شريط الأخبار

صادر عن مركز اطلس للدارسات الإسرائيلية

قراءة في الحرب الأخيرة على غزة : الدوافع، النتائج، وآفاق المستقبل

07:43 - 28 تموز / نوفمبر 2012

غزة - فلسطين اليوم

مدخل

قبل البدء بالخوض في دلالات الحرب الأخيرة وانعكاساتها المستقبلية؛ نشير على عجل إلى أنواع الحروب لنعرف في أي إطار جاءت.

الحروب الاسرائيلية يمكن تصنيفها إلى أنواع ؛ أهمها ما تعرف بـ حرب "حسم" ونوعٌ آخر يعرف بـ حرب "العقاب".

على سبيل المثال يمكن اعتبار كل من حرب حزيران 1967 وكذلك بعض الحروب التي شنّها العدو الصهيوني على لبنان باعتبارها حروب "حسم" حيث يتم حسم المعركة تماماً لصالح طرف معين.

وعملية "السور الواقي" (التي شنتها اسرائيل  في العام 2002 واجتاحت خلالها مدن الضفة الغربية ردا على موجة العمليات الاستشهادية ضد اهداف اسرائيلية، وكان آخرها عملية فندق بارك في نتانيا وقتل خلالها 36 اسرائيليا و150 جريح) تعتبر من عمليات اسرائيل "الحاسمة" حيث دخل الجيش الاحتلالي إلى داخل المدن الفلسطينية في الضفة الغربية؛ التي شكلت معاقل للمقاتلين الفلسطينيين؛ الذين لم يبق أمامهم حينها سوى خيارين لا ثالث لهما: الشهادة أو الاستسلام، ومنذ تلك العملية -السور الواقي- لم تخض إسرائيل حروب "حسم"  ولم تقم بعمليات يمكن اعتبار نتائجها كـ "عمليات حسم"..!

أما الحروب او العمليات التي تصنف من قبيل عمليات "العقاب" فقد كان الهدف الإسرائيلي منها تحقيق "الرد الموجع".. اسرائيل تلجا إلى هذا النوع من الحروب عندما تتعرض لهجمات استنزاف مستمرة لا يمكن إيقافها بالحسم، أو لا يكون الوقت مواتيا للقيام  بـ "حسمها". وعليه؛ يمكن اعتبار عملية "عمود السحاب" (التي شنها الاحتلال على قطاع غزة مؤخرا) ضمن حروب " العقاب".

فعلى مدى سنوات؛ تم استنزاف اسرائيل، فمنذ عملية "الرصاص المصبوب" 2008-2009 تمّ إطلاق آلاف الصواريخ وقذائف الهاون، وهذا الاستنزاف المستمر كان يدفع الدولة العبرية بين الفينة والأخرى إلى القيام بعملية ردّ –تعتبره موجعاً- تعزز من خلاله قوة الردع، من خلال توجيه ضربة للمقاومة تجعلها تنشغل بنفسها، وتحاول إعادة ترميم ما حاق بها من أضرار.

بتأمل الأسماء التي تطلقها إسرائيل على عملياتها أو حروبها؛ يلاحظ أن مسمى العملية يعكس نوعيتها والهدف من ورائها، فعملية "عناقيد الغضب" لا تعكس فكرة "الحسم" وإنما تعكس قدرا كبيرا من "الغضب" و"الانفعال" الذي ارادت إسرائيل تفريغه من خلال شنّها لتلك العملية.

كذلك فإنّ مسمى عملية "الرّصاص المصبوب" إنما تعكس فكرة "إمطار الأرض" أي أرض غزة،  بالرصاص المنصهر المنصبّ من السماء، بغضّ النظر إن كان ذلك سيحسم المعركة أم لا.

أما اسم عملية "عمود السحاب" فيعكس صورةً يُرى من خلالها عمود دخان المعركة وقد وصل إلى عنان السماء؛ حتى بات بالإمكان رؤيته من بعيد؛ واسم هذه الحرب يعكس نوع الرسالة التي أرادت إسرائيل إيصالها وكذلك المرسل إليه، في الداخل والخارج. فالرسالة داخليا؛ موجهه إلى  المجتمع الإسرائيلي؛ الذي بات متعطشا لضرب المقاومة، وبات يُمنّي نفسه دخول معركة "حسم".

..وخارجيا؛ فالرسالة المشبعة بالدم؛ موجهة إلى إيران؛ باعتبارها مستهدفاً رئيسياً من تلك الرسالة،  وكأن إسرائيل تقول لإيران: "أنظروا ماذا سنفعل بغزة، والدور آتٍ عليكم"..!؟

لتقييم الموقف بعد انتهاء العمليات العسكرية؛ فإن علينا أن نحدد الأهداف الاستراتيجية لكلٍ من الطرفين؛ الاسرائيلي والفلسطيني، سواء أكانت عسكرية أم سياسية؛ بما يسهل على القراء وصناع القرار الفلسطيني فهم الصورة والعمل في ضوئها.

الأهداف العسكرية للاحتلال:

1-     جسّ نبض المقاومة والتعرّف على قدراتها العملية.

2-     اختبار منظومات العدو الدفاعية (القبة الحديدية على وجه الخصوص) وصمود الجبهة الداخلية.

3-     ضرب أكبر قدر من مقدّرات المقاومة ومنع تراكم الخبرات لديها.

4-     وقف هجمات المقاومة على المناطق الاسرائيلية على طول الحدود مع قطاع غزة .

5-     الاحتفاظ بمناطق جغرافية فلسطينية كورقة للتفاوض عليها في أي مشروع  تفاوضي قادم.

الأهداف السياسية للاحتلال:

1-     اكتساب شرعية في المحيط العربي؛ وبالذات المحيط الجديد الآخذ بالتشكّل بعد الربيع العربي.

2-     سلب المقاومة لشرعيتها وجعلها حالةً منبوذةً فلسطينياً وعربيا.

3-     اختبار طبيعة العلاقة بين مصر وإسرائيل بعد الثورة، وحدود ضبط النفس لدى القيادة المصرية وشعبها بعد الربيع العربي.

4-     التعرّف على طبيعة علاقة مصر (تحت قيادة الإخوان المسلمين)  بحركة حماس.

5-     بثّ رسائل للإيرانيين ولحزب الله؛ ليس فقط حول قدرات إسرائيل العسكرية الفائقة؛ بل أيضاً استعدادها للإقدام على مخاطرة الحرب الشاملة.

6-     إيجاد حلّ سياسي بديل عن فكرة الشريط الحدودي بين قطاع غزة وإسرائيل؛ والتي سقطت بعد استخدام صاروخ "الكورنيت".

7-     حلم اسرائيل المستمر بدفع حركة حماس إلى كبح جماح أنشطة المقاومة للحفاظ على حكمها بغزة.

8-     المسّ بالروح المعنوية لفصائل المقاومة وإفقادها ثقتها بنفسها وتقليص قدرتها على المشاركة في معارك مستقبلية ضد إسرائيل,

الأهداف العسكرية للمقاومة

مع بداية المعركة؛ كانت المقاومة قد وضعت لنفسها مجموعة من الأهداف، والتي بتحقيقها يمكن القول بأن المقاومة قد كسبت المعركة. ومن تلك الأهداف:

-         منع العدو من تحقيق أهدافه.

-         إفشال الهجمة الاسرائيلية؛ تمهيدا لوضع حدٍ لها.

-         تحويل القوّة الكامنة في هذه الحرب لطاقةٍ تساهم في إبقاء الصراع مع المحتل مُشتعلاً حتى تحرير كامل التراب الفلسطيني.

-         منع إسرائيل من تدمير قدرة المجتمع الفلسطيني على الصمود والاستمرار –اجتماعيا وسياسيا واقتصاديا وتعليميا- بل إنهاء الحرب على غزة بهدنة تمكن الشعب من التقاط الأنفاس.

الأهداف السياسية للمقاومة

1-     تعزيز شرعية المقاومة.

2-     تجديد الحق الفلسطيني على أرضه والتأكيد على ذلك الحق.

3-     تجيير مقدرات الأمة لتحقيق حقّ تقرير المصير للشعب الفلسطيني.

4-     ربط المقاومة والشعب بالأمتين العربية  والإسلامية.

5-     التأكيد على عزل الاحتلال وإفقاده الشرعية الدولية أو الإقليمية على الأقل.

 

 

 

إنجازات المقاومة

أولا: الانجازات العسكرية

  • تجاوزت المقاومة للصدمة بشكل سريع يعكس قدرة فائقة على الترابط القيادي والاستعداد لحرب أوسع من ذلك ولهجمة أشد شراسة.
  • أظهرت المقاومة قدرة عالية على التخفي وادارة المعركة من تحت الأرض.
  • إجبار أكثر من 2 مليون إسرائيلي على البقاء في الملاجئ طيلة أيام الحرب.
  • ابدعت المقاومة في استخدام الصواريخ (عصب المقاومة الفلسطينية) حيث أصبح مداها أطول، وكثافتها أعلى،  وزاد عدد راجمات الصواريخ؛ التي صارت اكثر تطورا وذات تحكم الكتروني.
  • القدرة على الوصول إلى قلب العدو، وضرب مدنه الرئيسية (تل ابيب، هرتسيليا والقدس.. الخ) التي اعتُبرت –ذات يوم- خطوطا حمراء.
  • توقف الحياة المدنية والاقتصادية وتعطّل حركة الانتاج في المصانع الإسرائيلية.
  • ضرب الصورة الذهنية لقوة الردع الإسرائيلية؛ التي تميزت على الدوام بالتفوق.

 

الإنجازات السياسية للمقاومة:

  • تحقيق معادلة ردع جديدة تمثّلت في خضوع العدو لشروط المقاومة.
  • إرغام العدو على التنازل عن المنطقة العازلة التي سبق وفرضها على طول الشريط الحدودي مع قطاع غزة.
  • وصول الصيادين الفلسطينيين إلى أبعد مدى يمكن الوصول إليه حسب اتفاق اوسلو.
  • وقف الاغتيالات والاستهدافات التي ظلت اسرائيل تنفذها تحت حجة إبطال "القنابل موقوتة" و"المطاردة الساخنة".
  • عودة روح التلاحم والتضامن بين أبناء الوطن، وقد انعكس ذلك في مسيرات الابتهاج التي شارك فيها أبناء "فتح" و"حماس" في شوارع غزة والضفة، مع ما تحمله هذه الأجواء من تهيئة لإزالة آثار الانقسام ومسبباته.
  • رفع الروح المعنوية للمقاومة في الضفة الغربية والقيام بعملية تفجيرية في قلب تل ابيب.
  • تضامن عربي وإسلامي وعالمي غير مسبوق؛ أربك مخططات الاحتلال، وشكّل عاملا ضاغطا أدى إلى هرولة العدو لطلب تدخل الوسطاء لوقف النار.

اما على صعيد الاحتلال..

فيمكن رصد الإخفاقات الذريعة من خلال النقاط التالية:

  • فشل الجيش في تحقيق الأهداف التي أعلن عنها باراك؛ ففي مجال "الردع".. نجحت المقاومة في توجيه ضربة لصورة الجيش ولقدرة الردع الإسرائيلية. أما بالنسبة لرغبة إسرائيل في "تدمير القوة الصاروخية للمقاومة".. فإنّ المقاومة بقيت واستمرت في إطلاق الصواريخ وبمستوى ثابت من الكثافة حتى آخر المعركة، ومما فاجأ العدو؛ أن الصواريخ كانت تطلق من الأرض اثناء قصف الطيران للمكان وحتى بعد قصفه، وهذا دليل على عجز الطيران عن تدمير الصواريخ حتى وهم يعلمون مكانها.
  • أما فيما يتعلق برغبة إسرائيل بـ "توجيه ضربة لحماس" فإن الاحتلال –وعلى الرغم من تمكنه من اغتيال القائد أحمد الجعبري وبعض المجاهدين؛ إلا أن لكن هذه الضربات الغادرة لم تؤد إلى "قطع رأس المقاومة" كما أرادها الاحتلال، وسماع صوت القائد البارز في كتائب القسام محمد الضيف كان رسالة واضحة بعدم تضرر منظومة القيادة. ومن الواضح ايضا أن عدد المجاهدين الذين تمكن الاحتلال من استهدافهم في هذه الجولة كان الأقل  مقارنة مع معارك سابقة.
  • ما تسميه اسرائيل بـ "بنك الأهداف" نضب مع صبيحة اليوم الثاني للحرب.
  • المعركة طالت أكثر مما توقع الإسرائيليون.
  • على الرغم من أنّ إسرائيل كانت هي المبادرة إلى شنّ العدوان؛ لكن اتضح أنها عاجزة عن تدبير سبل الخروج منها.
  • لم يكن بإمكان اسرائيل وقف النار من جانب واحد واضطرت للتفاوض مباشرة مع حماس تحت وابل الصواريخ الفلسطينية المتساقطة على مدنها الرئيسية؛ بل ان المؤتمر الصحفي الذي عقده ثلاثي الحرب الاسرائيلي (نتنياهو- باراك- ليبرمان) انعقد تحت وابل من صواريخ المقاومة.
  • إسرائيل لوّحت بحرب برية لكنها عمليا لم تكن في وارد الدخول فيها؛ فكلفتها باهظة وعواقبها وخيمة ميدانيا وإقليميا. 
  • إسرائيل هي من هرول لطلب المساعدة الأمريكية للضغط على مصر للوساطة ووقف الحرب.
  • التكاليف الباهظة التي تكبّدها الاحتلال في هجومه على غزة، والتي وصلت إلى مليار شيكل يوميا ، فكل طلعة طيران تكلف 130 ألف شيكل، وكل صاروخ من القبة الحديدية تصل تكلفته الى ربع مليون شيكل، وكل كيلومتر تقطعه دبابة المركفا يكلف ألف دولار، وكل قنبلة إضاءة تكلف خزينة إسرائيل 2000 دولار .

في اسرائيل نفسها هناك من ينتقد طلب اسرائيل من مصر التدخل لدى حماس لوقف النار يشكل قيدا ثقيلا سيغلّ يد إسرائيل في المستقبل عن شن أي عدوان جديد على قطاع غزة،  ويرون أن النتيجة العملية أن حماس حظيت بـ "تامين" مصري ضد أي هجوم اسرائيلي مستقبلي؛ كما عبر عن ذلك مدير مكتب نتنياهو  دوف فايسغلاس في صحيفة "يديعوت أحرونوت".

ولو صحّ تقدير هذا الكاتب؛ فإن هذا يؤكد وجهة نظرنا بأن إسرائيل اختارت أهون الشرّيْن: إما وقف نار من جانب واحد مع استمرار تساقط الصواريخ أو القبول بهدنة تحت شروط الفصائل وبضمانات مصرية امريكية.

مخاوف..

بالرغم من كل ما سبق؛ فإنّ هذا لا يمنع من قراءة  المشهد من زاوية أخرى –وليس من الضروري أن نتفق معها- تفترض أن العملية جاءت في سياق محاولة اسرائيلية  لتغيير واقع إسرائيلي قائم إلى آخر أفضل وأكثر ملاءمة للحاجات الاستراتيجية للدولة العبرية، وهنا يشيرون البعض إلى:

  • تهيئة المنطقة للهجوم على المشروع النووي الإيراني والقضاء عليه.
  • تعزيز العلاقة مع مصر، وقد كتب مراسل صحيفة "هارتس" "تسيبي بارئيل" يقول: "لقد أثبت الرئيس مرسي أنه يفضل المصالح على الايدلوجية، فالزعيم المصري الذي رأى قبل بضعة أشهر في المقاومة المسلحة وسيلة للوقوف ضد اسرائيل؛ يجد نفسه الآن في دور الرجل الذي مهمته صدّ المقاومة، بل إنه يمنح ضمانات لوقف المقاومة".
  • دفع حماس باتجاه التحالف المصري التركي (العالم السني) في مواجهة إيران والمحور الشيعي.
  • أن وساطة مصر تأتي في  سياق الثمن الذي يوجبه صعود الإخوان للسلطة في مصر، والاعتراف الدولي بهم، بما يفرض استحقاقاته عليهم، وهو تسليم بالرؤية الأمريكية في تسوية الوضع الفلسطيني، وأن العلاقة الخاصة والمميزة التي تربط بين حماس والإخوان المسلمين تسهل على الأمريكان تحقيق هذه الرغبة؛ التي فشل فيها غيرهم..

وفي كل الأحوال؛  فإنّ ما سقناه هنا هو عبارة عن مجرد فرضيات أو مخاوف نبسطها هنا من أجل المعالجة الموضوعية، ونأمل أن تثبت  الأيام خطأها.

توصيات

بعد أن نجحت المقاومة في تلقين العدو درسا بأن محاولاته لفرض الاستسلام فشلت وأصبحت حلما بعيد المنال، فلا مانع من تحقيق هدنة مؤقته ريثما يتم تصحيح الواقع العربي وواقع الأمة باتجاه حل القضية  الفلسطينية؛ التي يتحمل الجميع مسئولية ضياعها في لحظة مأساوية من الزمن، وهنا؛ وحتى نُفشل مرامي العدو ورغباته الدفينة؛ فإننا نقدم هذه التوصيات:

1-     الحفاظ على علاقة المقاومة المتوازنة مع الجمهورية الإسلامية والحذر من الوقوع في شرك الاستقطابات السنية الشيعية.

2-     خلق تكامل بين غزة والضفة لتستفيد الضفة من صمود المقاومة في قطاع غزة من خلال التركيز على مواجهة: الاستيطان، الاجتياحات للضفة والاعتقالات، تهويد القدس.

3-     تحقيق أهداف مشتركة بين المقاومة وبين أبي مازن لتشكيل جسور تواصل على طريق المصالحة، ولو صح خبر تعطيل حصص دراسية مدارس غزة دعما للتوجه الفلسطيني للأمم المتحدة؛ فإن هذا التوجه من حكومة غزة يستحق الإشادة والتقدير.

انشر عبر