شريط الأخبار

حرَّر الكابح الكيميائي.. يديعوت

12:55 - 07 تشرين أول / ديسمبر 2012

بقلم: سمدار بيري

(المضمون: اعترف المنشق السوري جهاد المقدسي المتحدث عن وزارة الخارجية السورية، اعترف ضمنا بأن بلاده تملك سلاحا غير تقليدي ويضاف ذلك الى صور التقطت في الآونة الاخيرة تُبين ان الجيش السوري أخذ يشحن قذائف جوية بغاز الاعصاب فكيف سيكون رد الدول الغربية والدول المجاورة على ذلك؟ - المصدر).

بعد ثلاث ساعات من تبين ان المتحدث عن وزارة الخارجية السورية، جهاد المقدسي، نجح في الهرب من دمشق هذا الاسبوع، جاء الى بيته شبيحة النظام وأحرقوه حتى أساسه. كان المقدسي يسكن في حي المزة الفخم الذي يحتجز فيه الرئيس بشار الاسد كبار مسؤولي الدولة – من الوزراء واعضاء مجلس الشعب وكبار الموظفين – في ظروف اعتقال منزلي: ففي الصباح يخرجون للعمل وفي الليل يعودون للنوم وهم يخضعون لمراقبة قوات الأمن.

أفاد مُشغلو المقدسي في وزارة الخارجية انه عُزل عن عمله بسبب فشل مهني، لكن القليلين فقط قبلوا هذه الرواية. وبرغم ان المقدسي هو أعلى تاركي سوريا رتبة منذ ترك رئيس الوزراء رياض حجاب، لم تسارع منظمات المعارضة الى احتضانه. "انه في الحاصل قد لاذ بالفرار من السفينة الغارقة"، زعم المعارضون واقتبسوا كلاما قاله المقدسي في الماضي حينما تحدث في ولاء عن وزارة الخارجية وكان في رأيهم "بوق السلطة القاتلة": فقد سوّغ قتل 49 ولدا دُفنت جثثهم في أكياس بلاستيكية في قبر جماعي في بلدة الحولة؛ وسوّغ سلسلة إعدامات لنساء وشيوخ بحجة ان "السلطة تؤدي واجبها ازاء الخونة فقط"؛ وكرر تعلل الرئيس الاسد بقوله "لسنا نحن الذين نفعل ذلك بل هم الارهابيون المسلحون الذين تسللوا الى سوريا لزعزعة الحكم". وزعم مرة بعد اخرى أمام السماعات بـ "أنهم يهاجموننا" و"تسونامي نشرات كاذبة يغرق سوريا".

أحسن المقدسي في ظهوره أمام عدسات التصوير في ترديد النصوص التي صاغها له وزير الخارجية وليد المعلم أو مستشارة الرئيس الكبيرة بثينة شعبان. لكنه قلل من الظهور في الاسابيع الاخيرة واشتكى صحفيون من انه يغلق كثيرا هاتفه المحمول ولا يرد عليهم. ويزعم اصدقاؤه في لندن انه لولا هربه لتم اعتقاله بسبب شجار عنيف نشب بينه وبين كبار مسؤولي وزارة الخارجية. ويقترح رامي عبد الرحمن، وهو معارض يسكن في بريطانيا، سببين محتملين لهربه: "إما انه لم يكن له في الآونة الاخيرة أية صلة بمُشغليه بسبب المعارك في دمشق فبدأ يخاف وإما انه ضاق ذرعا تماما بما يحدث في الدولة".

كتب سامي المقدسي، شقيقه، أول أمس في الصفحة الاجتماعية يقول: "الأنباء عن انشقاقه صحيحة، وكل المنشورات الاخرى ضده أكذوبة كبيرة تنشرها سلطة المجرمين". ووعد الشقيق ايضا بأنه سيعقد قريبا مؤتمرا صحفيا يعرض فيه روايته.

السيناريو الاسوأ

عمل المقدسي ابن الثانية والاربعين وهو متزوج وأب لاثنين وحائز على الدكتوراة في الاعلام، عمل في الماضي في سفارتي سوريا في الولايات المتحدة وبريطانيا متحدثا وقنصلا عاما. وفي خلال سنواته العشر في الخارج اكتسب لغة انجليزية فصيحة وهيأ لنفسه مظهرا مصقولا. وقبل سنة استُدعي من لندن ليكون متحدثا عن وزارة الخارجية السورية وبخاصة أمام وسائل الاعلام العالمية والدبلوماسيين الاجانب. قبل ثلاثة اشهر نقل زوجته وابنيه الى بيروت متعللا بأنه يفضل ان يذهب الولدان الى مدارس "هادئة". وقبل شهر انضم والداه ايضا اليهم. "لولا أنه هرّب أباه وأمه الى الخارج لما سمح لنفسه بالهرب خشية ان ينتقم بلطجية النظام منهما"، قال لي هذا الاسبوع عاصم محمد، وهو صديق له يسكن الآن في لندن. "أرسل إلي قبل اسبوعين رسالة نصية من دمشق تقول: "ضقت ذرعا بكل ما يحدث هنا". واستطعت ان أُخمن أننا سنتقابل قريبا".

أعد له اصدقاؤه في لندن شقة سكنية مؤقتة في المدينة، لكن صحيفة "الغارديان" البريطانية نشرت أول أمس ان المقدسي سافر الى واشنطن. "نقول في أنفسنا ان الادارة الامريكية تريد التحقيق معه"، يقول واحد من اصدقائه. "فكل قليل من المعلومات يستطيع ان يؤدي به في شأن السلاح الكيميائي والبيولوجي الموجود في سوريا مهم جدا للامريكيين".

ليس من الصدفة ان يذكر الصديق أمر السلاح غير التقليدي. فقد زل المقدسي في اعلانه الأخير لوسائل الاعلام في ليلة يوم الاثنين في هذا الشأن بالضبط. وحدث هذا بعد ان حذر الرئيس اوباما السوريين بقوله: "اذا اخطأتم خطأ مأساويا واستعملتم السلاح الكيميائي فستكون لذلك آذار وستكون أنت يا أسد مسؤولا". ونشر المقدسي رد دمشق القائل: "لن يستعمل النظام السوري السلاح الكيميائي – اذا وُجد عنده أصلا – على مواطني الدولة بأي حال من الاحوال". وكان في كلامه اعتراف ضمني بأن لسوريا سلاحا غير تقليدي؛ وكان فيه اشارة ثخينة ايضا الى ان سوريا قد تستعمل هذا السلاح على دول مجاورة.

وجاءت سلسلة الردود والتهديدات فورا. فقد زعمت مجلة "تايمز" اللندنية هذا الاسبوع ان الولايات المتحدة تشكل تحالفا متعدد الجنسيات مع بريطانيا والاردن وتركيا واسرائيل بغرض إبطال سلاح الاسد الكيميائي. "يتابعون في هذه الدول طوال الوقت ما يحدث في مخازن السلاح السرية والمواقع المهجورة في الظاهر في سوريا"، قال لي أحد قادة المعارضة السورية وهو يمكث اليوم في اوروبا. وقد أجرى صحفيان أول أمس لقاءا صحفيا مع الملك الاردني عبد الله في أعقاب النبأ في "تايمز" كما يبدو، وقال ان "الاردن لن يشارك في أية عملية عسكرية على سوريا. يجب التوصل الى حل سياسي". وقال الملك "نحن نستعد لاسوأ سيناريو"، لكنه عاد وأكد ان بلاده لن تشارك في أية عملية "قد تدهور الوضع أكثر".

أمس نشرت شبكة التلفاز الامريكية "ان.بي.سي" ان جهات استخبارية في واشنطن لاحظت هذا الاسبوع من تحليل الصور الجوية ان جيش سوريا بدأ يُحمل غاز الاعصاب في قذائف جوية "تنتظر أمر الاسد" بتحميل القذائف في طائرات حربية. وجاء ايضا ان اجهزة الاستخبارات في اسرائيل وتركيا والاردن ولبنان تُنسق مع الاستخبارات الامريكية استعدادا فوريا للرد. وأوضح خبير امريكي انه اذا لم تُستعمل القذائف في غضون ستين يوما بعد شحنها فان فعل الغاز يتلاشى.

الخشية هي من ان يقع السلاح في أيدي ارهابيين تسللوا الى سوريا أو ان يستعمله موالو الاسد اذا تم قتله أو اذا هرب. قال لي معارض سوري يسكن في اوروبا ان اسرائيل تخشى خشية خاصة من انتقال السلاح الى ايران أو الى حزب الله نتيجة ضعف حكم الاسد. "وهذا سبب التحذيرات التي وجهت هذا الاسبوع الى الرئيس"، أوضح ذلك الرجل. "ما بقي الاسد في الحكم فهو المسؤول عن ألا تستعمل أية جهة هذا السلاح. ونحن على يقين من انه معني هو نفسه بأن يعلموا بأنه يملك سلاحا خطيرا كي يستغله ورقة مساومة".

تفضل اسرائيل في هذه الاثناء ألا تتناول علنا شأن مخزون السلاح السوري. وقال رئيس الوزراء نتنياهو هذا الاسبوع "نحن نتابع" فقط. على حسب معلومات استخبارية تملكها اسرائيل، في 1972 نقلت مصر الى سوريا بمساعدة سوفييتية مركبات انتاج سلاح غير تقليدي تم تخبئتها في مصانع عسكرية وحدث ذلك قبل حرب يوم الغفران بسنة، وأراد رئيس مصر أنور السادات بهذا الاجراء ان يُحدث عند نظيره السوري، حافظ الاسد، شعورا بأنه يوليه ثقة كاملة ويُشركه في أخفى أسراره. وقد سُئل محمد بسيوني الذي كان يعمل آنذاك ملحقا عسكريا لمصر في دمشق وأصبح بعد ذلك السفير في تل ابيب، سُئل عن هذه القضية أكثر من مرة. "كانت اجراءات بناء ثقة وتوثيق التعاون الاستراتيجي بين القاهرة ودمشق"، أجاب بصورة عامة. "لست خبيرا بكل ما حدث".

في 2002 قُبيل غزو القوات الامريكية للعراق، لاحظوا عندنا حركة شاحنات من البصرة في العراق الى ميناء اللاذقية في سوريا مع "شحنات مريبة لسلاح غير تقليدي". وبحسب الارتياب الذي لم يثبت قط هرّب صدام حسين عناصر انتاج غاز الخردل وغاز الاعصاب – وشُحن بعضها في قطارات وبعضها في شاحنات غُطيت بأغطية سوداء. في 2007 حدث انفجار غامض في مبنى كانت تستخدمه الصناعات الامنية في ضواحي مدينة حماة وقتل 15 شخصا. وكان التقدير ان الانفجار حدث في اثناء تجربة تركيب رؤوس صواريخ من نوع سكاد بي وشحنها بغاز الخردل وبغاز الاعصاب السارين قُبيل تخزينها في مخازن تحت الارض. وحاولت سوريا ان تتكتم على نبأ الانفجار ونشرت انكارا بعد ذلك كعادتها.

في آب الاخير ايضا برز من جديد موضوع السلاح السوري غير التقليدي حينما افتخر المتمردون في مدينتي حلب وحماة بأنهم استولوا على منشأة سلاح كيميائي. على أثر ذلك وجهت الادارة الامريكية انذارا للاسد يقول: إما ان تنقل المواد الى المدن الكبيرة وتغلق المخازن وإما ان نعالجها نحن. وبحسب معلومات استخبارية نقل الاسد المواد الى المدن، بيد انه فقد السيطرة عليها منذ ذلك الحين. وفي الايام الاخيرة برز هذا الموضوع مرة اخرى في أعقاب صور أثار تحليلها شُبهات محاولة تركيب رؤوس صواريخ كيميائية وأنشطة غير عادية اخرى.

إتهم وزير الخارجية السوري وليد المعلم هذا الاسبوع الادارة في واشنطن بأنها تُضايق سوريا بغرض صرف الانتباه العالمي عن النضال الفلسطيني لاعلان الدولة. "ان الامريكيين أنفسهم استعملوا سلاحا غير تقليدي على اليابانيين في الحرب العالمية الثانية"، قال – لكنه لم يُنكر وجود هذا السلاح عندهم. "إما ان يفهم السوريون أنهم حتى لو أنكروا فلن يصدقهم أحد"، يُبين منفي سوريا هرب الى اوروبا، "وإما أنهم معنيون بالحفاظ على غموض على عمد باعتباره وسيلة ردع في صراع الاسد وجماعته للبقاء".

مزاج "كئيب جدا"

على حسب معلومة نقلت الى وزارة الدفاع الامريكية، صورت طائرات بلا طيارين في نهاية الاسبوع الماضي "تحركات غير عادية" حول المنشآت التي تُحفظ فيها "المواد المحظورة". وفي المقابل تحدث فيودور لوكريانوف، محرر مجلة سياسية في موسكو هذا الاسبوع عن ان الروس الذين أُرسلوا قبل اسبوعين الى دمشق وجدوا الاسد في حالة نفسية "كئيبة جدا". وكان انطباعهم ان رئيس سوريا لم يعد يؤمن بأنه سينتصر في الصراع مع المتمردين وانه يستطيع ان يغادر مع عائلته القصر والدولة ويبقى حيا. يصعب ان نعلم كيف سينتهي عهد الاسد، هل يهرب من سوريا أم يُقتل.

عرف الاسد في فترة حكمه كيف يتصرف في مسؤولية عن المواد المحظورة، لكن هناك خشية من ان يحرر الكابح في لحظة يأس. ويحذر سيناريو آخر من ان المتمردين خصوصا قد يستلون السلاح الكيميائي. "في دمشق وأريافها ساد ضباب هذا الاسبوع بسبب المعارك"، يقول لي سوري يسكن في لندن. "نُقدر انه توجد محاولات للاقتراب من مخزونات السلاح تحت ظلام الضباب. والخوف الكبير هو من استلال غاز الاعصاب وغاز الخردل ولم يعد ذلك متعلقا بالاسد. فالسلطة تفقد السيطرة على المدن الكبيرة التي توجد المخازن فيها. يوجد سيناريو يتحدث عن هستيريا في الجيش واجهزة الامن. ويتحدث سيناريو آخر عن صراعات قوة بين المتمردين. وتوجد بالطبع خشية من فوضى عارمة، وفقدان السيطرة واستيلاء الحرس الثوري الايراني على مراكز القوة".

يؤمن خبراء امريكيون بأن الاسد نفسه لن يبادر الى استعمال سلاح غير تقليدي. ويقولون مُدافعين عنه: "ليس هو صدام حسين. لم يحجم أنصار الطاغية العراقي عن استعمال غاز الخردل وغاز الاعصاب على المتمردين الاكراد. لكن الحال مع الاسد ستكون مختلفة. اذا حُشر في الزاوية فانه سيفضل اخراج السلاح غير التقليدي الى خارج سوريا ولن يستعمله هو نفسه".

في الدول المجاورة يستعدون لجميع الاحتمالات. في هذا الاسبوع بعد ان نشرت مجلة "أتلانتيك" ان الاردن لم يسمح لسلاح الجو الاسرائيلي بالمرور في أجوائه لقصف مستودعات السلاح في سوريا، كُشف في الولايات المتحدة عن ان قوة مهمات خاصة من الجيش الامريكي موضوعة في الاردن لحال تستعمل فيها سوريا سلاحا كيميائيا على جاراتها. للاردن معلومات استخبارية جيدة عما يجري في سوريا والتقدير هو ان النبأ المُسرب الى "أتلانتيك" عن رفض التعاون مع اسرائيل خرج من هناك خصوصا بغرض صد تصعيد غير مرغوب فيه. ونجحت تركيا من جانبها في اقناع حلف شمال الاطلسي بنشر بطاريات صواريخ باتريوت على طول الحدود مع سوريا. ونصح وزير الخارجية الروسي، سيرجي لافروف هذا الاسبوع بـ "عدم المبالغة" في التقديرات المتشائمة ووسائل ردع السلاح غير التقليدي: فلافروف لا ينكر ان الوضع حساس لكنه يُحذر من ان "كل اجراء موجه على قوات الامن السورية يتوقع ان يرفع مستوى التوتر الى مستويات غير مرغوب فيها".

فيما يتعلق بوضع الاسد أصر شخص في وكالة الاستخبارات المركزية هذا الاسبوع على انه "سيسقط في غضون 8 الى 10 اسابيع". ويزعم الامين العام للجامعة العربية، نبيل العربي، ان "الاسد قد يسقط في كل لحظة". واسرائيل أكثر حذرا، فبعد ان قال وزير الدفاع اهود باراك قبل نحو من سنة ان "الاسد سيسقط في غضون اسبوعين"، لا يريد أحد ان يخاطر.

تناول السناتور الامريكي جوزيف مكين الوضع في سوريا في اطار حضوره المؤتمر السنوي لوزراء الدفاع الذي عُقد في هليفكس في كندا. "ان سياسة عدم فعل شيء لمواجهة ذبح الشعب في سوريا ستدخل كتب التاريخ الامريكي باعتبارها اخفاقا فاضحا"، قال. ان المعارضة السورية خصوصا التي ستجتمع في الاسبوع القادم في المغرب لاعلان انشاء حكومة انتقالية للجالين تُسوغ عدم التدخل. "ان الاسد قد منح العالم ما يكفي من الاسباب للتدخل حقا"، يقولون هناك. "لكن العالم لا يستطيع ان يدخل سوريا بالقوة بسبب السلاح غير التقليدي الموجود فيها. يستطيع اوباما ان يستمر في التهديد وان يُحذر الاسد وان يشجع تسليح المعارضة له لكن لا يخطر بباله ان يُدخل الى سوريا قوات عسكرية ويعرض الجنود لمطر غاز الخردل أو غاز الاعصاب".

انشر عبر