شريط الأخبار

عن من جديد.. ..الكيمياوية في سورية!؟.. علي عقلة عرسان

01:22 - 04 حزيران / ديسمبر 2012

ما معنى تجدد الحديث في الأيام الأخيرةعن استعداد الجهات المعنية بالحل العسكري في سورية لاستخدام الأسلحة الكيمياوية، وقيام الرئيس الأميركي أوباما، في هذا الإطار، واستناداً إلى براهين تشبه براهين الوزير كولن باول ذي أنابيب الاختبار في مجلس الأمن الدولي، حين أراد أن يسوغ العدوان المدمر على العراق، بذريعة امتلاك السلاح النووي القادر على تدمير العالم كله.. قيام الرئيس بتوجيه إنذار شديد اللهجة إلى سورية، يتحدث فيه عن عواقب وخيمة إن هي استخدمت ذلك السلاح ضد " شعبها".!؟ مبدئياً لا أظن، بل لا أعتقد، بأن الجهات المعنية بالتعامل العسكري والأمني مع المسلحين في سورية يمكن أن تستخدم أي نوع من السلاح الكيمياوي، سواء أكان أولئك من السوريين أو من غير السوريين، لأنها تقول بأن إمكانية استخدامها لهذا السلاح، إن وجد لديها، سوف تكون قائمة فقط ضد عدوان خارجي يهدد الدولة والشعب. ولأن استخدام مثل هذا السلاح في الأرض السورية سيكون موجهاً ضد الشعب السوري الذي هي مسؤولة عن حمايته وتخوض حرباً للدفاع عنه وعن البلد، فكيف تقوم بنوع من الإبادة له.؟!

من المؤكد أن استخدام هذا النوع من السلاح في صراعات داخلية يعد نوعاً من الجنون المطبق، واستخدامه في الحروب بين الدول يشكل جريمة حرب وهو سلاح محرم دولياً يشبه السلاح النووي الذي كانت الولايات المتحدة الأميركية أو من استخدمه عام 1945 في هيروشيما وناغازاكي ضد اليبان بعد أن أعلنت اليبان استسلامها في الحرب، كما استخدمت سلاح الأورانج، وهو سلاح كيمياوي ، في حربها ضد فييتنانم.؟! ولا أعتقد أن هناك عاقلاً يمكن أن يأمر باستخدام هذا السلاح أو يقوم بتنفيذ أمر من هذا القبيل باستخدامه ضد أبناء شعبه. وإثارة الموضوع من جديد وبهذه القوة تستدعي مقاربة السؤال: لماذا عودة الحديث عن الأسلحة الكيمياوية في سورية وعن استخدامها الآن؟! ولماذا يتم توجيه إنذارات لسورية وتذكير جهات غربية لها، على رأسها الولايات المتحدة الأميركية، بالعواقب الوخيمة إذا ما استخدمته، وبأن هناك في الأردن قوة أميركية في حدود "150" مئة وخمسين عسكرياً من رتب مختلفة يمكن أن تكون على رأس التدخل في سورية.. فضلاً عن الترويج المتجدد لتحالف دولي خارج مجلس الأمن، يقوم بعمل عسكري ضد النظام في سورية، وتصريح أمين عام جامعة الدول العربية بأن النظام في سورية قد يسقط في أية لحظة.؟! ومقاربة ذلك كله من حيث كون نتائجه ستكون وبالاً على الشعب السوري وعلى سورية الدولة.

يبدو أن الأمر مرتبط بعدة معطيات على الأرض نذكر منها:

1-      المعارك الحامية الدائرة في الريف الدمشقي بين الجيش السوري والمسلحين وعلى رأسهم جبهة النصرة، تلك المعارك التي اقتربت من محيط مطار دمشق الدولي وهددت سلامة الحركة فيه، والردود العسكرية العنيفة من جانب الجيش السوري التي أدت إلى تأمين المطار والطريق منه وإليه، وجعلت المسلحين ينكفئون عنه نسبياً، ويتحسبون لملاحقات أوسع من الجيش بأسلحة أثقل من تلك التي استخدمها ضدهم حتى الآن.. ولذلك أطلقت صفارات الإنذار باتجاه استخدام السلاح الكيمياوي، لأن الأنفاق التي حفرها المسلحون بين بعض قرى ريف دمشق وفي مواقع من البساتين والحقول المحيطة بها، تمكنهم من الاختباء فيها والاحتماء من الطيران، ولكنهم يخافون من أن يحاصروا ويهاجموا فيها بوسائل أخرى فتصبح فخاً مميتاً لهم.؟!

2-      حصول المسلحين على أسلحة متطورة منها مضادات للطائرات من أنواع مختلفة، بينها صواريخ سام 7، وهي صواريخ حرارية روسية الصنع تلاحق الطائرات بوصفها مصدر حراري، بتقنية أثبتت فعاليتها في حرب تشرين الأول/أوكتوبر 1973 مع العدو الصهيوني، وحصولهم أيضاً على صواريخ ستنغر الأميركية الصنع، وهي أسلحة تمكنهم من تحجيم حركة الطيران الحربي وهجماته ضدهم.. فضلاً عن امتلاكهم لأسلحة أخرى من خلال سيطرتهم على مواقع بعض الكتائب والوحدات العسكرية وعلى ما فيها من أسلحة متطورة كما يقولون.. الأمر الذي يكسبهم قوة في المواجهة مع الجيش العربي السوري.

3-       قرار الجهات الدولية، الغربية والعربية، الداعمة للمسلحين بالمال والسلاح والمقاتلين، عن " رفع الحظر" على تزويدهم بالسلاح المتطور، والاستمرار في تزويدهم بما يحتاجون إليه من تجهيزات ومعدات وأدوات قتال ووسائل اتصال متطورة جداً، فضلاً عن المساعدات اللوجستية والمال لأغراض منها أغراض إنسانية..إلخ، وقد أعلنت عن ذلك كل من فرنسا وبريطانيا بصورة رسمية، ووعدت به علناً الولايات المتحدة الأميركية ـ ولا نتكلم هنا عما يتم من تسليح ودعم بصورة سرية منذ أشهر عبر تركيا على الخصوص ـ ومن شأن هذا أن يفتح صفحة جديدة في المواجهة العسكرية، ويرجح الحل العسكري على أي حل سياسي، مما يتم الحديث عنه في مجلس الأمن الدولي والأمم المتحدة وفق تقرير الأخضر الإبراهيمي الذي يقول بذلك وبتنفيذ اتفاق جنيف وفق منظوره للحل وبحكم مهمته، وهو ما توافق عليه بعض أطراف المعارضة السورية في الداخل، وتضطر لمجاراته بعض الدول الغربية والعربية، على الرغم مما لديها من قرارات وتوجهات واستراتيجيات ثابتة مغايرة لأي حل سياسي ناجع.

4-      اعتقاد جهات غربية وعربية بتوفر الشروط والظروف الملائمة التي تجعلها تنفذ المطلب القديم المتجدد للمعارضة السورية بشقيها المسلح والمتبني لرفض الحوار ولخيار وحيد هو "إسقاط النظام بالقوة"، مطلب "فرض منطة آمنة وفرض حظر جوي بالقوة" من داخل تلك المنطقة ومن خارجها، بوسائيل عسكرية متطورة، وذرائع مختلفة منها حماية بعض دول الجوار السوري، " تركيا"، لنفسها من " هجمات سورية عليها بالصواريخ أو بغيرها من الأسلحة"؟!!.. ولهذا ستقام على طول الحدود التركية – السورية، بمعرفة حلف شمال الأطلسي وموافقته ومساعدته وتدخله الضمني، بطاريات صواريخ باتريوت التي تضمن توفير تلك الحماية والأمن للمناطق التي سيسيطر عليها الأطلسيون من خلال المسلحين في شمال سورية، حيث تصبح منطلق القوة التي تعمل على توسيع نطاق تلك المناطق لتشمل سورية كلها، إن أمكن ذلك، في ظل الحماية والتسليح وزيادة عدد المقاتلين والدعم..إلخ، وصولاً إلى مشروع " مارشال أطلسي" بقيمة ستين مليار دولار لإعادة إعمار سورية المدمرة، على غرار إعادة إعمار العراق وليبيا بعد تدميرهما؟! وهو ما يتحدث عنه " معارضون" يبشرون الشعب السوري بثمن " مرتفع" لسورية المستقبل في مزاد المانحين حيث " لا غداء دون مقابل" كما يقول المثل الأميركي!؟.

إن " الأزمة – الكارثة" في سورية تدخل مرحلة جديدة، أسميها مرحلة الباتريوت، وهي مرحلة لا تقاس دمويتها بما كان في المراحل السابقة، مرحلة لا يرحم فيها أحد أحداً ولا يوفر فيها أحدٌ أحداً ويعبث خلالها أعداء سورية بكل مقدراتها فضلاً عن دماء أبناء شعبها، مرحلة وقودها سورية وشعبها، والمنتصر الوحيد فيها هو الاستعمار وعدو سورية الأول الكيان الصهيوني، لأنه يربح بتدمير سورية وإضعاف قوتها وأدائها العام ما لا يُقدَّر بثمن، ويتغطرس من بعد ويعتدي بما لا يقاس على ماضيه من الغطرسة والعدوان.

ليس من المسلم به أن هذا المخطط أو " السيناريو" سيمر كما يمر السكين في قطعة الزبدة، بسهولة وسلاسة ويسر وكما يتمنى أصحابه والمنتفعون منه، ومن الطبيعي أنه سيواجِه عقبات وتحديات ومواقف وقوى قد تهزمه ولا تسمح له بالمرور أو قد تعيقه وتجعله عسيراً ومكلفاً.. فلم يغير الروس والصينيون ودول مجموعة بريكس وبعض دول أميركا اللاتينية وقلة من الدول العربية وإيران مواقفهم من الأزمة في سورية وحل سياسي لها ورفضهم للتدخل الخارجي ، لا سيما العسكري، في شؤونها الداخلية، ولم يتخل الروس والصينيون على الخصوص عن نقض أي مشروع قرار قد يعرض على مجلس الأمن الدولي ويتضمن يكون وفق الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة لا سيما المادة 42 والمادة 43 ويتضمن التدخل، فهم ثابتون على ذلك الموقف المبدئي، ليس من أجل بقاء الرئيس بشار الأسد في الحكم ولا من أجل المحافظة على النظام كما كرروا مراراً.. ولكن حتى لا يتكرر السيناريو الليبي الذي مارس فيه الغرب الخداع والخبث وأدى إلى العبث بالقانون الدولي وتدمير دولة وإلحاق صنوف المعاناة بشعب.. وهم يؤكدون أنهم يرفضون التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ويحافظون على القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة الذي يراعي مبدأ السيادة المتساوية، ويرفضون نشر الديمقراطية على الطريقة الأميركية، بالسلاح وإراقة الدماء ونشر الفوضى المدمرة حتى لو سميت " خلاقة؟!!".. وفي الوقت ذاته لا يعارضون تغييراً شاملاً في سورية بما في ذلك تغيير النظام والرئيس.. لكن على أن يقرر السوريون ذلك بإردة شعبية حرة، ومن دون أي تدخل خارجي في شؤونهم.

ولم يخرج الرئيس فلاديمير بوتين عن هذا الخط السياسي الثابت لروسيا الاتحادية حتى في مؤتمره الصحفي الأخير في استامبول مع رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان، حيث قال إنه ليس محامي عن بشار الأسد.. فقد تحدث عن اختلاف في وجهات النظر بين تركية وروسيا الاتحادية حول الملف السورية، ولكنه أشار إلى أفكار تركية جديدة سوف يبحثها وزيرا خارجية البلدين معاً في وقت لاحق.. وقد يسفر ذلك عن شيء.؟! إن الدول تبحث عن مصالحها في نهاية المطاف، والأخلاق في السياسة جزء من لعبة قذرة يستباح فيها كل شيء، بما في ذلك الدم البشري.. وهذا مؤسف غاية الأسف، ولا يجر على البشرية إلا الويلات، ويدين السياسة والساسة من وجهة النظر الأخلاقية، بصرف النظر عن النتائج التي يحققونها بالمكر والخديعة واستباحة الأرواح والقيم وإنسانية الإنسان.

الثابت الآن في الأزمة السورية التي شارفت على دخول شهرها الحادي والعشرين، أن أية خطوة، وأي "سيناريو"، وأي "انتصار!؟" لطرف على طرف في هذه الحرب - الكارثة.. يدفع ثمنه السوريون دماً ودماراً ومعاناة وتشرداً وعقابيل في النفوس وتخلفاً وعدم استقرار، وتعطيلاً للإنتاج، وتآكلاً مستمراً في قدرات البلد والشعب على كل صعيد وفي كل مجال من مجالات الحياة والبناء والعمل.. ومن يراقب يدرك أن الدمار في بلدنا هو الذي يزحف على العمران بمعناه الشامل، وأن الهدم في المجتمع والثقافة والاقتصاد والزراعة والصناعة والتجارة وبناء قوة الوطن بمواجهة المحتل لأرض الوطن.. حيث ذلك كله هو الشائع والبنَّاء هو المتراجع، لا سيما في الأخلاق والقيم والتعامل والسلوك والأنفس الذي يبني الإنسان الذي يبني بدوره الأوطان. أما الشعب فقد تعب غاية التعب والباقي يعرفه كل حصيف.

سورية تتآكل من الداخل، وسورية تستهدَف من الخارج، وسورية يعرضها بعض "بنيها" في السوق ويقفون فوق جثتها وقفة الجاهل البائس وهو ينتخي ويتشمرخ ويتعالى بينما قدماه غارقتان في دمه ودم ولده ودم أخيه وأمه وبنيه وصاحبته التي تؤويه.!! فياله من حسم، وياله من نصر يحققه " معارضون" على " نظام" و " نظام" على " معارضين"، وكل ملفَّع بالبؤس والطين، ملفوف بكفن ومعروض على نظر العالمين. الوطن يخسر والديوك تصيح وأعرافها محمرة ومدماة من العراك البشع وتنتفض وتتابع العراك.. ويسيل دم الأبرياء من أجل ماذا؟!.. ليبقى حكَّام وطامحون إلى الحكم في سوق السياسة ودوار الحرب والدمار، يصوبون أسلحتهم إلى البلد والشعب اللذين يتخذانهما ذريعة ودريئة، ولا ينصرون في نهاية المطاف سوى أعداء سورية وشعبها، بينما يذهب البلد وتذهب ريح الشعب العظيم أدراج الرياح!!.. ألا بؤساً وضعفاً وما هو أكثر من البؤس والضعف للطالب والمطلوب.

نعم سورية ستبقى، وشعبها العظيم سيبقى.. لكن بأي ثمن، وبعد متى وكم من الوقت والتضحيات والمعاناة يستأنف السوريون بناء بلدهم المدمَّر ويرممون جسمهم المدمَّى!؟ وما الذي يجنونه من تحولهم إلى مساحات لمكائد الأعداء يفتك بها كما يشاء ويزرع فيها ما يشاء؟! ومن المستفيد منهم من ذلك؟ وأية فائدة ترجى لشخص أو فئة من دمار بلد وشعب؟! وأين الحكمة التي تلجم الغي والعته وفنون الجنون؟! ألا يفكرون بأنفسهم وأولادهم، ويتفكرون في قوله تعالى:

في محكم تنزيله: ﭽ ﭑ  ﭒ  ﭓ   ﭔ  ﭕ  ﭖ  ﭗﭘ  ﭙ  ﭚ   ﭛ  ﭜ  ﭝ  ﭞ  ﭟ  ﭠ  ﭡ  ﭢ  ﭣ  ﭤ  ﭥ  ﭦ   ﭧﭨ  ﭩ  ﭪ     ﭫ  ﭬ  ﭭﭮ  ﭯ  ﭰ  ﭱ  ﭲ   ﭼ الأعراف: ١٧٩ ﭽ ﯤ  ﯥ  ﯦ  ﯧ    ﯨ  ﯩ  ﯪ  ﯫ  ﯬ  ﯭ       ﯮ  ﯯ  ﯰﯱ  ﯲ    ﯳ   ﯴ  ﯵ            ﯶ  ﯷ  ﯸ       ﯹ           ﯺ  ﯻ  ﯼ   ﭼ الحج: ٤٦  صدق الله العظيم.

دمشق في 4/12/2012

                                                                        علي عقلة عرسان 

انشر عبر