شريط الأخبار

درس بيبي المعكوس- هآرتس

11:42 - 30 حزيران / سبتمبر 2012

بقلم: أمير أورن

كانت اللحظة الأشد احراجا في خطبة نتنياهو في الجمعية العامة للامم المتحدة هي ذكر والد زوجته سارة. وقد وجد نتنياهو لذلك تعليلا قسريا: ففي المستشفى الذي عالج أقرباءه العجزة في أواخر حياتهم يعالج فلسطينيون ايضا. هذا غير مقنع ويُذكر بقصة رئيس نتيف السابق يعقوب كدمي كيف توسل نتنياهو في زيارة رسمية لموسكو كي يذكر نظيره آنذاك فكتور شرنوميردن في مباركته اسم سارة ايضا. ورد شرنوميردن باستغراب مثير لكنه استجاب للالحاح.

هذا أمر ضئيل الشأن شخصي قد يُبين شيئا ما القوى التي تعمل في رئيس حكومة اسرائيل. كي نتغلغل الى منتهى رأيه السياسي ونقلق بصورة لا تقل عن ذلك ينبغي ان نقرأ النظائر التاريخية التي هي أساس لمواقفه. ان نتنياهو ليس حساسا بصورة كافية بمعاني هذه النظائر ولا يشتق منها الدروس القابلة للتحقق في حالة ايران.

يجعل نتنياهو كما تعلمون في مركز دعاواه الـ "كازوس بلي" – سبب الحرب، وهو جزم من طرف واحد أن تقدما ما آخر في المسار المفضي الى قدرة ذرية عسكرية سيكون بدء حرب اسرائيلية على ايران. لو ان نتنياهو كان جديا لعاد الى بيته وأعلن وضع طواريء وسياسة اقتصادية ملائمة – لأنه بدأ العد التنازلي لحرب صيف 2013. هكذا الحال في الداخل؛ أما في الخارج فان اسرائيل تحتاج الى موافقة الاعضاء الدائمين في مجلس الامن على عمليتها. حتى لو ضُمن فيتو امريكي، برغم تحرش نتنياهو ببراك اوباما، فسيكون قادرا على الأكثر على صد اجراءات معادية، لكن الدبلوماسية غير قادرة على الاعتماد على فيتو كهذا. سيُحتاج الى صفقة؛ ان تنازلات امريكية فقط لصالح ايران أو الفلسطينيين أو في قضية عالمية مختلفة تماما، ستشتري التعاون الروسي والصيني.

لكن نتنياهو يتحدث كأمريكي يرى الروس أو آباءهم السوفييت أعداءا. ومن هنا يأتي استعماله التبسيطي لازمة الصواريخ في كوبا باعتبارها نموذجا للتصميم الذي أقام تحديا في مقابل تحدٍ وصد المعتدي الى الوراء.

ان ما حدث في مثل هذا الشهر قبل خمسين سنة في قضية الصواريخ الكوبية يعطي درسا هو عكس الدرس الذي أراد نتنياهو ان يعلمنا إياه. فقد انتهت المواجهة اذا نظرنا في الميزان وقد حُذفت منه الدعاية والاسطورة حول الرئيس جون كنيدي الى تعادل مع تفوق سوفييتي لا الى نصر امريكي. فقبل اجراء نكيتا خروتشوف من اجل ادخال صواريخ ارض – ارض لمدى متوسط الى جزيرة تبعد عن فلوريدا مثل بعد صيدا عن تل ابيب، بصورة سرية أجرت ادارة كنيدي معركة لاسقاط فيدل كاسترو. وفي جنوب اوروبا نصب كنيدي صواريخ قريبة من مناطق سوفييتية. وكان المقابل لابعاد خروتشوف الصواريخ عن كوبا ان أزال كنيدي الصواريخ من تركيا وايطاليا والتزم بالكف عن التدبير لاسقاط النظام الشيوعي في هافانا.

ان الانطباع الذي نشأ في أعقاب تنفس الصعداء في أنحاء المعمورة بسبب موافقة القوتين العظميين على التراجع عن هاوية الحرب العالمية الثالثة التي كان التعبير المحسوس عنها صد السفن السوفييتية عند حدود الحصار الذي ضربه سلاح البحرية الامريكي، كان ان كنيدي أخضع خروتشوف. وكان لهذا الانطباع تأثيرا في قرار زملاء خروتشوف في فوليتبيورو بعد سنتين، على إبعاده بتهمة المغامرة والتسرع وعدم الجلالة. وبالفعل ظلت الصواريخ الذرية من الغواصات وقواعد الاطلاق البرية تهدد القارة الامريكية، فالخطر لم يقل بل فقد عنصرا واحدا من عناصر كثيرة فقط وليس هو أهمها.

ان ما يوحيه نتنياهو لايران باعتماده على كوبا هو ان الامريكيين يستطيعون مقابل التخلي عن الاستمرار في التقدم الظاهر نحو الذرة احراز تنازل اسرائيلي مقابل. فمثلا اذا عارضت اسرائيل الوفاء بنصيبها بتجريد الشرق الاوسط من السلاح الذري سيضبطون في واشنطن أنفسهم بسبب حصول ايران على القدرة الذرية بشرط ألا تثير الاهتمام، وهذه هي صيغة "لن نعرض ولن نُجرب" سلاحا ذريا، وهي الصيغة التي سمعها كنيدي وورثته من الاسرائيليين منذ 1963.

ان خطبة نتنيناهو تخرق خرقا خطيرا في هذا الاتجاه لأن الغلاف اللغوي عنده كالعادة، ويفضل ان يكون مرسوما، أهم من المضمون الجوهري.

انشر عبر