شريط الأخبار

الهرب حكمة احيانا -هآرتس

12:01 - 13 حزيران / ديسمبر 2012

بقلم: جدعون ليفي

        (المضمون: ان صور جنود الجيش الاسرائيلي وهم يلوذون بالفرار في الخليل وقدوم من رُماة الحجارة الفلسطينيين ويمتنعون عن اطلاق النار هي صور يجب ان يفخر بها الجيش الاسرائيلي والاسرائيليون - المصدر).

        لم تهدأ بعد الفضيحة الصغيرة الدورية: فقد وثقت كاميرات فلسطينية جنود الجيش الاسرائيلي وقد لاذوا بالفرار في الخليل وكفر قدوم. وصاحبت جميع الأمزجة الاسرائيلية المميزة هذه القضية فكان الحديث عن "العار" الذي سببه الجنود و"انجاز" الفلسطينيين و"فقدان قوة ردع" الجيش الاسرائيلي و"خوف" كل جندي من تحقيقات الشرطة العسكرية و"الضرر" الذي ستسببه القضية. أي كل الرجولية الاسرائيلية المضروبة والمُذلة كما في قشرة جوز. صحيح انه ليس من الطيب ان نرى جنودا يختبئون في ملحمة في الخليل، وبين فواكه معلقة في تعاليق، فهو مشهد ما كان يستطيع أي مخرج ان يفكر في أنجح منه.

        لكنه كان يجب ألا يطيب أكثر للاسرائيليين لو انه قُتل مرة اخرى من اجلهم بضعة اولاد من رُماة الحجارة. كان يجب على مجتمع سوي ان يفخر خصوصا بجنود لم يطلقوا النار ولم يقتلوا، من اجل التغيير. لكن لا أحد تقريبا قال ذلك. وكان يُخيل إلينا للحظة ان الاسرائيليين قد رأوا في خيالهم جميع العرب يطردوننا الى البحر كالجنود في قدوم.

        جلس في المنتديات في التلفاز عُقداء متقاعدون من قدماء الاحتلال وأثاروا ذكريات لذيذة تُبين كيف لم يكن يحدث هذا على عهدهم. قد تكون هذه يد القَدَر وربما يجري تغيير حقا على الجيش الاسرائيلي – بعد "عمود السحاب" التي لوحظ فيها جهد لمنع قتل بالجملة، ربما أصبح الحديث بعدها عن سياسة جديدة، سياسة "احتواء". اذا كان الامر كذلك فالحديث عن علامة مشجعة على نضج الجيش وحكمته أكثر تأثيرا من التعطش الى الدم عند عدد من الساسة الذين حاولوا ان يُهيجوا الغرائز مرة اخرى. وقد قال أحدهم وهو بطل الحروب افيغدور ليبرمان بلغة شديدة: "هرب الجنود لأنهم يخشون من التحقيقات".

        هذه القضية مشحونة بما لا يحصى من تشويه الواقع. فلم يسأل أحد ما الذي فعله الجنود هناك ولماذا توغلوا في الخليل الفلسطينية وما الذي يبحثون عنه في قدوم. انه "اخلال بالنظام"، بالطبع. والنظام هو الاحتلال والاخلال به هو المقاومة هذا ما علمونا إياه. لكن ربما يمكن ايضا ان نقول لأنفسنا الحقيقة مرة واحدة وهي ان الاحتلال هو أبو الاخلال بالنظام. فالجنود الذين يتوغلون في مدينة انسحبت اسرائيل منها رسميا أو في قرية فلسطينية نائية مُخلون بالنظام.

        كذلك فان أمر الخوف من تحقيقات الشرطة العسكرية ليس أكثر من فكاهة غثة. فكل جندي يعلم انه لا احتمال تقريبا لأن يحدث له سوء اذا أطلق النار على من يرمي حجارة وقتله. فقبل سنة قتلوا مصطفى التميمي في النبي صالح ولم ينته الى اليوم التحقيق المتكلف.

        ان الجيش الاسرائيلي يحقق منذ نيسان 2011 في كل حالة قتل في الضفة لكنه حتى ذلك الحين توجهت منظمة "بتسيلم" طالبة التحقيق في 304 حالات قتل، وبدأ الجيش الاسرائيلي التحقيق في 73 منها فقط. وأفضت 9 حالات فقط الى لوائح اتهام. وليس هذا في الحقيقة شيئا يجب ان يخيف الجنود برغم كل حملة "محامي لكل جندي". ومثل ذلك ايضا فرية ان الجنود كانوا في خطر وقد تبين أنها ليست حقيقية.

        لم يطلقوا النار في الخليل وقدوم ومع كل ذلك لم يُصب أحد منهم إلا اصابات طفيفة. ولا يصعب ان نُخمن ماذا كان سيحدث لو أطلقوا النار وقتلوا في واقع الضفة القابل للانفجار. كان ليبرمان سيكون راضيا وكان العُقداء سيهتفون وكانت الضفة ستشتعل.

        من المفاجيء الى أفضل أن نعلم ان الجيش الاسرائيلي لم يندد بالجنود، فربما يعلمون في قيادته العليا ان الهرب احيانا حكمة وان ضبط النفس قوة وان "الهزيمة" نصر. هل أثبتت سياسة اليد الخفيفة على الزناد نفسها قط؟ وهل ردعت أم أججت العنف فقط؟.

        ان صور الخليل وقدوم هي الصور التي يجب ان يفخر بها الجيش الاسرائيلي وعليه ان يقول هذا لجنوده. ألسنا نفضل جنودا لا يقتلون اولادا، أوَلا نفخر أكثر بجيش يمتنع عن فعل ذلك؟ يبدو ان لا.

        بين جميع الكلمات المغسولة التي أدخلها الجيش الاسرائيلي في حياتنا لتطييبها يوجد تعبير واحد أسهم اسهاما ايجابيا وهو "التحسين الى الخلف". وهذا ما فعله الجنود وحسن ان فعلوا.

انشر عبر