شريط الأخبار

الإساءة لنبي الإسلام لمصلحة من؟...بقلم: محمد خليفة

12:44 - 23 تشرين أول / سبتمبر 2012

بقلم: محمد خليفة

 الاحتجاجات الواسعة التي تجتاح العالم الإسلامي ضد الفيلم المسيء لنبي الرحمة محمد (ص) ليست الأولى من نوعها، بل سبقتها احتجاجات أخرى في الأعوام السابقة ضد رسوم مسيئة إلى شخص النبي أيضاً . وفي كل مرة تُشحن النفوس في العالم الإسلامي ومن ثم تترك لتعود إلى طبيعتها، ومن ثم يُعاد شحنها بفيلم جديد أو صورة مسيئة أو بموقف مسيء . ويتم ذلك في دول الغرب تحت شعار ما يسمى “الحرية والديمقراطية”، وهي طريقة مضحكة إلى حد بعيد، لأنها تمشي باتجاه واحد وضد عدو واحد هو العرب والمسلمين . ولكن لماذا لا يُسمَح بنقد “إسرائيل” أو التشكيك بما يسمى “محرقة اليهود” في الحرب العالمية الثانية؟ ولماذا كل من يتعرض لهذا الأمر يُسجَن؟ وقد سُجن الكثير من المفكرين في أوروبا وعلى رأسهم المفكر الفرنسي الكبير “روجيه غارودي” فقط لأنهم شكّكوا في حصول تلك المحرقة المزعومة . فما الذي يمنع دول الغرب من معاملة المسلمين ونبي المسلمين بنفس الطريقة؟ ولماذا يُتاح انتقاد الإسلام بهذه الطريقة المهينة ومن دون رد فعل جدي وعقلاني؟

لا شك أن هناك خللاً في العلاقة بين العالم العربي والإسلامي وبين العالم الغربي، وهذا الخلل يعود إلى اللحظة التي ظهر فيها الإسلام كقوة عالمية، فقد جابهه الرومان الذين كانوا يقودون أوروبا، آنذاك وحاربوه، وربما يعود ذلك إلى شعورهم بأن قبولهم بالإسلام يعني انتهاء هويتهم . وكذلك فعلوا مع الدين المسيحي، فقد حاربوه وقتلوا الكثير من الرُسل والقديسين، وذلك على مدى ثلاثة قرون .

ولم يكن المسيحيون يخوضون حروباً عسكرية ضد الرومان، بل كانوا يحاربونهم بالكلمة والموقف الثابت الذي لا يتزعزع والذي أدهش الرومان ودفع الإمبراطور قسطنطين إلى الاعتراف بدين المسيح بموجب مرسوم ميلان عام 313 للميلاد، واعتنق هو هذا الدين، ومن ثم أصبح هذا الدين، فيما بعد، دين الإمبراطورية الرومانية . لكن العرب المسلمين واجهوا الرومان بالسيف وقهروهم وأخرجوهم من سوريا ومصر وشمال إفريقيا، وضيّقوا الخناق عليهم في آسيا الصغرى وجاؤوهم من الغرب عبر إسبانيا، وكادوا يقضون على شوكة المقاومة في أوروبا، لولا تدهور أحوال المسلمين بعد انهيار الإمبراطورية الأموية عام 131 للهجرة، وقيام الإمبراطورية العباسية التي صرفت همها عن موضوع الفتوح وركزت على إصلاح البيت الداخلي ومحاربة المنشقين . فانكفأ المسلمون عن أوروبا، لكن ظلت لغة الحرب هي السائدة بين الجانبين . وعندما انبعثت أوروبا بعد اكتشاف قارة أمريكا في بداية القرن السادس عشر، ظهرت فيها قوى عظمى بسطت سيطرتها على معظم أرجاء العالم- ومن ضمنه العالم العربي والإسلامي- وترك الأوروبيون مظالم كثيرة في هذه الأمة وعلى رأسها قضية فلسطين التي تشكل اليوم النواة الأساسية للصراع بين العرب والمسلمين من جهة، والغرب الأوروبي والأمريكي من جهة أخرى؛ ذلك أن وقوف الغربيين إلى جانب “إسرائيل” وتأييدها في عدوانها المستمر على حساب الحق العربي، هو الذي أجج العداء بهذه الصورة، فمهما ارتكبت “إسرائيل” من اعتداءات لا أحد في الغرب يراها، ولا يُسمح لأحد بانتقادها، بينما يتم السماح بانتقاد الإسلام ونبي الإسلام تحت مسمى “حرية التعبير في مجتمع مفتوح” .

إن الاستمرار في الاستهزاء بالمسلمين بهذه الطريقة في أوروبا وأمريكا، سوف لن يؤدي إلى التأسيس لمستقبل جديد في العلاقة بين الجانبين، بل إنه سيزيد الأمور سوءاً . فالاحتجاجات اليوم في الدول العربية والإسلامية موجّهة ضد الولايات المتحدة باعتبارها تمثل رأس النظام الغربي . وهي رسالة يدركها الغربيون جيداً . والواقع أن هناك قوى في الغرب من جماعة المسيحية الصهيونية المتطرفة تسعى إلى تسعير نار الصراع بين الغرب والعالم الإسلامي، بوصفه العدو التقليدي، للتعجيل بوقوع ما يسمونها معركة “الهرمجدون”، وهي معركة، يعتقدون، أنها فاصلة بين قوى الخير وبين قوى الشر والتي ستؤسس، كما يزعمون، لمجيء المسيح المنتظر وللعصر الألفي السعيد .

طبعاً يملك الغربيون اليوم التفوق الواضح على العالم العربي والإسلامي في جميع أنواع القوة من عسكرية واقتصادية وسياسية . ومن هنا، فإن رسالة العرب والمسلمين ينبغي أن تكون مختلفة عن رسائل الاحتجاجات وحرق السفارات، بل يجب أن يتحمل مسلمو اليوم الأذى كما تحمله مسلمو مكة، وأن يلتفت المسلمون إلى بناء أوطانهم وقوتهم، وعندما يكونون أقوياء سوف تحترمهم كل شعوب الأرض ومن بينها الشعوب التي تحاول ازدراءهم اليوم .

 

انشر عبر