شريط الأخبار

شاهدنا هذا الفيلم من قبل ..هآرتس..بقلم: يوسي سريد

11:44 - 15 حزيران / نوفمبر 2012

       (المضمون: عملية الاغتيال للجعبري مهما تكن ناجحة ومهما قيل في الثناء على القائمين بها لن تغير شيئا ولن تُجدي على اسرائيل - المصدر).

       ليست الحياة فيلما. ان القضية هنا ليست قضية عدل لأنه لا يهمني هل مات احمد الجعبري أم عاش، وليمت من جهتي لأن يديه ملطخة بالدم. ان القضية قضية تقدير عقلاني لا يكترث بغريزة الانتقام والمُجازاة.

          ذات مرة، قبل ثماني سنوات، سحقنا رأس الأفعى في غزة الذي كان أكثر سُماً وفتكا من هذا الجعبري. فقد صفينا آنذاك الشيخ أحمد ياسين كي نعلمهم درسا، وليروا جثته المهشمة ويتعلموا. وفضلا عن أنهم لم يزيدوا اعتدالا هناك منذ ذلك الحين تطرفوا ونجحوا في تطرفهم في بسط سلطتهم على القطاع.

          لم تبرهن الاغتيالات – مهما بلغت درجتها من التركيز – على جدواها. فهي في الحقيقة تُسبب رضى لحظيا لكن تنفس الصعداء قصير. وما إن نتنفس الصعداء حتى تهاجمنا أفكار ثانية وثالثة فحواها: هل كان من الجيد ان نغتال "المهندس" في حينه ونجلب على أنفسنا كوارث ثقيلة واحدة بعد اخرى؟ هل جميع الحافلات والمقاهي والمطاعم التي انفجرت هي في الحقيقة نهاية فعل بتفكير بارد مسبق؟ يأتي ورثة للمغتالين الخطيرين فورا وفي الحال. بل انه لا يجب ان يأتوا لأنهم موجودون هناك مستعدين ومتأهبين. ومن يحلون محلهم لا يحلون محلهم بفضل اعتدالهم خاصة. بالعكس، ان الأكثر تطرفا يكونون أول من يُختارون للمهمة. ويجب عليهم من جهتهم ان يبرهنوا على أنهم أكثر تشددا ممن سبقوهم.

          هذا ما حدث في لبنان ايضا. فقد اغتلنا عباس موسوي زعيم حزب الله وحصلنا على حسن نصر الله. فاذا كان الامر كذلك فما نفع المغتالين باغتيالهم وبجهلهم؟ كنا نريد احيانا لو أعدنا عجلة التاريخ الى الوراء؛ فالتاريخ يعود أما العجلة فلا تعود. ان النهاية المُرة لياسين والمهندس وموسوي وعشرات الأوغاد الآخرين يستحقونها لكن لماذا نستحقها نحن. انهم هنا لا يغتالون الارهابيين فقط بل يغتالون المعتدلين ايضا ممن أقسموا ان يتركوا الارهاب. واذا لم يغتالوا حياتهم حقا فانهم يغتالون حياتهم السياسية ويغتالون مستقبلنا ايضا.

          في الايام الاخيرة، قُبيل الانتخابات التمهيدية في الليكود بيتنا وقُبيل التصويت في الامم المتحدة، يتنافس القائمون بالانتخابات التمهيدية في إرخاء الرسن. فكل مُكثر من الهجوم على محمود عباس ممدوح وسيتم الثناء عليه في صناديق اقتراع الحركة الموحدة الجديدة، وهم مصممون على القضاء عليه لأنه هيأ لنا باعتداله فرصة اخرى للتحادث والتهدئة.

          لم يعد يوجد فرق بين بنيامين نتنياهو وموشيه فايغلين، وبين افيغدور ليبرمان وجدعون ساعر، فالجميع ينقض في هياج وغضب على عباس بشرط ألا يبلغوا الى المحكمة الدولية في لاهاي. يتبين اذا ان الاعتدال ايضا ليس صفة تتيح طول العمر.

          ما الذي فكر فيه جميع صاغة "برنامج العمل الاجتماعي والمدني" من شيلي يحيموفيتش الى يئير لبيد، ونشطاء الاحتجاج اولئك الذين يحاولون الآن الاستيقاظ من نومهم؟ ما الذي خطر ببالهم هل ان تدور الانتخابات التالية حقا على التساوي في العبء، وتغيير طريقة الانتخابات، وغلاء المعيشة والفروق التي تزداد عمقا في المجتمع؟ أهذا ما رأيتموه بعيون أرواحكم وخواطر قلوبكم يا رُحماءنا ورُفقاءنا؟ لستم ساذجين بهذا القدر. ان بنيامين نتنياهو واهود باراك لن يدعاكم تجرون الجدل العام الى مناطق ميتة هي بالنسبة اليهما مناطق مشاع. ان الناس الأقل اتزانا هم دائما الناس الأكثر اتزانا حينما يكون مصيرهم الشخصي موضوعا في كفة الميزان. وسيُعيد الجمهور قلقه الى سابق عهده كما كانت الحال في جميع معارك الانتخابات السابقة.

          ان "عامود السحاب" وهو الاسم الذي أُعطي للعملية العسكرية المكرر، هو اسم أكثر نجاحا من "عامود النار" بل من "الرصاص المصبوب" اللذين هما اسمان ذوا صبغة عنيفة شيئا ما. ان الشعب كله سيرى عامود السحاب عند باب الخيمة والشعب كله سيقوم ويسجد كل واحد عند باب خيمته. وبعد العملية التي ستقضي على الوباء هذه المرة وتقتلع وتُبعد وتحسم – سنعلم مرة اخرى ان البحر هو نفس البحر وان غزة هي نفس غزة وان العرب هم العرب أنفسهم وكذلك اليهود ايضا.

انشر عبر