شريط الأخبار

32 خبيرا ًاستراتيجياً أميركياً يبحثون: الحرب على إيران.. إذا وقعت

02:16 - 13 حزيران / أكتوبر 2012

علم الحساب في الحروب، ليس كعلم الحساب في الرياضيات. واحد زائد واحداً لا يساويان اثنين. قد تكون النتيجة صفراً، وقد تكون مئة على مئة.

الحرب على إيران، إذا اندلعت، خاضعة لعلم الحساب، قبل أن تندلع. ولكن، بعد الشرارة الأولى، تصبح كرة النار المتدحرجة هي المقررة، وهي الحاسمة. وطريق النار، ليست على خط مستقيم أبداً.

اثنان وثلاثون خبيراً استراتيجياً أميركياً، من مواقع عسكرية وديبلوماسية ومالية وأمنية، التقوا في حلقات نقاش، لتقويم سير العمليات العسكرية والنتائج التي ستتمخّض عنها، وقد خلصوا، بعد احتساب دقيق لسير العمليات العسكرية، وللنتائج التي ستترتّب عنها، إلى أن إعلان الحرب على إيران شر، وعدم إعلانها شرّ كذلك. فأيّ الشرّين تختار أميركا... فوجهات نظر وقرارات الخبراء، ليست موحّدة، ولكنها معروضة في هذا التقرير/الدراسة، بطريقة منطقية وموضوعية، مع التقيّد بمنسوب عالٍ من المسؤولية. فالحرب ليست لعبة، وليست نزهة... وتحديداً مع إيران، الدولة التي أخضعت لحصار منذ ثلاثة وثلاثين عاماً، والتي استدرجت إلى حرب عظمى، بُعيد ولادة نظامها الجديد، بقيادة الإمام الخميني.

عنوان الحرب نووي، الهدف المباشر هو إنهاء المشروع الإيراني، ولا يتم ذلك بالقصف الجوي والصاروخي، بل بإنزال برّي، وحرب طويلة، تتوخى إسقاط النظام، وإدخال إيران في منظومة «الاعتدال» الإقليمي، فتتجنب إسرائيل، وتتخلى عن «حزب الله» و«حماس»، وتترك فلسطين للأقدار الدولية والإرادة الإسرائيلية.

العنوان نووي والغايات... تطويع إيران لتمتثل للإرادة الأميركية من خلال هذه الدراسة، يتبين أن إسرائيل لن تخوض حرباً على إيران. أفدح ما يمكن أن تقوم به، هو قصف بعض المنشآت النووية، التي قد تؤخر البرنامج الإيراني لمدة سنتين فقط. وليس بمقدور إسرائيل ان تخوض «حرباً» لأكثر من يومين اثنين، فيما على أميركا، إذا كانت ستحقق بعض النتائج الحاسمة، أن تشنّ هجمات واسعة النطاق لفترة سنوات عديدة.

متى تندلع هذه الحرب؟

الإرادة السياسية متوفرة. القرار العسكري جاهز... التنفيذ مؤجل، وتتحكم فيه عوامل عديدة، أبرزها، حسابات الربح والخسارة.

الدراسة استبعدت ان تسفر الحرب عن تدمير البرنامج النووي الإيراني، حتى إذا نفذت أميركا حرباً جوية دائمة، ونظمت هجمات عبر الانترنت، وقامت بعمليات سرية. وحتى إذا استخدمت آلتها العسكرية بكامل عدّتها (غير النووية) كقاذفات القنابل الخفية القادرة على إلقاء قنابل خارقة للأرض وحمل أربعة عشر طناً من المتفجرات. فمنشأة «فوردو» الواقعة على عمق 300 قدم تحت الأرض ستنجو.

ليس هذا كل شيء. فإيران ليست دولة مكتوفة اليدين، أو مكتوفة الأيدي. ولو كانت بلا أظافر، لكانت الحرب قد وقعت منذ سنوات. إيران دولة إقليمية عظمى، تتمتع بقدرات كبيرة. فالبرنامج النووي، ليس نزوة، فهو الهوية العلمية للدولة، وبرنامج التسلح وتطوير الأسلحة، بالتقنيات الحديثة المتفوقة، تجعل من «المفاجآت» الإيرانية، أحد أعمدة استراتيجيتها العسكرية.

الرد الإيراني لن يكون فقط في ميدان المعارك. الدراسة تؤكد أن أوراق إيران الرابحة كثيرة: سلاح صاروخي متطور، قادر على تدمير المنشآت الأميركية في الخليج، وعلى إصابة حتى مفاعل ديمونا في إسرائيل.. إيران. إذا دعيت إلى القتال، ستضرب مصالح أميركا في المنطقة، وعندها، سيبكي حلفاؤها على أطلال النفط.

ماذا بعد؟

حساب الربح والخسائر ليس محدداً. نتائج الحرب ليست محسومة، ولذلك فإن الخبراء يختلفون حول القرار الذي سيتخذ. فإعلان الحرب شر، وعدم إعلانها شر أيضاً. فعلى أي الشرّين يقع الاختيار؟

إن مهاجمة إيران ستكون كارثية ومكلفة ومهولة وقد تجر المنطقة إلى حرب إقليمية. وترك إيران سيجعلها دولة عظمى، ما فوق إقليمية، وصاحبة كلمة وحقوق لا يمكن تلبيتها أو التسليم بها. فأميركا وإسرائيل وبعض الغرب في كوكب، وإيران، والقلة التي معها، في كوكب آخر. ولا يبدو أن كوكبها آيل للأفول، بل هو في رحلته إلى اكتمال ظهوره.

ن. ص.

على ضوء النقاش الدائر في الولايات المتحدة راهنًا حول احتمال شنّ حرب وقائية على إيران لمنعها من تطوير سلاح نووي، ونظرًا إلى أنّ النّقاش في هذه المسألة يأخذ بعدًا سياسيًّا أكثر مما هو علميّ وعقلانيّ، ويعتمد على التكهنات أكثر منه على الوقائع، وضعت مجموعة من المسؤولين الحكوميين الأميركيين السابقين وكبار خبراء الأمن القومي الأميركي، دراسة موضوعيّة وغير منحازة، تتناول الهجوم العسكري المحتمل أن تشنّه الولايات المتحدة على إيران. ويتوجّه كتّاب الدراسة إلى المواطن الأميركي تحديدًا في هذه السنة الانتخابية، ليكوّن رؤيةً خاصة حول جدوى هذا العمل العسكري، بعد النظر في مسائل عدّة تعالجها الدراسة، ومنها توقيت العمل العسكري وأهدافه وإمكانياته واستراتيجية الخروج منه. وتطرح الدراسة تحليلاً مستندًا إلى الوقائع، تأمل أن يزوّد الأميركيين بالمعلومات اللازمة، لكي يضعوا على كفّتي الميزان فوائد الهجوم على إيران وعواقبه، ولكي يفكّروا في الحرب، على أنّها شرّ لا بد منه أحيانًا، وتعبيرٌ عن جنون البشر أحيانًا أخرى.

توقيت العمل العسكري، وأهدافه، وإمكانياته، واستراتيجية الخروج

التوقيت

يتّفق الجانبان الأميركي والإسرائيلي على أنّ حصول إيران على سلاح نووي يشكّل خطرًا كبيرًا، وينبغي منعها من ذلك بشتى الوسائل، بما فيها الهجوم العسكري، متى يظهر جليًّا أنّها قرّرت صنع هذا السلاح. وحتى هذه اللحظة، يؤكّد خبراء الاستخبارات الأميركية أنّ المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية لم يأخذ هذا القرار بعد، وتبدو الولايات المتحدة والمجتمع الدولي قادرين على رصد أي نشاط ينبئ بأنّ إيران تباشر صنع سلاح نووي، ذلك أنّ مراقبي الوكالة الدولية للطاقة الذرية سيتنبّهون إلى بدء تخصيب اليورانيوم بنسبة تفوق العشرين في المئة، وهو مؤشر هامّ، حتى إن صرّحت إيران بأنّ هذا التخصيب لا يخدم سوى أهداف سلمية؛ ومن المؤشرات الأخرى أن تُقدم إيران على طرد المراقبين مثلاً. يُضاف إلى ذلك أنّ الولايات المتحدة قادرة أيضًا على كشف المنشآت السرية الإيرانية بفضل تكنولوجيا الأقمار الصناعية، ولأنّ إيران هي راهنًا أكثر دولة في العالم تخضع للمراقبة.

ستمضي إيران شهرًا على الأقل (إذ يعتقد بعض الخبراء أنّ المدة قد تطول إلى أربعة أشهر أو أكثر) لصنع قنبلة واحدة من اليورانيوم العالي التخصيب. غير أنّ التجربة التاريخية علّمتنا أنّ ما من دولة في الزمن النووي اكتفت بصنع سلاح نووي واحد؛ فهل تكتفي إيران بسلاح واحد وهي تعرف حقّ معرفة أنّ برنامجها سيكشف ويتوقّف؟ كلاّ. إذًا، سيتطلب بناءُ أسلحة عسكرية فعلية سنتين على الأقل، وصـنعُ رأس نووي حربي يمكن تركيبه على الصواريخ سنتين إضافيتين. وفي حال نفّذت إيران ذلك، يرجّح أن تتنبّه له الولايات المتحدة، وسيكون أمامها عندئذ شهرٌ على الأقل لاعتماد الإجراء اللازم، سواء أكان هجومًا عسكريًّا أو غيره.

يمكن تقدير مدى نجاح الهجوم العسكري بعد فهم الفارق بين الشهر الذي يستلزمه إنتاج المواد الإنشطارية اللازمة لإنتاج سلاح نووي، ومدة السنتين اللازمتين لصنع رأس حربي: بعد مرور شهر، يمكن تصغير حجم اليورانيوم المخصص لصنع السلاح بشكل ملحوظ (إلى 25 كيلوغرامًا)، وإذا وُضّب كما يجب، تسهُل تخبئته ونقله من مكان إلى آخر، ما يصعّب كشفه وتدميره. عندئذٍ، تضعف قدرة الولايات المتـحدة وحلفائها على تسديد ضربات عسكرية وقائـية، إلاّ أنّ منـشآت تخصيب اليورانيوم المخصص للسلاح تبقى هدفًا سهلاً لكونها ثابتة وضخمة.

عند توافر المؤشرات عن نية إيران الواضحة بصنع سلاح نووي، أي إذا انسحبت من معاهدة منع انتشار الأسلحة النووية مثلاً، أو فصلت أجهزة الرصد التي وضعتها الوكالة الدولية للطاقة الذرية، أو منعت المراقبات الميدانية، يصبح يسيرًا على الولايات المتحدة تبرير العمل العسكري أمام مجلس الأمن والمجتمع الدولي، حتى أنّها قد تتمكن من تشكيل حلف دولي للهجوم على إيران. ولكن، في المستقبل المنظور، يُرجّح أن تقرّر الولايات المتحدة و/أو إسرائيل شنّ عملية احترازية على إيران بدون إعلان مباشر من قبل القادة الإيرانيين، أو أي دليل دامغ على نيّة صنع سلاح نووي، نظرًا إلى انعدام الثقة المتبادل بين البلدين، وتفهّم الكونغرس المخاوف الإسرائيلية. هذا السيناريو العسكري هو الأكثر واقعية، وهو موضوع الدراسة الراهنة.

الأهداف والإمكانيات

هل تستطيع الحملة العسكرية السريعة أو الطويـلة الأمد بقيادة الولايات المتحدة وحدها أو مع دول أخرى تحقيق الهدف المعلن، وهو منع إيران من تطوير سلاح نووي؟ قد تنجح الغارات الجوية، والهجمات عبر الإنترنت، والعمليات السرية من تدمير الكثير من المنـشآت الإيرانية، أو على الأقل إلحاق ضرر كبير بها، وتأخير قدرة الجمهورية الإسلامية على بناء قنبلة نووية لمدة تصل إلى أربع سنوات، وذلك في حال لم يحدث أيّ خطأ تكتيكي في أثناء الحملة. أمّا إذا شنّت إسرائيل منفردة ضربة عسكرية على إيران، بقدرتها العسكرية المحدودة مقارنة بالولايات المتحدة، فلن تؤخر البرنامج الإيراني أكثر من سنتين، ما سيفضي إلى عكس النتائج المرجوّة. فالهدف الأساسي هو منع إيران من صنع سلاح نووي، لا تأخيرها. من المستبعد إذًا تدمير البرنامج الإيراني كليًّا، وبخاصّة أنّ إيران لن تخسر القدرة العلمية أو الخبرة التي تخولها إطلاق البرنامج مجددًا.

لا بدّ من الإشارة إلى أنّ التوافق بعيد المنال في الولايات المتحدة بشأن إيران: ففي حين ينادي بعض الفرقاء بتأخير قدرة إيران على صنع سلاح نووي كخطوة أولى باتّجاه منعها نهائيًّا، يطمح آخرون إلى تحقيق أهداف أخرى لا تذكرها الأوساط الرسمية راهنًا، مثل تغيير النظام في إيران، ونسف قدراتها العسكرية والاقتصادية كي تضع حدًّا لسياستها العدوانية، ولا سيما تجاه إسرائيل، وإرغامها على الامتثال للمطالب الأميركية ليس في الشق المعني بالبرنامج النووي فحسب، بل في ما يخصّ عداءها لإسرائيل ودعمها حزب الله وحركة حماس وطريقة تعامل النظام مع شعبه.

لتحقيق الهدف المعلن، على الولايات المتحدة أن تشنّ هجمات واسعة النطاق جوًّا وبحرًا لفترة قد تمتدّ سنوات عدّة، مع نشر كتائب سلاحها الجوي كافة. سيستهدف العمل العسكري أوّلاً الدفاع الجوي الإيراني وغرف المراقبة والعمليات لضمان تنفيذ هجمات دقيقة على المنشآت المحددة بدون أن تتكبّد الولايات المتحدة خسائر جمّة. ولضرب أهداف صعبة مثل منشأة فوردو لتخصيب اليورانيوم (الواقعة على عمق 300 قدم تحت الأرض)، ستستخدم الولايات المتحدة قاذفة القنابل الخفية المسلحة بقنبلة موجهة خارقة للأرض تحمل أربعة عشر طنًّا من المتفجرات. ويختلف الخبراء حول قدرة قنبلة من هذا النوع على تدمير هذه المنشأة أو حتى إلحاق الضرر بها. لبلوغ سائر الأهداف الهامة، ستلجأ الولايات المتحدة إلى الصواريخ والطائرات من دون طيار والعمليات السرية. وستطول مدة الحملة إذا عجزت الولايات المتحدة عن إلحاق الضرر اللازم، أو إذا ازدادت لائحة الأهداف بعد بدء الهجمات. أمّا الهجوم الجوي الإسرائيلي، فسيعتمد أساسًا على قدرة سلاح الجو على شنّ غارات بعيدة المدى، فضلاً عن الغواصات المسلحة بقذائف انسيابية بعيدة المدى، وصواريخ أريحا المتوسطة المدى. ويُتوقّع أن تخترق إسرائيل المجال الجوي الأردني والعراقي للهجوم على إيران، ليس لأنه الأقرب إليها فحسب، بل لأنّ سلاح الجو العراقي عاجز عن عرقلة هذا الخرق. ويجدر الذكر أنّ احتمال تنفيذ إسرائيل غارات متكررة ضئيل جدًّا بسبب المجال الجوي العدائي وبُعدها الجغرافي عن إيران، وأنّ الهجوم الإسرائيلي سيتميّز بالسّرعة (أي ستدوم الغارات ليلة واحدة أو يومين على أقصى تقدير). ويُستبعد نجاح إسرائيل إلحاق ضرر كبير بمنشأة فوردو وبمخزون اليورانيوم المخصب بنسبة عشرين في المئة والموضّب فيها. لذلك، ترى الحكومة الإسرائيلية أنّ عليها تدمير اليورانيوم الإيراني منخفض التخصيب، وبالتالي تقويض قدرة إيران على بناء منشآت جديدة لتحويل اليورانيوم، وذلك قبل أن تصبح منشأة فوردو شغالة بالكامل.

لتحقيق أي من الأهداف الطموحة الأخرى المذكورة أعلاه، لا بد من التزام عسكري أقوى يشمل قيام القوّات الأميركية و/أو الإسرائيلية بإنزال برّيّ لاحتلال إيران أو قسم منها. حتّى الآن وبناء على الوثائق المتاحة أمام الرأي العام، لم يقترح أي مسؤول حكومي الحرب البرية أو احتلال البلد. أمّا في حال اتّسعت الأهداف في خلال العمل العسكري، ما استدعى حملة برية، فستفوق مصاريف الولايات المتحدة على العتاد والعديد العسكري في إيران ما أنفقته في غضون السنوات العشر الماضية في حربي العراق وأفغانستان، بسبب مساحة إيران الهائلة، وعدد سكانها الكبير، وقوة النزعة القومية لدى الإيرانيين بحسب ما أُثبت إبّان حرب الخليج الأولى.

استراتيجية الخروج

ترتبط استراتيجية الخروج ارتباطًا وثيقًا بأهداف العـمل العسكري التي لا تزال غير واضحة في الوقت الراهن. وقد لا تبرز الحاجة إليها إن تمكّنت الغارات الجوية من تأخير البرنامج النووي الإيراني بدون التطـلع نحو أهداف أخرى. وبعد انتهاء الهجمات، لا بد من مواصلة الضغط الدبلوماسي والاقتصادي على إيران عبر العقوبات المفروضة بغية التوصل إلى حل دائم. وفي حال استمر القلق من طموحات إيران النووية، ولا سيما إذا سعت إلى استئناف برنامجها مجدّدًا، قد تفكر الولايات المتحدة و/أو إسرائيل باستئناف العمليات في مرحلة ما. أما في حال اتسعت الأهداف الأميركية باتّجاه تغيير النظام القائم في إيران مثلاً، أو في حال امتدت رقعة القتال، فلابد من بلورة استراتيجية خروج فاعلة تتوّج بحلّ سياسيّ في نهاية المطاف.

فوائد الحملة العسكرية

ستؤخّر الحملة الإسرائيلية البرنامج النووي الإيراني سنتين، إلاّ أنّها لن تحقّق نجاحًا يعادل غاراتها السابقة على المفاعلين المنفردين في العراق وسوريا، ذلك أنّ المفاعلات الإيرانية كثيرة ومنتشرة حول البلاد، ناهيك عن أنّ مفاعل فوردو يقع تحت الأرض. أمّا الحملة الأميركية فستؤخره لمدة تصل إلى أربع سنوات إذا نجحت في تدمير المنشآت النووية الإيرانية والقدرات العسكرية، الأمر الذي سيحقّق فوائد جيوسياسية كثيرة. يُتوقّع إذًا أن تدمر الغارات الأميركية جزئياً أو كلياً منشأة تخصيب اليورانيوم في ناتانز ومنشأتين في أصفهان وطهران (حيث ستوقع خسائر محتملة في صفوف المدنيين)، ومفاعل أراك المائي غير المكتمل، وبعض الفرّازات بالطرد المركزي. وقد تحدث الغارات المتكررة ضررًا بالغًا في منشأة فوردو وتطال مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة عشرين في المئة بدون وقف الموقع عن العمل؛ ويشمل التدمير أيضًا القواعد الجوية، وشبكات الاتصال العسكري، ومواقع إطلاق الصواريخ، ومراكز حرس الثورة الإيرانية، وموقع بارشين الذي يشتبه في انخراطه في تطوير الأسلحة النووية.

على الصعيد الجيوسياسي، قد تقلّص هذه الحملة احتمال سعي دول أخرى في المنطقة، كالسعودية وتركيا ومصر، إلى تطوير أسلحة نووية تواجه بها التهديد الإيراني، ذلك أنّ الدول الإقليمية الحليفة للولايات المتحدة ستطمئن إلى أنّ هذه الأخيرة ستحميها. ويُحتمل أن يُحبط العمل العسكري المطامح النووية في العـالم باعـتبار أنّ الدول ستخشى الرد الأميركي في حال قررت المضي قدمًا بمشـروع نووي، وأن يُظهر جدّية الولايات المتحدة وعزمها على منع إيران من صنع سلاح نووي، حتى إن عنى الأمر زعزعـة أسس الحكومة الإيرانية، وإثارة التوترات الداخلية، وإضعاف النظام، وفق رأي بعض المراقبين. أمّا نحن، فنرى بدورنا أنّ العمل العسكري سيعزز النظام الإيراني عوض أن يضرّه.

عواقب الحملة العسكرية

سرعان ما قد يتحوّل أي عمل عسكري وقائي ضد إيران، حتى إن كان محـدود الأهـداف، إلى حـرب لا تُحمد عقباها. وتشمل العواقب الردَّ الإيراني المباشر وغير المباشر، فضلاً عن تبعات إقليمية وعالمية.

الردّ الإيراني المباشر

فيما يحاجج بعض الخبراء أنّ إيران ستمتنع عن استخدام القوة لتحاشي اندلاع صراع على نطاق أوسع، نعتبر نحن أنها ستردّ على الهجوم الأميركي وستزهق أرواح الأميركيين عبر تدمير المنشآت الأميركية في المنطقة وتقويض مصالح الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان والخليج وغـيرها. ويرجّح أنّ إيران تملك أكثر من مئة صاروخ بالستي عابر للقارات وقادر على إصابة أهداف في معظم أرجاء المنطقة، بما فيها إسرائيل، إذ ستستهدف مواقع في داخل إسرائيل قد تشمل مفاعل ديمونا في صحراء النقب. وتجدر الإشارة إلى أنّ برنامج الصواريخ البالستية الإيراني قد تطور في السنوات الأخيرة بموازاة البرنامج النووي، على الرغم من العقوبات المفروضة على إيران، والتي لم تفضِ سوى إلى إبطاء البرنامجين. أمّا من جهة أخرى، فأنظمة الدرع الصاروخي الأميركية في الخليج قادرة على إسقاط هذه الصواريخ. هذا ويُحتمل أن تخفف إيران من قوّة ردّها كي تحظى بتعاطف أبرز دول المنطقة والعالم، علمًا بأنّها ستستفيد سياسيًّا إذا ظهرت كضحية.

بالإضافة إلى ذلك، يُتوقّع أن تغلق إيران مضيق هرمز، ما سيشلّ الأسواق العالمية ويسبب ارتفاعًا في أسعار النفط والغاز الطبيعي، فضلاً عن سدّ الشريان الأساسي لتصدير النفط الإيراني. قد يكلّف إغلاقُ المضيق إيرانَ خسارةَ دعم الصين التي ستدعمها مبدئيًّا في حال شنت الولايات المتحدة و/أو إسرائيل هجومًا عليها بدون استفزاز إيراني واضح. ولكن، من جهة أخرى، قد ترى إيران أنّ التهديد بإغلاق هرمز من شأنه أن يدفع المجتمع الدولي إلى ممارسة الضغوط على الولايات المتحدة لتخفيف التصعيد.

يُرجّح أن تقوم إيران أيضًا بعمليات سرية لاستهداف المصالح الإسرائيلية والأميركية خارج الشرق الأوسط. ومن الأمثلة على ذلك مؤخّرًا تورّط الاستخبارات الإيرانية أو حلفائها في تفجيرات أو محاولات تفجير في بلغاريا والهند وتايلاند وجورجيا (ربّما كانت ردودًا على اغتيال إسرائيل علماء ذرّة إيرانيين).

الرد الإيراني غير المباشر

قد يأتي الرد على الهجوم الأميركي و/أو الإسرائيلي من المنظمات المسلحة الحليفة لإيران في المنطقة، وعلى رأسها حزب الله، وحركة حماس، والمنظمات الشيعية الجهادية في العراق، فـضلاً عن فيـلق القدس التابع لفيلق حرس الثورة الإيراني، أشدّ تدميرًا للولايات المتحدة وإسرائيل ومصالحهما من الرد الإيراني المباشر، وذلك من خلال استخدام الصواريخ والقيام بهجمات إرهابية وعملـيات سرية. وفي حـال قـرر حزب الله أن يكثر استخدام القذائف والصواريخ لفتح جبهة جنوب لبنان، ستتسع رقعة الصراع وتؤدي إلى اندلاع حرب إقليمية دامية في المشرق العربي، ولا سيما أنّ حزب الله وإسرائيل يحضّران منذ العام 2006 حربهما المقبلة بالتزامن مع التـوترات الإقلـيمية المخـتلفة، والتهديد باندلاع الانتفاضة الفلسطينية الثالثة، مع الأخذ بعين الاعتبار أنّ قدرة حزب الله العسكرية اليوم أقوى بكثير مما كانت عليه في العام 2006، وأنه قادر بصواريخه البعيدة المدى (والبالغ عددها خمسين ألفًا بحسب تقدير إسرائيل) أن يطال أهدافًا هامّة في داخل إسرائيل. في المقابل، تطوّرت القبة الحديدية الإسرائيلية المضادة للصواريخ في خلال السنوات الماضية، بيد أنّ الصراع سيكبّد إسرائيل في مطلق الأحوال خسائر مدنية ومادية واقتصادية كبيرة. ولا بد من الإشارة إلى أنّ حزب الله قد يعتبر أنّ الضربة الإسرائيلية على إيران ستثير موجة من الإدانة في الأوساط العالمية، وبالتالي سيتفهّم المجتمع الدولي ردّه. لكنّ الأحداث الأخيرة في سوريا غيّرت المعادلة بالنسبة لحزب الله الذي لطالما اعتمد على دعم نظام الأسد. إذًا، قدرة حزب الله على محاربة إسرائيل في المستقبل المنظور مرتبطة إلى حدّ ما بمن سيحلّ محلّ بشار الأسد.

بالإضافة إلى ذلك، سيمنح الهجوم على إيران الجماعات الإسلامية الأصولية شعبية أكبر، إذ ستبرز الولايات المتحدة فعليًّا على أنّها عدوّة الإسلام. وعلى الرغم من أنّ زعماء القاعدة السُّنة سيسرّون بالهجوم على إيران ذات الغالبية الشيعية الساحقة، سيرحّبون في المقابل بالغضب الإسلامي العالمي الناجم عنه، ما يشكّل أرضًا خصبة لتعزيز صفوفهم. هذا وقد تستغلّ إيران علاقاتها الحسنة بالجماعات الشيعية العراقية لتشجيع الاعتداء على الديبلوماسيين والمدنيين ورجال الأعمال الأميركيين المقيمين في العراق.

في الشق المعني بالعواقب العالمية المترتبة على الولايات المتحدة من هجومها المحتمل، نتوقّع أنّ تنفيذ العمل العسكري خارج إطار تفويض أو تحالف دولي سيؤثّر في العقوبات المفروضة على إيران لأنّ دولاً كثيرة حول العالم سترى أنّ إيران وقعت ضحية عمل عسكري غير مبرر، وبالتالي ستستأنف بيعها الأسلحة والمواد المستخدمة لصنع سلاح نووي. بموازاة ذلك، سيكون تصميم الجمهورية الإسلامية على تطوير برنامجها النووي عندئذ أقوى من أيّ وقت مضى لأنّ القيادة الإيرانية ستقتنع بأنّ هدف السياسة الأميركية الفعلي هو تغيير النظام في البلاد. فيُمسي في هذه الحالة بناء القنبلة ضروريًّا لحماية الأمن القومي من جهة، ومحو الذل الناجم عن الهجوم الأميركي. ولا بدّ من ذكر أنّ الهجوم العسكري نادرًا ما أفضى إلى تغيير النظام في الدول، إلا في حال الاحتلال. والحملة الجوية على ليبيا في العام 2011 مثلاً خير دليل على ضرورة شنّ غارات جوية بشكل متواصل ولفترة طويلة بغية تغيير النظام، حتى في ظلّ تواجد الثوار الكثيف على الأرض. أمّا في هذا السينارو، فلن يؤول انهيار النظام في إيران إلى استقرار الوضع فيها أو في دول المنطقة.

وبغضّ النظر عن نوايا إيران المستقبلية، سيمنع العمل العسكري إمكانية التوصل إلى حل سياسي دائم للبرنامج النووي الإيراني. فالتاريخ شاهدٌ على أنّ المفاوضات حين تتوقف لحساب هجوم عسكري، يصعب استنهاضها إلاّ في حال سقوط النظام، وهو أمر مستبعد الحدوث في إيران، وقد يتطلب نشر قوّات برية، كما ذكرنا آنفًا.

يبقى أنّ من أخطر عواقب الحملة العسكرية على إيران هو الضرر الذي قد يلحق بسمعة الولايات المتحدة ومكانتها في العالم، أسواء أخذت هي أو إسرائيل المبادرة العسكرية. ففي حال شنّت إسرائيل الهجوم العسكري على الرغم من اعتراض الولايات المتحدة، فسيظنّ الجمـيع أنّ هـذه الأخيرة قد وافقت ضمنيًّا على الهجوم؛ وفي حال شنّت هي الهجوم، بدون دليل دامغ على قرار إيرانيّ بصنع سلاح نووي، سيُقال إنّها شنّت مجدّدًا هجومًا وقائيًّا أُحادي الجانب. أمّا بعض المحللين السياسيين، فيرَوْن في المقابل أنّ الولايات المتحدة ستفقد مصداقيتها إن لم تشنّ عملاً عسكريًّا بعد الإعلان لسنوات رفضها حصول إيران على سلاح نووي. نستنتج إذًا أنّ قرارَي الهجوم على إيران وانعدامه سيضرّان بالولايات المتحدة. لذلك، يتمثل التحدي الراهن في تحديد أي الشّرّين هو الأفـضل على المدى الطويل.

ـــــــــــــــــــ

دراسة صادرة عن وكالة «المشروع الإيراني» غير الحكومية ـ نيويورك

انشر عبر