شريط الأخبار

هل حان موعد الانتفاضة الفلسطينية الثالثة.. وضد من؟..بقلم : د. هيثم مزاحم

10:39 - 05 آب / نوفمبر 2012

ما كان مستغرباً أن يرحّب الكيان الإسرائيلي على لسان رئيسه شمعون بيريز بتصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، التي أوحى فيها خلال مقابلة مع التلفزيون الاسرائيلي، وكأنه يتخلى فيها عن حق العودة لأكثر من سبعة ملايين لاجئ فلسطيني منتشرين في الدول العربية وفي دول العالم أجمع.
فقد وصف بيريز تصريحات عباس بـ"الشجاعة" قائلاً إن "كلمات أبو مازن الشجاعة تثبت أن إسرائيل لديها شريكاً حقيقياً للسلام".
تصريحات عباس أغضبت معظم الفلسطينيين وبينهم حركة حماس التي نظمت تظاهرات احتجاج في قطاع غزة.
الرئاسة الفلسطينية سارعت إلى التأكيد أن موقفها ثابت بشأن الملفات النهائية في المفاوضات مع إسرائيل ومنها حق العودة للاجئين، رداً على انتقادات حركة حماس.
وكان عباس قد قال في المقابلة إنه لايفكر في العودة للعيش في مدينة صفد التي ولد فيها في الجليل، أي الأراضي المحتلة عام 1948، والتي هي اليوم داخل الكيان الإسرائيلي.
وقال أبو مازن بالإنكليزية "أريد أن أرى صفد. إنه حقي في أن أراها ولكن ليس أن أعيش هناك".
عباس سعى في هذه المقابلة الى تهدئة مخاوف الإسرائيليين قبل توجه الفلسطينيين إلى الأمم المتحدة للمطالبة بمنح دولة فلسطين صفة دولة غير عضو، فأراد التأكيد عبر موقفه هذا على الاعتراف بوجود "دولة إسرائيل" داخل حدود 1967 قبل احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس الشرقية.
إذ قال عباس إن "فلسطين بالنسبة لي هي اليوم داخل حدود 1967 مع القدس الشرقية عاصمة لها.
هذه هي فلسطين بالنسبة لي، أنا لاجىء، وأعيش في رام الله، أعتقد أن الضفة الغربية وغزة هي فلسطين والباقي هو إسرائيل".
بيريز قال عن تصريحات عباس هذه التي أثارت غضب الكثير من الفلسطينيين: "هذه كلمات مهمة، علينا جميعاً أن نتعامل معها بمنتهى الاحترام".
وأضاف: "هذا الموقف يتوافق تماماً مع مواقف إسرائيل وغالبية الشعب التي تؤيد حل الدولتين لشعبين. هذا تصريح علني شجاع ومهم".
إسماعيل هنية، رئيس الحكومة في قطاع غزة التي تديرها حماس عباس قال: "ليس من حق أي شخص كائناً من كان أن يتنازل عن حق الفلسطينيين بالعودة لوطنهم".
ورأى القيادي في حركة حماس صلاح البردويل أن محمود عباس قد خرج بتصريحاته عن "الإجماع الوطني ولايمثّل إلا نفسه لأن حق العودة الفردي والجماعي لايسقطه رأي شخص مهما بلغ من المكانة في فصيله أو جماعته".
الناطق باسم الرئاسة الفلسطينية نبيل ابو ردينة سارع إلى الرد عليه قائلاً إن "حق العودة واللاجئين هي من الملفات النهائية العالقة في المفاوضات مع الإسرائيليين مثلها مثل الحدود والمياه، ونحن ملتزمون بالثوابت الوطنية التي أقرتها المجالس الوطنية بهذا الشأن ولا جديد حول هذا الموقف"، وأضاف أن "الرئيس محمود عباس والقيادة الفلسطينية لن يقبلوا بدولة ذات حدود مؤقتة، ومن يقبل بدولة مؤقتة هو الذي يتنازل عن حق العودة ويضرب الثوابت الوطنية ويتسبب بكارثة للأجيال الفلسطينية القادمة".
وبرّر ابو ردينة تصريحات عباس بالقول إن "مقابلة تلفزيونية لاتعني مفاوضات وإن هدف المقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي كان التأثير في الرأي العام الإسرائيلي".
وأضاف إن "الزوبعة التي تثيرها جهات معروفة (في إشارة إلى حماس) لاستثارة الرأي العام هدفها الانقلاب على الشرعية، ونقل الثوابت إلى أرض الصراع الداخلي وفي النهاية لن يستفيد منها سوى جهات تتفاوض مع إسرائيل سراً، وتخرج على قنوات التلفزة تتهم القيادة الفلسطينية في كل فترة باتهامات تهدف إلى تغطية ما تفعله هي في السر من وراء ظهر شعوبها".
أما التصريح الأكثر خطورة في رأيي هو تعهد عباس للإسرائيليين بعدم السماح بقيام انتفاضة ثالثة أو مقاومة مسلحة ضد الاحتلال الإسرائيلي طالما بقي في منصبه، إذ قال: "طالما أنا في هذا الموقع، لن تكون هناك انتفاضة ثالثة، أبداً.
لانريد أن نستخدم الإرهاب، لانريد أن نستخدم السلاح، نريد استخدام الدبلوماسية".
كما كرر انتقاده لإطلاق الصواريخ من قطاع غزة على المستوطنات الإسرائيلية في جنوب فلسطين المحتلة، وقال "لست متأكداً إن هناك ما يبرّر إطلاق الصواريخ من غزة وغيرها".
وأكد عباس في المقابلة مع التلفزيون الإسرائيلي أن الفلسطينيين سيتقدمون هذا الشهر (نوفمبر 2012) بطلب الحصول على صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة، وهو ماتعارض إسرائيل وواشنطن وتعتبرانه إجراء من طرف واحد.
الانتفاضة الثالثة ضد من؟
ثمة سؤالان مهمان يفرضان نفسيهما بشأن تصريحات رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس: الأول هو خلفية هذه التصرحيات وتوقيتها، والثاني هو هل ثمة احتمال أن تندلع انتفاضة ثالثة وضد من؟
أعتقد أن عباس في أسوأ أوضاعه على صعيد التأييد الشعبي الداخلي والدولي الخارجي، وهو يخشى من استبعاده من رئاسة السلطة الفلسطينية نتيجة ضغوط أميركية وإسرائيلية لوضع رئيس الوزراء سلام فياض مكانه، على غرار ما حصل مع الرئيس الراحل ياسر عرفات، حين فرضت واشنطن عباس على عرفات رئيساً للوزراء، ثم إغتالت إسرائيل عرفات ليصبح أبومازن رئيساً للسلطة ولمنظمة التحرير وحركة فتح خلفاً لـ أبو عمار.
هذا الهاجس هو مايقلق عباس الذي حاول قبل أشهر التحريض على بعض الاحتجاجات الشعبية ضد حكومة سلام فياض لإسقاطها، وهو ما كشفته مصادر قريبة من فياض، وهو مايجعل الأخير يهدد بالاستقالة.
الهاجس الآخر هو تراجع شعبية حركة فتح في الضفة الغربية، حيث أظهرت ذلك الانتخابات المحلية للبلديات والمجالس القروية والبلدية التي أجريت مؤخراً.
فهناك مؤشرات كثيرة تدل على عزوف الشارع الفلسطيني في الضفة عن انتخاب حركة فتح مرة أخرى، ونقل عن عباس قوله في اجتماع اللجنة المركزية لحركة فتح إن "فتح" حصلت على المركز الثاني برغم أنه لم يكن هناك مرشحون سواها.
هذه الانتخابات المحلية التي جرت بمقاطعة من حركة حماس التي رفضت إجراءها في قطاع غزة قبل إنجاز المصالحة وتشكيل حكومة الوحدة الوطنية، الأمر الذي يكرّس الانقسام الفلسطيني بين الحركتين وبين الضفة الغربية وقطاع غزة.
إذاً يخشى عباس تراجع سيطرته على الضفة وفوز حركة حماس في أية انتخابات رئاسية أو تشريعية مقبلة، وأصبحت سيطرة عباس على الضفة تشبه سيطرة الأنظمة الاستبدادية العربية على الشعوب العربية، أي بالقبضة الحديدية وكتمان الحريات من خلال الأجهزة الأمنية التي تقمع الحريات. فبحسب قول باحثة فلسطينية مقيمة في رام الله: "لم يحدث في تاريخ فلسطين تراجع للحريات مثلما نشهده في هذه الفترة. طبعاً أنا لا اتحدث عن الضفة فقط فالحريات كذلك مقموعة في غزة".
وتشهد الساحة الفلسطينية في الضفة حالياً إضرابات بسبب عدم انتظام الرواتب في مؤسسات السلطة التي تعاني من أزمة مالية حادة لامتناع الدول المانحة عن الإيفاء بالتزاماتها تجاه السلطة وعدم إفراج إسرائيل عن أموال السلطة التي تمر عبر مصارفها.
ويعتقد بعض المراقبين أن هذه الاضرابات لو تطورت سوف تؤدي الى انتفاضة ثالثة، لكن هذه المرة ليست ضد الاحتلال الإسرائيلي، إنما ضد السلطة الفلسطينية، وستكون حركة حماس المستفيد الأول منها، لأنها مقموعة في الضفة وهي تتربص اللحظة للسيطرة على الضفة كما حصل في غزة. لاشك أن عباس وقيادة فتح تدرك نية حماس لذلك فهي لاتريد السماح لها بأن تقوم بذلك، فتعمل على تضييق الخناق على عناصر "حماس" وعلى جميع الناشطين والمقاومين، حتى لا تحدث انتفاضة ثالثة.
مصادر فلسطينية تتوقع أن تسيطر حماس على النظام السياسي الفلسطيني كاملاً في الضفة الغربية وقطاع غزة، وأن تحدث تغييرات في قيادات كل من حماس وفتح.
وتتحدث هذه المصادر عن احتمال عودة محمد دحلان، الذي تم طرده من اللجنة المركزية لحركة فتح، ليشكل القيادة الجديدة للحركة، بدعم من دول الخليج [الفارسي] التي تستضيفه وتموّله ليكون القيادة البديلة عن عباس، بعد الخلافات بينهما. وتقول المصادر إن دحلان قد يكون له دور التراجع الذي منيت به فتح في الانتخابات المحلية، وإنه أصبح لديه تيار قوي ينمو تدريجياً بسبب الأموال الخليجية الهائلة التي ينفقها على عناصره وأتباعه.
وقد تتم تنحية أبو مازن عبر أحد هذه السيناريوهات، سواء بمحاصرته داخل المقاطعة في رام الله وعزله دولياً أو اغتياله كما دعا إلى ذلك وزير الخارجية الاسرائيلي أفيغدور ليبرمان قبل شهرين، على غرار ما حصل لياسر عرفات، أو قد تتم الإطاحة به بانتفاضة شعبية أو قد يستقيل تحت ضغوط دولية وعربية.
أما عن توقيت هذه التصريحات، فأعتقد أن محمود عباس مستاء كثيراً من استقلال حركة حماس في قطاع غزة وتحسّن علاقتها بالسلطات الجديدة في مصر، وعدم اهتمامها بالمصالحة الفلسطينية حالياً، وتركيزها على إعادة إعمار قطاع غزة وتعزيز حكمها فيه، خصوصاً بعد زيارة أمير قطر إلى القطاع وتعهده بتمويل الإعمار.
كما أن زيارة أمير قطر بحد ذاتها من دون التنسيق مع السلطة الفلسطينية في رام الله كرّست الاعتراف بحكومة حماس وباستقلالها عن سلطة عباس، وفكت عزلتها العربية.
ولاشك أن التحوّل في موقف حماس من التحالف مع محور "المقاومة والممانعة" الممتد من إيران إلى سورية وصولاً إلى حزب الله في لبنان، إلى تحالف مع مصر وقطر والسعودية، قد فك عزلة حماس العربية، ويتوقع أن تفكك عزلتها الدولية، خصوصاً إذا قبلت بالتخلي عن المقاومة المسلحة لتحرير فلسطين، ورضيت بقطاع غزة بديلاً عن دولة فلسطين.
غريبة هي تصريحات عباس لطمأنة الإسرائيليين الذين احتلوا أرضه وشرّدوا شعبه والذين يرفضون تقديم أي تنازلات في المفاوضات أو وقف للاستيطان في الضفة الغربية وأي تنازل عن القدس الشرقية أو عودة اللاجئين الفلسطينيين.
حتى الدولة الفلسطينية الموعودة، ترفضها إسرائيل، ومن ورائها الولايات المتحدة والدول الغربية، حتى أنها ترفض منح الفلسطينيين صفة دولة غير عضو في الأمم المتحدة.
مع ذلك، لن يشكّل ذلك سبباً لاندلاع انتفاضة ثالثة – في نظر عباس – وهو يتعهد بمنعها وقمعها ومنع أي مقاومة مسلحة.
بوجود هكذا سلطة فلسطينية وهكذا قيادة، فإن الاحتلال سيكون أفضل للشعب الفلسطيني، ولن يكون أمامه سوى النضال في سبيل قيام دولة واحدة على أرض فلسطين التاريخية من النهر إلى البحر.

انشر عبر