شريط الأخبار

ليس موجودا- معاريف

11:37 - 19 تشرين أول / أكتوبر 2012


بقلم: بن كسبيت

تذكر موشيه كحلون هذا الاسبوع كيف تأثر ذات مرة، قبل نحو 30 سنة، عندما أعلن النائب الشاب روني ميلو بانه سيزور فرع الليكود في حيفا. كحلون، الذي كان في حينه نشيطا ميدانيا شبا، استعد للحدث التاريخي وكأنه يوم عرسه. في ذاك اليوم استيقظ مبكرا، ارتدى افضل قميص لديه وسافر الى الوادي كي يجلب حمصا نوعيا وسلطات، خبز طازج ومشهيات مختلفة، لتقديمها، شخصيا، للنائب المجيد. واصر على تقديم الطيبات لميلو شخصيا بيديه، لان هذا شرف عظيم، أثار انفعاله جدا. بعد أن ذهب ميلو ، تردد في أن يغسل يديه أم ان يبقي رائحة المجد عليهما لاطول وقت ممكن.

هكذا كان كحلون. حركي حقيقي. نشيط كلاسيكي نشأ في الميدان، مستعد لان يعطي الروح لليكود وان يتبرع بكلية أو اثنتين لاي من زعمائه الذين يحتاجون ذلك. ولم يحلم بان يصل الى هناك، تماما الى هناك، أو حتى الى أعلى (كحلون هو الوزير الاكثر شعبية في الليكود حتى اليوم) وعندها تخلى عن كل شيء. ولكن كحلون، خلافا لكثيرين آخرين، لم يتغير في الطريق الى فوق. هالة المجد لم تسيطر عليه. بقي ذات الشاب المبتسم من جفعات اولغا، المستعد لان يتبرع بكلية للحزب أو اثنتين، ولكنه لا يوافق على أن يتنازل من أجله او من أجل زعيمه عن كرامته الشخصية. فقد ذهب الى البيت برأس مرفوع، منسجم عن نفسه، فخور بما فعله وزائغ البصر من موجة العطف التي لا تدرك وحصل عليها منذ اوقع القنبلة. فهو لم يشكو ولم يتباكى. الرب أحبني، يقول، من كان يصدق أن أنجح في الوصول الى ما وصلت اليه وأفعل ما فعلته، ليس عندي شكوى ضد أحد، أنا فرح وراضٍ بنصيبي.

تجاه الخارج، يروي كحلون بان كل شيء على ما يرام، بانه استنفد نفسه، بانه يؤيد الليكود ونتنياهو ولا توجد قصة. هذه هي الرواية الرسمية. ولكن توجد رواية واحدة اخرى، أقل رسمية بكثير، واصبح بكثير. وهي التي يرويها لرفاقه المقربين، وهي التي يعرفها نتنياهو عن كثب ايضا. ويعرفها كل وزراء الليكود. وهذه الرواية لا تفاجيء أحدا، ولا سيما اولئك الذين يعرفون عن كثب جنون الاضطهاد السائد في بلاط نتنياهو أو الشك العميق، وانعدام المديح. إذ ما أن حقق كحلون الشعبية، ما أن اقلع في الرأي العام، حتى تحول فورا الى العدو رقم 1 لزعيمه المحبوب. في تلك اللحظة اصبح كحلون شتاينتس. في تلك اللحظة أقام نتنياهو وزارة اتصالات بديلة لديه وأصبح "وزير أعلى لشؤون الاتصالات". من تلك اللحظة بدأت مبادرات كحلون واصلاحاته تموت موتة القبلة الخاطفة.

        الحذر، نتنياهو خلفك

هذا حصل مرات عديدة. هذا حصل على مسألة استمرار الابقاء على شركة الاخبار القناة 2 بملكية "كيشت وريشت" او انقسامها، فيما أراد كحلون السير نحو الاصلاح واراد نتنياهو أمورا اخرى، عقد له خازوقا، توجه لرئيس لجنة الاقتصاد كرمل شاما هكوهن وعقد صفقة اخرى تماما. وذهل كحلون إذ وجد بيرح ليرنر، المنسقة بين نتنياهو والكنيست، تقف على أهبة الاستعداد في مدخل قاعة المداولات للجنة الاقتصاد، للتأكد من أن مؤامرة نتنياهو لعرقلة مبادرة كحلون تنفذ بالفعل على الارض (بالمناسبة: شخصيا أعتقد أن الحق الموضوعي في هذه الحالة كان مع نتنياهو. ولكن توجد سبل اكثر مناسبة، للتوصل الى توافق وحوار مع الوزير المخلص لك). وهذا حصل مرات عديدة اخرى. مبادرة كحلون لتحويل بنك البريد الى البنك الاجتماعي الاول، مبادرته لاقامة شبكة اتصالات، يكاد يكون كل ما فكر فيه كحلون منذ أقلع في مستوى الشعبية وتجاوز سقف الـ 80 في المائة، اصبح منكرا لدى نتنياهو. عندما بدأ الجهد من جهة مقر رئيس الوزراء لاغلاق القناة 10، جلس كحلون مع العاملين وقال ان هذا ليس بالتشاور معه وخلافا لمعتقده وفكره. وهكذا وجد نفسه، في مرحلة معينة، مع الشعبية ولكن بدون أسنان. زينة في وسام رئيس الوزراء. ليس من أجل هذا جاء للسياسة.

وزراء كثيرون محله كانوا سيشدون على أسنانهم ويواصلون. لا حاجة لان تفعل كل الوقت، المهم أن تبقى، مثلما قال ارئيل شارون بنفسه، عن الدولاب. ولكن كحلون آخر. الدولاب لا يعنيه. فهو يعرف انه لن يكون رئيس الوزراء. ليس لديه هذا هناك في الداخل. في عصر الفيس بوك واليو تيوب كحلون غير قادر على أن يعطي خطاب رئيس وزراء. هو الصورة السلبية الكاملة لبيبي، طفل القسطة الابيض، الشبع من رحافيا. كحلون هو ابن شارع جائع، هزيل وأسود من اولغا. بالضبط من نوع الاطفال الذين لا يحبهم بيبي.

عندما فهم كحلون ماذا يجري هنا، عندما استوعب بان بيبي حدده هدفا وشطبه، قبل كل شيء شعر بالاهانة. بعد ذلك ثارت أعصابه، بل تميز غضبا. وبعدها هدأ. سلفان شالوم، في وضعه، كان سيرد الحرب. لا يستسلم. لا يتنازل أبدا. اذا ما القوا به من الباب، يعود من النافذة. هكذا هو سلفان. حيوان سياسي مصمم، وحشي، يعرف كيف يتلقى الضربات ويعيد الصاع صاعين، ولكن يبقى على الدولاب. يوم عسل، يوم بصل. مرة يصطدم برئيس الوزراء، مرة يمتدحه. سياسة. أما كحلون فقال لنفسه إن لا. فهو لم يجن. ماذا، فهل فعل شيئا سيئا لاحد؟ انه لن يبقى هناك كي لا يفعل شيئا. وهو لا يتمتع من أن يكون هدف اصابة لنتنياهو. شكرا جزيلا، غير معني. ليس عندي نية لان اجتاز الان قناة المجاري هذه. طريق الالام هذا. جئت لاؤثر، وأن استمتع قليلا أيضا. واذا لم يكن ممكنا عمل هذا او ذاك، فلا معنى من البقاء فقط كي يتمتع نتنياهو ويهديء مخاوفه وجنون اضطهاده. بالنسبة لي، موشيه كحلون، يوجد لدي ثقة بالنفس أعلى وهوس أقل، أنا ببساطة سأقول شكرا، وأؤدي التحية، واذهب الى البيت. فليجد له كحلونين آخرين. وهكذا فعل.

ثغالبة عليك، يا كحلون

نعم، حلمه الاكبر كان أن يكون وزير مالية. لديه خططه. لم يتحدث عنها. فقد آمن بان لديه صيغة تسمح للدولة بان تحافظ على اطار ولكن ايضا أن تخلق الرحمة. في السنة الاخيرة فهم بانه لن يكون وزير مالية. عرف بان نتنياهو سيفعل كل شيء كي يضعفه في الانتخابات التمهيدية. عرف بانه سيكون في رأس قائمة التصفية لاكثر من وزير. فهم بان نجاحه يعرض للخطر كثيرين وسيئين. فهم بان الذروة خلفه. أحد لن يسمح له بمواصلة التسلق، بمواصلة الحلم. عندها قرر الانسحاب وهو في القمة.

الثعالب والهامسون الصغار، اولئك الذين يخربون الكروم، يحرقون كي يتمكنوا من اخماد الحريق، هم الذين طيروا عقل نتنياهو في موضوع كحلون. هم الذين قالوا لبيبي ان كحلون يجترف كل المجد. يحقق كل الشعبية ويسيطر على الحزب عندما يكون كل شيء طيبا، ولكن عندما يكون شيء سيء، اغلاق القناة 10 مثل، يسارع الى القاء المسؤولية على نتنياهو. وبيبي لا يحتاج الا لمن يلمح له بمثل هذه الامور، كي يجن جنونه بقواه الذاتية. وكل ما تبقى تاريخ. عندها بيبي بدأ يعمل بكلتي يديه. مثل السؤال الشهير اياه لشارون، حين لم يعرف أي يد لبيبي يساعد، اليمين ام اليسار، هكذا في موضوع كحلون.

بيد واحدة دعا نتنياهو الوزراء لان يكون كحلونين، وبيد ثانية تأكد من أن كحلون نفسه لن يكون. الكحلونيون ينتهون بشكل سيء لدى بيبي. لم يكن له وزير اكثر ولاء من كحلون. فقبل خطاب بار ايلان كان كحلون هو الذي دخل اليه وقال له انه سيسير خلفه اينما يذهب. القي خطابا، اجلب تسوية سياسية، قُد، أنا معك. أجندتي هي اجتماعية، وليست سياسية. وفي مظاهرة الـ 400 الف للاحتجاج الاجتماعي حين غرقت تل أبيب، حيفا، القدس وبئر السبع بمئات الاف المتظاهرين وبدا حكم نتنياهو كمن نفد مفعوله، كان كحلون هو الذي اطلق لانقاذ الوطن في ستديو القناة 2 وجلس هناك، بكامل كحلونيته، مع الابتسامة النقية والسخرية الآسرة وقال ان المتظاهرين محقون (كانوا محقين ولكن لم يعرفوا بعد بان بيبي سيجري عليهم دورة في نهايتها وضعهم سيسوء فقط). لست سنوات وهو يخدم بيبي في مركز الليكود، كرئيس المركز. أدار عنه كل الجلسات بسلاسة في صالح نتنياهو. الجلسة الوحيدة التي لم يدرها، تفجرت. حتى هذا ارادوا أن يأخذوه منه. عندها، حين تبين له أن خياره هو بين أن يكون (كحلون) أو لا يكون، قرر الا يكون وهذا هو.

انشر عبر