمغادرة اي بلد، بما في ذلك بلده، والعودة اليه بحرية تامة. ورمضان عبدالله شلح من مواليد غزة وحقه مشروع بالعودة اليها.

والذي يبدو ان نتنياهو بانذاره امين عام الجهاد الاسلامي ونائبه يحاول اعطاء انطباع بان اسرائيل لما تزل القوة الاقليمية القادرة على فرض ارادتها، سعيا لتعزيز موقف حزبه في الانتخابات المقبلة بعد أن بات الفشل في 'حرب الايام الثمانية' يهدد مستقبل حزبه الانتخابي. ولقد اعتاد صناع القرار الصهيوني العدوان على جوارهم العربي كلما تفاقمت حدة مشكلاتهم وبرغم ما اظهره قطاع غزة من قدرات لم تفاجىء العدو الصهيوني وحده وانما العالم اجمع، إلا انه لما يزل الاكثر عرضة بان يستهدف بالعدوان الصهيوني مستقبلا، كما يذهب الى ذلك اكثر من محلل سياسي.

والذي جرى الاتفاق عليه في تفاهمات 'التهدئة' ان يكون النظام المصري ضامنا لها. غير أن هذا الضامن كان مجرد ناقل للانذار الصهيوني بعدم السماح لامين عام الجهاد الاسلامي ونائبه بدخول قطاع غزة. ما فيه الدلالة على ان حكومة الرئيس محمد مرسي يتقدم عندها الالتزام باشتراطات معاهدة 'كامب ديفيد' على اي التزام او واجب آخر عربي كان او اسلامي، بما في ذلك توفير أمن المجاهدين صادقي الالتزام بالمقاومة خيارا استراتيجيا لتحرير القدس والمسجد الاقصى، اولى القبلتين وثالث الحرمين ومسرى الرسول عليه السلام ومعراجه، كما هي حال أمين عام حركة الجهاد الاسلامي ونائبه.

ولقد كان مستغربا، بل ومستهجنا، عدم تضامن رئيس المكتب السياسي لحماس خالد مشعل مع امين عام حركة الجهاد الاسلامي، ولما تمض ايام على شراكة حماس والجهاد في التصدي للعدوان الصهيوني. وقد كان حريا بابي الوليد الامتناع عن دخول قطاع غزة دون رفيقيه قائدي الجهاد الاسلامي إن لم يشاركها دخول القطاع في سيارة واحدة تحديا لقرار نتنياهو بمنعهما من الدخول. وفي حكم المؤكد ان الادارة الامريكية ما كانت لتسمح بالمساس برئيس المكتب السياسي لحماس حرصا منها على الصفقة التي عقدتها مع 'جماعة الاخوان المسلمين' وصيرورة الجماعة موضوع رهانها على تأمين المصالح الامريكية في عموم الوطن العربي والعالم الاسلامي. وفي مقدمة تلك المصالح 'امن' اسرائيل.

ولم يعد خافيا انه غلب في أوساط 'حماس' الالتزام بمبدأ 'السمع والطاعة' الاخواني. وبالتالي يتقدم عندها، قادة وقواعد، الالتزام العقائدي الاسلاموي على ما عرفت به منذ انشأها الشهيد الشيخ احمد ياسين من التزام وطني بالمقاومة خيارا استراتيجيا. والآن وقد تم التخلي عن هذا الخيار، كما تدل على ذلك تحركات خالد مشعل الاخيرة، فقد غدت 'حماس' اقرب الى نهج 'فتح' باعتماد 'المفاوضات' العبثية وماتنطوي عليه من تنازلات مجانية، منها الى حركة 'الجهاد الاسلامي' التي لما تزل ملتزمة بخيار المقاومة، بدليل اعلانها انها لم تعد ملتزمة بتفاهمات 'التهدئة' كما اعلن عضوها القيادي خالد البطش. وعلى ذلك فالمرجح عندنا ان المصالحة التي اكد عليها خالد مشعل في مهرجان استقباله لن ترقى الى مستوى اقامة 'وحدة وطنية' ملتزمة بالتحرير والعودة واعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية لتكون اداة تحرير وليس تمرير ما أسس له محمود عباس منذ العام 1977 من اسقاط خيار المقاومة والتعويل على محاولة كسب الرضى الامريكي والقبول الصهيوني.

وصحيح ان التبدل الكيفي في خيار 'حماس' خسارة مؤكدة لقوى الممانعة والمقاومة العربية عامة والفلسطينية منها خاصة. غير ان ذلك، على اهميته وخطورته، لن يعطل مسيرة شعب تمرس في الصعاب ولم تنل منه الصعاب. إذ على مدى تاريخ ممانعة ومقاومة الشعب العربي الفلسطيني توالى سقوط الحركات والقيادات قصيرة النفس في النضال، كما توالى صعود قيادات وحركات اكثر جذرية من تلك التي سقطت. ذلك لان الشعب العربي الفلسطيني لا يملك ترف القعود عن مقاومة عدو عنصري اجلائي ملتزم عقائديا بما سبق ان قاله قائده الاستراتيجي 'بن غوريون' في مطلع ثلاثينات القرن العشرين. 'لا تتعبوا انفسكم ليس هناك حل، الارض واحدة وطالب الارض اثنان، ولا بد أن تكون لواحد منهما، ولا بد ان يكون هذا الواحد الشعب اليهودي، وعليه بكل وسيلة ممكنة: بالحرب او بالسياسة، أو حتى بالخديعة، ان يحمل الطرف الاخر على التنازل عن مطلبه'.

ولأن التنازل الفلسطيني الذي تحدث عنه بن غوريون لم يتحقق يظل التحدي الصهيوني المدعوم امريكيا واوروبيا محفزا لتراث الشعب العربي الفلسطيني في الممانعة والمقاومة بما في ذلك ما تشهده الضفة المحتلة من حراك شبابي اسبوعي ضد جدار العزل العنصري، والتصدي الشجاع لالة الحرب الصهيونية. وما هو جدير بالتذكير به ان الخط البياني للممانعة والمقاومة العربية في صعود منذ بداية 'حرب الاستنزاف' التي باشرتها مصر بقيادة عبدالناصر في الاسابيع التالية لنكسة 1967. وبالمقابل لم يسر الزمن لصالح الكيان الصهيوني منذ خسارته 'حرب الاستنزاف' كما صرح بذلك هيرتزوج، رئيس الكنيست الاسبق. فضلا عن أن اسرائيل لم تعد كنزا استراتيجيا لرعاتها على جانبي الاطلسي بقدر ما غدت عبئا تاريخيا عليهم، بعد ان شلت المقاومة ذراعها الطويلة وغدت عاجزة من ترحيل تفاقم ازماتها بالعدوان خارج ما تحتله من الارض العربية في فلسطين. ويقينا ان مواطني قطاع الممانعة والصمود التاريخي قادرون على تجديد انتصاره المبهر برغم المستجدات المقلقة.

انشر عبر