شريط الأخبار

فتحي الشقاقي.. تصحيح مسار.. غادة زقروبة

02:58 - 30 تشرين أول / سبتمبر 2012

بقلم: غادة زقروبة، تونس*

على ركام عروبتنا نقف خجلين في محيّى ذاكرة تفتقده.

هو الذي تعثر به القدر فرسم ذاكرة للقضية.

اليوم،نحاول إحياء ذكرانا فيه لأننا مازلنا مثقلين بسقط كرامتنا أما هو فقد اهتز بشموخ كرامته الفلسطينية. كان والأرض واحدا لا يتجزآن.

له إحدى صفات التاريخ: الاستمرارية. استمر فينا وفي الوطن عنوة لا مواربة، فلم يعد ذكرى مكتملة لان في الذكرى انتهاء وقد كانت له القدرة على مباغتة الزمن ليبقى أبدا، فكان الحدث المستفز للحدوث المستمر.

القائد الشهيد فتحي الشقاقي، قامة أخجلت تاريخنا الجاهز دوما لعزة اقل.

فتحي الشقاقي شخصية لم يجرفها الزمن وظلت رغم العمر المقصوف غدرا لأنها عرفت كيف تصنع المسار وكيف تصححه.

·       المسار الذاتي

انطلق عروبيا، ناصريا وانتهى مجاهدا، قائدا مؤسسا لحركة تحتفي بالجهاد نهج حياة.

كان الشهيد القائد مرنا في إنسانيته وقادرا على رسم معالم تاريخانيته بعيدا عن وهم الشعارات، وعرف ذات هزيمة في 1967 ان القومية ليست عربية بل اسلامية وترسخت الفكرة بعد الثورة الإيرانية، هذه التي لا نود كعرب الاعتراف بها ليس لجوف يصيبها ولكن لخرق في نفوسنا المريضة فنحن العرب مازلنا الى اليوم نتناحر ونتقاتل فيما بيننا بدعوى المذهبية والقومية وكأننا فعلا أسمى شعوب الارض ثم نأتي لنلوم عدونا حين يزعم انه "شعب الله المختار" فنواجهه –وكأننا نفهم مقاصد ديننا-  لنقول نحن "خير امة أخرجت للناس" دون ان ندرك مقصد الاية التي نرى فيها من فرط نزعتنا القبلية، عروبتنا. بينما المقصد الاصلي والاصيل: الإسلام. اي ان الأمة المقصودة هي امة الإسلام، هذا الدين الذي جاء ليوحدنا عربا وفرسا، شيعة وسنة.

ندرك أن الوعي القطيعي، القبلي (بفتح القاف والباء) هو وعي طفولة الإنسانية ولما أدركت هذه الإنسانية مرحلة نضجها التاريخي سقط الوعي القطيعي لانه مجرد خطوة عابرة في  مسار.

حركة التاريخ هي حركة دائمة تتقدم بتصحيح أخطائها بينما نحن العرب غادرنا هذه الحركة ورفضنا التفريط في وعينا القطيعي القبلي رغم أن نبينا صلوات الله عليه كان قد أخرجنا قبل كل الشعوب الى نور الانسانية الناضجة لندرك حركة التاريخ ونصحح المسار.

نحن اليوم بسذاجة مطلقة نريد ان نعلم العالم كيف سنبلغ النضج التاريخي بالتناحر والتباغض والمذهبية والقبائلية.

فتحي الشقاقي لم يسقط في مستنقع الأيديولوجيات ونأى بنفسه عن زخم الشعارات وأدرك بعقله وفكره وعلمه الطريق الملكية للمقاومة كسبيل وحيد للتحرر الوطني والذاتي من احتلال ومن تأخر.

اختار مساره: الإسلام منهجاً.

بعد ان وقف صادقا متأملا وضعا عربيا ووطنيا يزيد سوءا أدرك قيمة تصحيح المسار و ماهى حركة التاريخ والفعل النبوي المحمدي العظيم.

رفض البقاء ناصريا لانه ادرك فشل التجربة بالمقاييس الناصرية وأطلق الحرية في ذاته للمنهج الذي يرقى على كل الأيديولوجيات وينأى عن الأنساق الفكرية: الإسلام.

فكانت المقاومة إسلامية.

·       المسار الوطني

ان مفهوم الجهاد عند القائد الشهيد فتحي الشقاقي اخذ معناه الحقيقي ومساره الاصيل فلم يكن الجهاد لعبة قتال تكون الغلبة فيها للأكثر دموية كما يُروج للجهاد اليوم.

المفهوم معه يأخذ أرقى تجلياته: المقاومة.

من تناقضات الواقع ان نجد العالم كله وعلى رأسه المنظمات الحقوقية يبارك فعل المقاومة كمشهد تحرر لدى الشعوب المغتصبة ولكتهم ينادون باستمرار، بالمقاومة السلمية وكأن الاحتلال سلمي.

المقاومة في زمن الاحتلال لا يمكن ان تكون سلمية فالوضع كله غير سلمي وعندما يدخل منطق الدم ميدان الحرب تصبح كلمة "سلمي" كلمة مفرغة من محتواها.

اما من تناقضات المقام فإننا نرى العالم كله يرى مثال المقاومة يأخذ رمزيته في شخصية ارنستو جيفارا كثائر محترم ومعترف به دوليا !. هذا الثائر ذاته لو كان مسلما لما اعترف به لانه وقتها سيكون المجاهد جيفارا.

الاختلاف الحاصل بين لفظي المقاوم جيفارا والمجاهد جيفارا هو الاسم ذاته، "جيفارا" اما الفعل فهو هو لم يتغير.

بهذا المعنى سنصل الى ان الشخوص متغيرة لكن المسار واحد، والمقاومة هي الجهاد ذاته بالتسمية الاسلامية.

ومن تناقضات المقام ايضا ان نرى في تاريخ تونس  رئيسها الراحل الحبيب بورقيبة  يُلقب بـ"المجاهد الأكبر" مع انه لم يكن مسلما وكانت التسمية تروق ولا تقلق القوى الامبريالية لانهم يعرفون تماما انه لا يدين بالإسلام.

بات واضحا اذا ان المشكل مع هذه القوى ليست المقاومة كفعل تحرر ولكن الجهاد كفعل تحرر.لذلك كانت اسهل طريقة لمحاربة الاسلام صنع فزاعة الارهاب.

واذا لاحظنا ان جوليان اسانج مؤسس موقع ويكليكس اتهم ايضا بالارهاب نكن متأكدين فعلا ان كل من يهدد المصالح الامريكو-صهيونية هو ارهابي.

ان مفهوم الجهاد هو مفهوم المقاومة في ثوبها الإسلامي وبضوابطها الشرعية وأخلاقياتها الحربية ولا فرق بين مقاومة الغاصب او مجاهدته.

عودا على بدء، الشهيد القائد فتحي الشقاقي كان مدركا لأبعاد الفهم الصحيح للجهاد كنهج إسلامي كما كان ذكيا فطنا منفتحا على كل التيارات الفكرية والسياسية حتى اليسارية منها فالأصل عنده تحرير الأرض التي هي لكل الفلسطينيين بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم واعتقاداتهم. هم شركاء في الارض والدم والتاريخ فصوّب القائد فكره وجهاده الى منحى القضية ولم يترك الوصاية لأحد عليها.

صحح مساره الوطني بما تعلمه من أخلاق النبي الأكرم محمد صلى الله عليه واله وسلم فلم يقصي أحدا ولم يتقوقع على ذاته ونهجه فكان لفلسطين وحدها. هو اكتشف طريق النجاح الحقيقي في المقاومة بأن لا للانقسامات ولا للتقوقع ولا للعصبية فهي ما يفيد عدونا وما يكسر ظهورنا ويشتت كلمتنا.

لك يا قائدنا محبة واحتراما بحجم عمر ينتظر...

غادة زقروبة: متحصلة على الاستاذية في الفلسفة من جامعة تونس الأولى (كلية العلوم الإنسانية والإجتماعية)

انشر عبر