شريط الأخبار

فلنحاصر كرة النار.. علي عقلة عرسان

01:01 - 12 تشرين أول / أكتوبر 2012

العلاقات السورية التركية تدخل حيزِّ أزمة تتدحرج بسرعة، وقد تصبح خارج السيطرة نتيجة لأفعال وردود أفعال غير محسوبة جيداً وربما غير مدبرة ومقصود بها تحول الأزمة الكرة إلى كرة نار.. وهذا الأمر غير مقبول من الشعب في سورية الذي ليس له مصلحة في أزمات إضافية، لا سيما مع الجارة تركية التي يريد أن تكون بينه وبين شعبها علاقات ودية راسخة ومستقرة، وهو ليس في مصلحة الحكومة السورية ولا أية أطراف فاعلة في صنع القرار السوري، وهذا الأمر بالمقابل غير مقبول من معظم الشعب التركي الذي لديه من المشكلات ما يكفيه ولا تفيده الحرب بشيء، ولا يجوز أن تجره حكومته بتحالفاتها العسكرية والتزاماتها العقائدية والسياسية مع أحزاب وجهات ودول غير تركية إلى مواقع ومواقف وتصرفات وخنادق قد تفضي إلى حروب كارثية لا تتوقف عند حدود البلدين بل تتعداهما وتمتد لتشمل المنطقة، ويدفع ثمنها المكلِف عربٌ ومسلمون لا يريدون لعلاقاتهم التاريخية أن تنقلب إلى عداوات تاريخية.

* أفهم أن تكون لدى بعض القادة الأنراك طموحات أكبر من تطلعات معظم أفراد الشعب التركي، وأن يسخِّن رؤوسهم التاريخ، وهو بالمناسبة تاريخنا المشترك، وأفهم أن يسيطر الماضي بعبقه على بعضهم ويدفعهم إلى حالات انفعالية، مع أن التاريخ والماضي والإرث الثقافي – الحضاري شيء مشترك مع العرب والمسلمين كما أسلفت، وفيه من الحسنات والسيئات والمسؤوليات لإثنيات وتنظيمات وشخصيات ، ما هو مشترك أيضاً.. وكل ذلك ينبغي أن يستدعي المراجعة الواعية لمسؤولياتها العلمية والاجتماعية والتاريخية، كما يستدعي التوقف عند كل مفاصل ذلك المشترك والتدقيق في كل شيء، ووضع النقاط على الحروف.. وهذا أمر أراه مفتاحياً لمن يريد استعادة العثمانية بخيرها وشرها ولمن يرفض البحث في الأمر " العثمانية" كله من حيث المبدأ ، بخيره وشره.. ذلك لأن المعرفة الحقة هي العماد الراسخ الذي يشاد عليه سلام واستقرار وأمن برسوخها ومصداقيتها وعمقها. فمصادرة العلم والبحث المنهجي والمراجعة العلمية للوثائق والحقائق ولوقائع توقعنا في ما هو أكثر من الحرج والجهل والتعسف، وتدخلنا دائرة بغيضة فرضها الصهاينة على الغربيين، لا سيما المؤرخين والباحثين منهم، وعلى وكل من يستطيعون محاكمته إذا اقتراب من مراجعة تاريخ "الهولوكوست.. الدجاجة التي تبيض لإسرائيل ذهباً".

وأريد أن ينظر الجميع إلى الوقائع العثمانية وإلى الأحلام العثمانية نظرة موضوعية، وعلى أنها مسؤولية مشتركة من جهة، وزمن " عهد" لا يمكن فرضه على الزمن بالقوة، ولكن يمكن الاستفادة من معطياته الكثيرة وتركته الكبيرة المثيرة بالقراءة النقدية المنهجية الواعية المسؤولة، وهو أمر لا بد منه لمن يريدون معرفة الحقائق والبناء عليها، وهو أمر دعوت إليه وأدعو إليه لأنه يرينا حقائق الأمور بعيون المعرفة والوعي والعلم، ويكشف لنا أشكال التآمر الغربي - الصهيوني علينا جميعاً ومن داخل بيتنا وبأيدي بعضنا، وليس بفعل اليهود الدونما فقط، وبسبب فلسطين وإقامة وطن قومي لليهود فيها فقط.. ومن ثم فإن علينا أن نعمَدَ إلى أساليب بناءة في التفاهم والتواصل والتعامل قائمة على الاحترام والرغبة في الإنصاف والتجاوز البناء، وعلينا أن نأخذ بكل ما من شأنه أن يعزز المشترك الذي يجمعنا، وهو مشترك تاريخي عميق عظيم باق متجدد ذو أبعاد وآفاق: روحي وثقافي واجتماعي وحضاري واقتصادي.. إلخ، لا يمكننا إلا أن نلمس حضوره وفاعليته وحيويته وتأثيره فينا أفراداً ومجتمعات أينما توجهنا في حياتنا وكيفما نبشنا في الكتب أو حفرنا في الذاكرة أو تقرَّينا السلوك وتمظهرات القيم الراسخة فينا والحاكمة لكثير من تفكيرنا وأساليب عيشنا وتعاملنا.. وذلك كله يساهم في تكوين وعينا المعاصر بذاتنا وبالآخر القريب والبعيد، كما يساهم في وضوح الهوية، وحماية الشخصية، والعقائد الإلهية التي يزعم كل منا أنه يحميها وينصرها ويصدر عنها؟! ومن شان ذلك أيضاً أن يجعل مجتمعاتنا تتعاون وتتقدم وتستقر وتزدهر على أسس متينة في حوض مشترك متفاهم ومتماسك، هو الأقدم في العالم حضارياً وثقافياً ووجوداً تاريخياً واعياً لذاته وحقوقه ولذات الآخر وحقوقه.. إلخ.

 ** أفهم أن تكون الكتلة السياسية التركية الأكبر التي تدير شؤون الدولة متناغمة مع " ربيع عربي؟!" ذي تطلعات وطموحات تختلف عما يجري على الأرض من مجريات ولكنه يبقى متفائلاً بإمكانية أن يسيطر ويصحح.. وهو بنظر كثيرين "ربيع" يجعل تيارات سياسية – عقائدية – تنظيمية تصل إلى الحكم في هذا البلد العربي – الإسلامي أو ذاك، وتتقارب مع غيرها ممن يشاركونها حلم أن يقتربوا من حلم الخلافة أو يقربونه إليهم.. ومن أولئك أتراك يحلمون ومن على مثالهم بالعثمانية ويقتربون من ذلك الحلم أو يقربونه إليهم.. فهذا شأن يلتصق بالقومي والوطني في حالات وبالشخصي في حالات ولا يمكن مصادرته أو تجريمه، وإلا وافقْنا من يجرم العرب الداعين إلى وحدة عربية شاملة على تجريمه، وهي من أحلام كثيرين من العرب ومن التطلعات المشروعة لبعضهم.

*** وأفهم أيضاً حساسية مسؤولين أتراك كانت تربطهم علاقات صداقة حميمة وأسريَّة مع الرئيس السوري بشار الأسد وأسرته، وهم يعتبون أو يستعظمون، بوصفهم من القادة الأتراك الأصدقاء، أن تقدموا " بنصائح" في بداية الأزمة السورية للحل، وهي نصائح بدت لمن هو على أرض الواقع تبنياً لمطالب طرف سوري يريد أن يفرض مطالبه الجذرية بأية وسيلة، ومنها القوة " داخلية أو خارجية بقرار دولي أو من دون قرار دولي"، يستعظمون أن تلك " النصائح – المطالب" قوبلت من " الصديق السوري" بما وضعها من وجهة نظر المسؤولين الأتراك في دائرة الرفض لها، الأمر الذي جرح كبرياء " الصديق التركي" ونقله بعاطفية وسرعة إلى خندق آخر غير خندق الصداقة.. " على ما يرون.".

وأعرف أموراً أخرى أبعد من ذلك منها السلبي غير المقبول ولا المفهوم ومنها الإيجابي بدلالاته ونهاياته.. وهي أمور مما لا أدخله في إطار ما يمكن أن أضعه في دائرة " أفهم.."، ولا أريد أن أقاربه في هذا المجال.. ولكن لا بد لنا اليوم، وكرة الأزمة.. أو كرة النار، تتدحرج وتكبر بسرعة، وتحرق بعض أمشاج العلاقات فضلاً عن البشر والعمران والمصالح، وتهدد بمخاطر كبيرة.. لا بد لنا من أن  نتخذ من المواقف والسلوك والخطوات كل ما من شأنه أن يفضي إلى:

1        -  توقف كرة الأزمة – النار عن التدحرج فوراً، قبل أن تتدخل فيها أكثر وأكثر قوى ودول وجهات وتنظيمات لها مصلحة في الأمتين العربية والإسلامية ابتداء من البلدين سورية وتركية في حرب قد نعرف بدايتها وبعض أسبابها ولا نعرف نتائجها الكارثية ولا متى تتوقف. إنني لا أميل إلى ترجيح "سيناريوهات" الحرب، لكن من يضمن اللاعبين الغربيين والصهاينة ودورهم المؤثر في إشعالها وزج الناس فيها ومن ثم التهلي بمنظر الفراش المتساقط في اللهب؟! وأقول هذا متوجساً خيفة في ضوء معطيات منها المعطيات التي تشير إلى الحشد والتحشيد، ومن ذلك الآتي: جاء في أخبار يوم الثلاثاء 9 ت1 أن الأردن يحشد قوات على الحدود مع سورية، وأن هناك ضباطاً أميركيين وخبراء في حدود 150 عنصراً مهمتهم حماية الأردن من "عدوان سوري؟!" ومن أية تحركات داخلية؟!. وحسب وكالة أسوشيتد برس قال وزير الدفاع الأميركي بانيتا في كلمة خلال مؤتمر وزراء دفاع حلف شمال الأطلسي في بروكسل": أن الهدف من إرسال هذه القوات هو تعزيز قدرات الأردن في حال حدوث تصعيد على الحدود، والتعامل مع مسالة السوريين الموجودين على الأراضي الأردنية."،  وذكر جورج ليتل المتحدث باسم "البنتاغون" أن الأردن وافق على هذه الخطوة"؟!. وأكدت التايمز البريطانية أنه "إلى جانب نشر القوات في الأردن فإن الولايات المتحدة أرسلت أيضاً قوات خاصة تمركزت في الجانب التركي قرب الحدود التركية مع سورية، ناقلة عن مصادر أمنية قولها إن قوات أمريكية وفرنسية خاصة موجودة منذ أسابيع في قاعدة انجرليك التركية.". وهذا يجعل الشكوك قائمة بتنسيق دولي تقوده الولايات المتحدة الأميركية لشن هجوم على سورية قد تكون تركية هي الصاعق المفجر له ورأس الحربة فيه.. وهذا مقلق للغاية. ويجب أن يقلق الأتراك والسوريين قبل غيرهم لأن النار ستشتعل هنا في بيوتهم لا سمح الله. ومن الملاحظ أن تركية تبتلع الطعم أو.. فهي تصعد من استفزازها، وآخر ما كان هو تعرض طائرتين حربيتين تركيتين مساء الأربعاء 10 ت1 لطائرة ركاب مدنية سورية في رحلة عادية من موسكو إلى دمشق وإجبارها على الهبوط في مطار عسكري قرب مطار أنقرة وحجز حمولتها للتثبت منها. وقد أكدت مصادر روسية " في معلومات لصحيفة "كوميرسانت" أن هذه الطائرة حملت 12 صندوقا تحتوي على "عناصر فنية لرادارات الدفاع الجوي والوثائق التكنولوجية الخاصة بها.. وهذه ليست سلاحا ولا تشكل أي خطر على الطائرة، وأن مَن ينقل هذه البضائع لا ينتهك أي قانون دولي.".!؟

2        - مقاربة الوقائع والمعطيات والحقائق موضع الخلاف والصراع الراهن بين البلدين بعقل مفتوح ومسؤولية أخلاقية وسياسية وإسلامية – إنسانية، وهي مقاربة باتجاه خلق مناخ يساعد على الرؤية السليمة والتفكير الصحيح والتدبير بحكمة، ويمكِّن من وضع كل حدث وفعل وتصرف وتصريح في موقعه، وإعادة ترتيب الوضع بما يساعد على فهم أفضل له وخروج آمن منه.. وتوفير تواصل بناء يحقق قدرة أكبر على لجم الانفعالات والتصرفات الضارة، وإخراج الحطَّابين من محيط الموقد المشتعل حتى نحاصر النار. ومن المفيد في هذا المنحى تدخل طرف ثالث بين تركيا وسورية بنزاهة وسرعة وحنكة وحكمة لانتزاع فتيل الأزمة، ولإقامة جسر تواصل يعزز التفاهم والثقة والعمل المشترك بين البلدين الجارين، بما يحفظ لكل بلد سيادته وكرامته ومصالحه وحقوقه، ويجنب البلدين الدخول في صراعات دامية ومكلفة تجر المنطقة كلها إلى حرب مدمرة.

3        - تحرك قوى ضاغطة "شعبية وثقافية وسياسية" في البلدين " تركية وسورية"، تدفع باتجاه التهدئة واللجوء إلى الحوار والتفاهم ومن ثم التعاون لحل المشكلات بينهما، وترك التدخل في الأمور الداخلية لأي منهما جانباً. وإذا كان ثمة من رأي ونصح ورؤية تدفع باتجاههما المسؤولية الإنسانية والإسلامية وعلاقات الجوار والعلاقات والتبعات المشتركة فيقدَّم كل ذلك بالحسنى وبما لا يسمح لأي طرف بأن يرى أن من حقه أن يجبر الطرف الآخر على الأخذ برأيه ورؤيته بعنجهية وتحت التهديد بالقيام بأعمال من تحت الطاولة أو من فوقها تؤذي الطرف الآخر.

إن تركية وسورية مسؤولتان بصورة مباشرة عن عدم السماح لأحد، من الداخل أو من الخارج، بأن يشعل النار ويحرق البيت المشترك بما فيه ومن فيه.. تركية ليست بمأمن من نار كرة النار المشتعلة ونسيجها السكاني والجغرافي مهدد كما مصالحها، وسورية هي الأخرى ليست بمنجى من ذلك أو من شيء قريب منه إذا تطوت الأحداث باتجاه تدخل خارجي بالقوة المباشرة أو غير المباشر’.. ولذلك فإن من واجب كل من البلدين أولاً أن يلتفت إلى كل الجهات التي يوجد فيها أو قد يوجد فيها مُشعل نار ونافخٌ فيها وناقل حطب وحامل بنزين.. وعليهما أن يتجاوزا عن أمور تحدث في حالات الانفعال والتحدي، وعن أخطاء صغيرة حتى لا تكبر وحتى عن أخطاء كبيرة حتى لا تتحول إلى أزمات، والصلح خير .. الصلح خير. وعلى جوارهما مسؤولية خاصة في هذا المجال، وعلى العرب والمسلمين مسؤولية أعم وأشمل.. ولكن يبقى التدخل النزيه السريع أحد أهم المفاتيح وأوجبها حدوثاً.. ولا أعلق أهمية في هذا المجال على دور المبعوث الدولي الأخضر الإبراهيمي لا لعيب فيه ولكن لأنه محكوم بأجندة غيره شاء ذلك أم أبى.

دمشق في 12/10/2012

                                    

                                         علي عقلة عرسان

 

انشر عبر