شريط الأخبار

«أوسلوستان»، «حماستان»، والبديل الثالث ..زهير أندراوس

12:55 - 15 تموز / نوفمبر 2012

تحت عنوان «هذه ليست ثورة»، نشر حسين آغا وروبرت مالي في مجلة «نيويورك ريفيو أوف بوكس» دراسةً مستفيضةً، تناولا فيها بإسهاب أحداث الربيع العربيّ، وتداعياته وإرهاصاته (نُشرت في «الأخبار»). ومع أننّا نُحذّر أنفسنا أولاً، والقراء ثانياً من هذه الدراسات التي تزعم أنّها علميّة صرفة، ولكنّها في نهاية المطاف تُعد في مراكز الأبحاث الأميركيّة، لتُساعد صنّاع القرار في واشنطن على تحديد السياسات الخارجيّة في منطقة الشرق الأوسط من ناحية، وتُحاول غسل دماغ العرب، من الناحية الثانية، إلا أنّنا نرى من الأهمية بمكان اقتباس بعض الأفكار التي وردت فيها، مع التشديد على أنّها ليست مُنزلة ويجب الاطلاع عليها بصورة محدودة الضمان. إذ إنّها تدور أولاً وأخيراً في فلك معقل الإمبرياليّة العالميّة، التي تكنّ العداء لأمّة الناطقين بالضاد من محيطهم إلى خليجهم، بما في ذلك العملاء والوكلاء والمتواطئون، الذين اتخذوا من التبعيّة لواشنطن استراتيجيّة. يقول الباحثان: «في فلسطين، الجهاد الإسلاميّ هي حماس الجديدة، تُطلق الصواريخ لإحراج حكّام غزة. أما حماس، فهي فتح الجديدة. تدّعي أنّها تنظيم مقاوم، وفي الوقت نفسه تنقضّ على كل من يتجرأ على المقاومة. في المقابل، فتح هي نسخة عن الأنظمة الاستبداديّة التي كانت تنتقدها في الماضي». كما يلفتان إلى أنّه «في عهد الإسلاموية العربيّة، قد تجد إسرائيل عناد حماس المزعوم أكثر ليونةً من اعتدال فتح الظاهريّ، تخاف دولة الاحتلال من اليقظة الإسلاميّة، لكن الخطر الأقرب من هذه اليقظة قد يكون على الحركة الوطنيّة الفلسطينيّة».

والشيء بالشيء يذكر، والتحذير الذي أوردناه عن البحث الأميركي المذكورة أعلاه ينسحب على الدراسة التي أصدرها «معهد بيغن السادات» للدراسات الإستراتيجيّة في تل أبيب، وهو يزعم أيضاً أنّ أبحاثه مهنيّة، ولكنّه مرتبط عضوياً بالمؤسستين الأمنيّة والسياسيّة في تل أبيب، ومما جاء فيها: هناك وجهة نظر سائدة وتتلخص في أنّه في حال قيام إسرائيل بتوجيه ضربة عسكريّة لإيران، فإنّ حماس وحزب الله سينضمان مباشرة إلى القتال مع إيران ضدّ إسرائيل. ولكن أضافت الدراسة قائلةً، إنّ الأوضاع في الشرق الأوسط تغيّرت، وبالتالي فإنّ مشاركة حزب الله وحماس في المجهود الحربيّ الإيرانيّ لن يكون فعالاً، كما هو متوقّع، ذلك لأنّ حزب الله يخشى من سقوط حليفة الإستراتيجيّ، النظام الحاكم في سوريّا. أمّا بالنسبة لحماس، قالت الدراسة، فإنّ العداء الذي تكنّه الحركة لنظام الأسد، أجج الصراع بينها وبين إيران، وبالتالي تؤكد الدراسة على وجود سيناريوهين: تدخل حماس وحزب الله بشكل خفيف، أوْ عدم التدخل بتاتاً. إضافة إلى ذلك، لفتت الدراسة إلى أنّه في ما يتعلق بحماس فإنّ الخلاف بينها وبين الأسد الذي استضافها على مدار سنوات طويلة، أدّى إلى تعميق الخلاف بين حماس وسوريّا من ناحية، وبين حماس وإيران من ناحية ثانية، وبالتالي، فإنّه من غير المستبعد أنّ تتجاهل حماس طلب إيران بالمشاركة في الحرب.

ومن الدراسات تلك، ننتقل إلى ما يجري على الأرض، فقد أفادت صحيفة «القدس العربيّ»، في السابع من تشرين الثاني/ نوفمبر الجاري، نقلاً عن صلاح البردويل، أحد قادة حماس في غزة إقراره بانخفاض مستوى العلاقات بين حماس وإيران، على خلفية الموقف من الأزمة السوريّة، مُعبّراً عن خشيته من مخطط ينتهجه النظام السوريّ لطرد اللاجئين الفلسطينيين. وعن سبب الخلاف بين الحركة والنظام السوري، قال إنّ المشكلة لم تكن من طرف حماس، وأنّ أفعال النظام هناك هي من خلقت الأزمة، موضحاً بأنّ الحركة لم تكن تستطيع تحّمل البقاء هناك في ظل المجازر التي تمارس ضد الشعب السوريّ. وتابعت الصحيفة إنّ محافل فلسطينيّة رفيعة أبدت خشيتها من زجّ نظام الأسد بشكلٍ أكبر باللاجئين المقيمين في مخيمات سوريّا، والمقدّر عددهم بأكثر من نصف مليون لاجئ، مؤكدةً على أنّ هناك تخوفاً من إجبار نظام الأسد لهؤلاء اللاجئين بالخروج من أماكن سكناهم، وطردهم بالقوة، في مشهد يجسد عملية ترحيل قسري جديدة، مشيرةً إلى عمليات القتل اليوميّة المتزايدة التي تطال اللاجئين الفلسطينيين، ومؤكدة على أنّ عمليات القتل هذه تحصل وفق مخطط للنظام، وليس بشكلٍ عشوائيّ، على حد تعبيرها.

والآن إلى محاولة ترتيب الأوراق: الملاحظ أنّ هناك قواسم مشتركة بين ما ورد في الدراستين أعلاه وبين تصرفات حركة حماس على أرض الواقع، ذلك أنّ اتهامها النظام السوريّ بأنّه سيقوم بترحيل اللاجئين الفلسطينيين، هو محاولة لزجّهم في الأحداث السوريّة لصالح المعارضة، والأدهى من ذلك، أنّ حماس لم تتورّع عن إجراء مقارنة ومقاربة بين ما فعلته العصابات الصهيونيّة الإجراميّة في النكبة المشؤومة عام 1948، وبين ما قد يقوم به النظام السوريّ. وهذه الأقوال الصادرة عن قياديّ رفيع في حماس، لا تقل خطورة عن تنازل محمود عبّاس، رئيس كيان «أوسلوستان» عن حقّ العودة. إذ إنّ عبّاس كان ولا يزال وسيبقى يدفع فواتير اتفاق أوسلو، الذي أوصل الشعب الفلسطينيّ إلى الدرك الأسفل. وحماس، بدأت بتسديد فاتورة ارتمائها في أحضان دويلة قطر، التابعة للأميركيين، والتي تعمل بجديّةٍ بالغةٍ، مستغلةً الأموال التي تُدفع لحماس في غزة، من أجل ترويض الحركة وإبعادها عن المقاومة، تماشياً مع الخطة الأميركيّة لشرق أوسط جديد، مع فوضى خلاقة للحفاظ على أمن دولة الاحتلال، وأيضاً منع التنظيمات الصغيرة، مثل الجهاد الإسلاميّ من دكّ جنوب إسرائيل بالصواريخ. إضافة إلى ذلك، هذه التصريحات الحمساوية، تُمهّد الطريق للحركة للانخراط في عملية تفاوضيّة مع الاحتلال، ومن الأهميّة في هذه العجالة التذكير بأنّ حماس الانتهازيّة، شاركت في انتخابات عام 2006، التي جرت تحت سقف أوسلو.

أضف إلى هذا سؤالاً: ما الذي يستدعي طرداً سوريّاً للفلسطينيين الذين يتمتعون بكامل حقوق المواطن السوري منذ عام 1948؟ ما الجديد لتغيّر سوريا موقفها التاريخي؟ ألا يعني زعم حماس هذا تأكيداً بأنّ حماس لعبت في سوريا دوراً مضاداً للوطن السوري؟ ومع ذلك، فإنّ سوريا لن تعاقب الفلسطينيين على خيانة حماس بل تعاقب حماس نفسها. ويبدو أنّ حماس تستلهم تجربة الكويت التي طردت الفلسطينيين بعد حرب عام1991. وبالطبع تتناسى حماس أنّ سوريا كنظام وشعب ليست مثل الكويت أو قطر. وعليه، فإنّ هذه التغطية من حماس على خيانتها لسوريا تفتح الباب لاستنتاج أخطر وهو أنّ هدف حماس من توريط الفلسطينيين في العدوان الوهابيّ الغربيّ على سوريا هو إرغام حماس ومعسكرها لفلسطينيي سوريا على الرحيل إلى الأردن، بما هو الوجهة الوحيدة للرحيل، وهذا يصب في حلّ الوطن البديل. وهو الحل الذي لم يعد خافياً أنّ قوى الدين الإسلاميّ السياسيّ تتهيأ  لتبّنيه بدءاً من تونس إلى ليبيا ومصر وإمارة غزة، ومن ثم إلى الأردن وسوريا، إذا ما سقطت هذه الأخيرة بأيدي حلفاء حماس. والحقيقة أنّ تحليل حماس هذا فيه عمق وخبث معاً.

القضية الفلسطينيّة باتت الآن معروضة للبيع في المزاد العلنيّ، من قبل فتح الوطنيّة وحماس الإسلاميّة، في ظلّ تشجيع عربيّ وغربيّ للحركتين على الإمعان في التنازلات عن الثوابت الفلسطينيّة. أكثر من ستة عقود مرّت على النكبة وما زالت قضية العرب المركزيّة، فلسطين بدون حلٍ، لا بلْ أخطر من ذلك، فإنّ المؤامرات الفلسطينيّة ـ العربيّة والغربيّة على فلسطين تتأجج بهدف تصفية القضية. الأزمة السوريّة، وخلال أقّل من سنة وحّدت العرب والمسلمين، وتمّ طرد سوريّة من جامعة الدول العربيّة ومن منظمة المؤتمر الإسلاميّ. لكنّ العرب أنفسهم، أوهن وأعجز عن اتخاذ خطوات عملية لتحرير فلسطين، ليس لأنّهم لا يملكون القدرة على ذلك، إنّما بسبب تبعيتهم المطلقة لأميركا وربيبتها إسرائيل، وهنا مربط الفرس، وهذا بيت القصيد. ومع ذلك، لا نطمح من هؤلاء لا إلى تحرير ولا حتى تجهيز للتحرير، بل على الأقل وقف تورطهم في التطبيع. بل إن هذه الأنظمة التي زعمت أنّها قاطعت الشركات المتعاملة مع إسرائيل بدأت هي بالتعامل مع إسرائيل!

المأساة تكمن في أنّ الشعب العربيّ الفلسطينيّ، الذي واجه أعتى جيش في العالم خلال الانتفاضة الأولى (1987) والثانية (2000)، أُدخل إلى حالةٍ من الغيبوبة، وعلى الرغم من محاولاتنا المتكررة لسبر أغوار انكفاء الفلسطينيين، نُقّر بأننا لم نتمكّن من العثور على الإجابة. كنّا نُطالب بحلّ سلطة أوسلوستان، وإعادة الأمور إلى مسمياتها الحقيقيّة: الاحتلال احتلال، والمقاومة مقاومة. ولكن، في ضوء المستجدّات الأخيرة، بات هذا المطلب نوعاً من اليوتوبيا. وهنا لا بدّ من الاستعانة بمقولة الشهيد غسان كنفاني: «إذا كنّا مدافعين فاشلين عن القضية، فالأجدر بنا أن نُغيّر المدافعين، لا أن نُغيّر القضية». وفي هذا السياق، أسمح لنفسي بأنْ أسأل فتح وحماس: هل تريدون تغيير الشعب الفلسطينيّ بعد فشلكم الذريع في الدفاع عن قضيته؟ صار المطلوب إذن تجاوز فتح وحماس وعدم الانحصار في تنافسهما وتقاسمهما للغنائم، لم يعد الخيار فتح وحماس، بل جديداً لا بدّ منه.


انشر عبر