شريط الأخبار

عباس ومشعل .. نبيل عمرو

09:40 - 02 حزيران / أكتوبر 2012

يواجه الزعيمان؛ محمود عباس وخالد مشعل، استحقاقات تبدو مستحيلة، وبناء على ذلك فالاثنان وفي وقت متقارب أفصحا عن عدم رغبتهما في مواصلة القيادة.

الغلاف الأخلاقي والإعلامي لاضطرار أي زعيم لمغادرة موقعه هو «الزهد» واحترام تداول السلطة وكراهية التشبث بها، مع القول غالبا: دعوني أفسح في المجال لغيري، لعله يوفق في القيادة أكثر مني..!

وهذه المعاني التي غالبا ما تكون متجاهلة طيلة سنوات الحكم، تظهر فجأة وبإلحاح أمام الأزمات، أي حين يصل أي زعيم إلى حالة انحسار الخيارات، ولنبدأ بحكاية عباس ثم خالد مشعل.

عباس:

في الاجتماع الأخير الذي دعا إليه عباس ما يزيد على خمسين شخصية قيادية سياسية وفصائلية واقتصادية وأمنية، وجه الزعيم الفلسطيني نقدا مريرا للجالسين، واجتهد في اختصار المنحى العام لهذا النقد بالإشارة إلى موضوعين؛

الأول، ولاء جميع القيادات له داخل الغرفة ومعارضتهم الشديدة له في الشارع.

والثاني، وهو متعلق بأوسلو، حيث الجميع قال فيه أكثر مما قال مالك في الخمر، دون أن يطرح أحد بديلا عمليا عنه، أو حتى آليات محددة للخروج منه. ذلك إلى جانب أمور أخرى لا أعرف مدى دقتها وصدقيتها، حيث ما إن انتهى الاجتماع على هذا المستوى وبهذا الحشد الضخم، حتى امتلأت الشوارع بالروايات، معظمها يشيد ببطولات لم تحدث بالطبع، والبعض القليل الآخر قد يروي جزءا مما حدث بموضوعية!

في المنحنى الأول، أي الولاء في الغرفة والمعارضة في الشارع، فقد ظهر الأمر جليا في كيفية تعاطي كثير من أعضاء القيادة مع الحراك الشعبي حول الأزمة المالية، محاولين من قبيل المجاملة إيجاد هامش يفصل بين الرئيس عباس ورئيس وزرائه سلام فياض، وعلى الرغم من وجود هذا الهامش بنسبة ما بحكم الاختصاص، فإن الأهم هو عدم منطقية الفصل بين عباس وفياض، خصوصا حين كرر عباس، أكثر من ألف مرة، أن حكومة فياض هي حكومته، وأنه موافق على جميع القرارات التي اتخذتها لمعالجة الأزمات المالية والإدارية وغيرها، وكأنه يقول للمجتمعين إن فياض هو الاسم الحركي للأزمة، وأنا وهو وأنتم في مركب واحد، فلا مجال للمناورة في هذه المساحة الضيقة وغير المنطقية وغير المفهومة.

في المنحنى الثاني يتعلق الأمر بأوسلو، حيث لم يكتفِ معظم الذين أدانوها بالقول إنها فشلت وأسباب الفشل كذا وكذا، والحل هو كذا وكذا، وإنما بلغ الأمر بمعظمهم حد تحميل أوسلو المسؤولية عن كل الكوارث التي ألمت بالشعب الفلسطيني منذ توقيعها «المشؤوم» إلى ما لا نهاية.

إن هذا المنطق لا يستقيم مع حقائق الوضع؛ فعباس اسمه حتى الآن مهندس أوسلو، ومعظم الجالسين على مائدة الخمسين أو أكثر صادقوا على أوسلو بعد أن شرح لهم عباس الاتفاق وبالتفصيل الممل، قبل إعلانه، أي أثناء انعقاد المجلس المركزي في تونس، الذين عارضوا في حينه برفع الأيدي «ضد»، فإنهم بالممارسة انخرطوا في التجربة عبر مواقع متفاوتة في البناء السلطوي. ولأن الديمقراطية الفلسطينية «سكر زيادة» - على حد وصف الراحل عرفات - فمن المسموح به للوزير والوكيل والسفير والمدير العام نقد أوسلو وإدانتها مع احتفاظه بالمواقع التي صممتها أوسلو، ومنحته كل إمكانيات العمل حتى حين لا يكون المسمى يعمل بالفعل!

هنا قال عباس (والذمة على الراوي وهو قائد مكعب في فتح والمنظمة والسلطة): «خذوا الآن قرارا بإلغاء أوسلو كي أبلغ نتنياهو به، فكان الصمت المطبق هو سيد الموقف»!

هذا داخل بيت المنظمة والسلطة الذي هو بيت عباس بامتياز، أما في حال من هم خارج البيت، ودعونا نختصر الأمر بأميركا وإسرائيل، فقد بدا واضحا تراجع الدعم لعباس، وانطفاء الرهانات عليه، ورأس الحربة في أميركا هو الكونغرس، ورأسها الثاني في إسرائيل هو ليبرمان، والحجة أن الرجل الذي تكرس في الأذهان كرجل الاعتدال الأول أضحى رجل التشدد، والتشدد في إسرائيل مقاييس غريبة لا تخضع لمنطق موضوعي، وإنما لمنطق خاص.

مشعل:

بعد 16 سنة على رأس المكتب السياسي لحركة حماس، يجري الحديث بكثافة عن زهد الرجل في الاستمرار على رأس الحركة، واستعداده للعمل جنديا في صفوفها، وكراهيته للتشبث بالموقع، والتزامه بإفساح المجال لغيره.

وكما قلت فهذا هو الغلاف الإعلامي والأخلاقي لاضطرار زعيم لمغادرة الموقع الأول. وبصرف النظر عن مدى صدقية التمسك بهذه المعاني، فإن ذلك لا ينفي وجود أزمة معلنة داخل الحركة المتكتمة تاريخيا، وإن أصواتا نافذة فيها طالبت وعملت من أجل تنحي مشعل، ليس فقط لأنه لم يتشاور مع الإطارات في أمر اتفاق الدوحة، ولكن لأنه اعتدل أكثر من اللزوم في أمر المصالحة وفي أمر التسوية، ولكي لا يحاط إشكال قيادته للحركة بأي قدر من الالتباس، فقد وجد خصومه الداخليون موقعا نموذجيا للانقضاض عليه، عنوانه جدارة قيادة الداخل في قيادة الحركة؛ فالكفاح في الداخل، والشهداء في الداخل، ومركز الفعل هو الداخل، ثم حكومة حماس مالئة الدنيا وشاغلة الناس هي في الداخل أيضا، وكذلك هذا ابن عمي على تخوم غزة، أي القاهرة، خليفة.. لو شئت إلى آخر البيت الشهير.

ومع أنني أنا المختلف كليا مع حماس، لا يجوز لي إبداء النصح في هذا الأمر، إلا أني أجتهد بالقول: إن فترة قيادة مشعل للحركة كانت هي الفترة الأهم في تاريخها الحديث.. لقد نجح مشعل في جعل الاعتدال المعقول مفتاحا سحريا لفتح الأقفال المغلقة إقليميا ودوليا، ولولا مسحة الاعتدال هذه لكانت حماس تأثرت سلبيا في حجمها ونفوذها وتحالفاتها. وحتى حين وصل «الإخوان» إلى واجهة الحكم في مصر، فقد بات اعتدال حماس هو الخدمة الأكبر التي يمكن أن تسديها لـ«إخوان مصر».. وبوسعي القول إذا تم الاستغناء عن مشعل في هذه الأيام فالتوقيت خاطئ والرسالة خاطئة أيضا.

دعونا نراقب، وأن نضع قاعدة للتقويم والقياس مفادها أن الاعتدال والتشدد هما أساس التقدم والتقهقر في الحالة الفلسطينية، بدءا من المواقع الأولى وإلى ما لا نهاية.

وحين يعرب زعيم السلطة عن رغبته في ترك مواقع القيادة ويعلن رئيس المعارضة كذلك، فبوسعنا معرفة طبيعة المأزق الفلسطيني الراهن.. وهو مأزق عمودي وأفقي. إنه شامل لكل جوانب الحياة السياسية الفلسطينية.

والخلاصة: ليس هكذا يتم الخروج من المأزق، ذلك أن البناء كله أضحى بحاجة إلى إعادة نظر.

انشر عبر