شريط الأخبار

أمير قطر "العظمى": إعمار غزة وتدمير القضية.. أشرف العجرمي

09:13 - 24 تموز / أكتوبر 2012

لا يختلف اثنان من الفلسطينيين على أهمية إعمار قطاع غزة ودعم شعبنا المنكوب فيها من الحصار الإسرائيلي ومن سيطرة "حماس" التي جلبت الكوارث على الشعب الفلسطيني، ولكنّ هناك فرقاً بين الإعمار وبين هدف زيارة أمير دولة قطر التي تحولت بقدرة قادر إلى دولة عظمى تقرر مصائر دول المنطقة إلى درجة أن أميرها ورئيس وزرائه يصدقون أنفسهم وهم يعلمون أنه دور تخريبي كلفت به قطر من سيدتها الكبرى الولايات المتحدة. ولو أن الناس لا يعرفون تاريخ قطر ودورها في خدمة المصالح الأميركية – الإسرائيلية، لكانوا ظنوا أن الأمير حمد ما هو إلا جيفارا القرن الواحد والعشرين.
لو كانت قطر معنية فقط بإعمار غزة كان يمكن أن تكتفي بإرسال الأموال فقط بدلاً من القيام بزيارة لها مغزى سياسي من الدرجة الأولى، ولسنا أغبياء لكي لا ندرك الأبعاد السياسية لهذه الزيارة، وهي أبعاد خطيرة للغاية على القضية الوطنية الفلسطينية. فهذه الزيارة تهدف إلى فك العزلة عن حركة "حماس" وليس الحصار عن القطاع لأن من يحاصر القطاع هو إسرائيل. وهي من حيث المضمون تدعم تكريس واقع الانقسام، بدلاً من المساهمة في التوصل إلى إنهائه، فقد تخلت قطر عن اتفاق الدوحة، وكان يمكن أن تضغط على "حماس" لإجراء الانتخابات في إطار صفقة الإعمار حتى يتم قطع الخطوة الأولى لإنهاء الانقسام. لكن الأمير القطري يستعجل تنفيذ الصفقة الكبرى التي عقدت بين حركة "الإخوان المسلمين" والولايات المتحدة والتي بموجبها يجري تمكين "الإخوان" من الحكم والاعتراف بهم مقابل الحفاظ على مصالح واشنطن في المنطقة.
ويبدو أن هذه المصالح المشتركة تقوم على فكرة تفكيك وإعادة تركيب الدول العربية المركزية بما يضمن بقاء وتكريس السيطرة الأميركية على المنطقة، وهذه السياسة بدأت أصلاً في العراق وتستكمل في باقي الدول باستغلال ثورات الشعوب العربية التي تحمل مطالب محقة وعادلة تضمن لها الكرامة، يجري تجييرها في ظل حكم الإسلاميين إلى خدمة المصالح الأميركية. فمصر في عهد محمد مرسي يهمها كثيراً الالتزام باتفاقية "كامب ديفيد" وإرسال الرسائل المطمئنة لاسرائيل بل التي تتجاوز أي صيغ رسائل كانت قائمة في السابق في عهد الرؤساء السابقين وليس أدل على ذلك من رسالة "المحبة والأمنيات الطيبة برغد العيش لاسرائيل وشعبها ورئيسها "التي أرسلها مرسي مع السفير المصري لشمعون بيريس. والوضع في سورية ينذر بتفكيك وتدمير البلاد وتسليمها لحكم جماعات موالية لواشنطن، مع التأكيد على أن الشعب السوري الشقيق له الحق في الحرية والديمقراطية الكاملة وفي تغيير السلطة استجابة لرغبته ومصالحه. وما يجري في سورية في الواقع هو أبعد ما يكون عن تغيير النظام، بل هو عبارة عن تلاقي مصالح متضاربة تؤدي إلى تدمير مقدرات سورية بالكامل. وهذا استغلال فاضح لرغبات الشعوب العربية في التغيير والديمقراطية والتقدم. وتحقيق للفوضى التي تحدثت عنها وزيرة الخارجية الأميركية السابقة كوندوليزا رايس وسمتها "الفوضى الخلاقة" المدمرة.
وفي نهاية المطاف يجري إضعاف كل الدول العربية المركزية وإلهاؤها بمشاكل داخلية وحالة من عدم الاستقرار حتى لا يتمكن أحد من التأثير على القرار العربي في غير صالح السيطرة الأميركية على مقدرات المنطقة. وشاءت الأقدار والسياسات أن تلعب قطر دور الممول والراعي والمقاول من الباطن لتنفيذ هذا المخطط. وبطبيعة الحال لابد للوضع الفلسطيني أن يكون منسجماً مع مصالح اسرائيل، التي تريد بدون شك القضاء على فكرة الدولة الوطنية المستقلة، وهذا لا يتم إلا بتكريس الانقسام الذي تسعى له قطر بزيارة أميرها لغزة. ولا يلغي ذلك اتصال أمير قطر بالرئيس أبو مازن الذي لم يكن في وضع يرفض فيه الزيارة، ولكن الفصائل الوطنية بحسها ومعرفتها قاطعت الزيارة لإدراكها للمخاطر المترتبة عليها.
الآن يجري تأسيس حلف جديد في المنطقة يتألف من الولايات المتحدة وإسرائيل وتركيا وجماعة "الإخوان المسلمين" ودول عربية أخرى. وليس غريباً أن تجري تركيا محادثات مع إسرائيل في هذه الأيام للتنسيق في كل ما يتعلق بسورية، فمعالم المخطط القادم باتت شديدة الوضوح والذي يدفع الثمن الشعوب المغلوبة على أمرها والتي أرادت التخلص من الدكتاتورية وسطوة الأنظمة المتوارثة، فوقعت في فخ أكبر وأخطر.
وفي إطار الادعاء القطري بأن الهدف من الزيارة فقط إعمار غزة والسعي لفك الحصار عنها، هناك سؤال مهم لقادة قطر: هل يضمنون ألا تقوم إسرائيل بتدمير البنية التحتية في قطاع غزة مرة أخرى، ولا يبقى لأهل غزة مرة أخرى سوى الانقسام وحكم "حماس"؟
من الواضح أن إسرائيل لا تزال تفكر في عدوان واسع على غزة وقد تحدث أكثر من مسؤول عن أن اجتياح غزة هو مسألة وقت ليس إلا. بل أن تفكير إسرائيل يتعدى غزة إلى حرب شاملة في المنطقة قد تطال لبنان وربما إيران، وهي تستعد لذلك ولعل المناورة الأكبر في تاريخ إسرائيل مع الولايات المتحدة التي بدأت في 21 من هذا الشهر دليل على استعداد لحرب قادمة. فمناورة الدفاع الجوي الكبرى هذه يتدرب فيها جيشا إسرائيل والولايات المتحدة على حالة تسقط فيها على إسرائيل صواريخ كثيفة من ثلاث جبهات الشمال والجنوب والشرق، وتبلغ تكلفة المناورة 30 مليون دولار أميركي و30 مليون شيكل إسرائيلي بالنظر إلى مساهمة الطرفين.فهل تستطيع قطر أن تمنع حرب قادمة أم أن الحرب ربما تكون ضمن الخطة الكبرى التي يجري تنفيذها في المنطقة والتي تلعب قطر العظمى دوراً محورياً فيها؟!

انشر عبر