شريط الأخبار

فلســطين.. «أولا وآخــراً وبيــن بيــن».. نصري الصايغ

02:45 - 22 تموز / سبتمبر 2012

نصري الصايغ - صحيفة السفير - بقلم

I ـ التطبيع أولاً؟

شيء سابق لأوانه، حدث من زمان. التطبيع، سبق «السلام» وتوابعه. حتى إسرائيل لم تكن تتوقع ذلك. كانت تضعه شرطاً تعجيزياً. ما عجزت عنه إسرائيل، تبرّع المطبعون بإنجازه. ثم كرت السبحة، وصار التطبيع طبيعياً، عاديا. صار فضيلة وحضارة. بات تقدمية وحداثة. من تأخر عنه متخلف، ماضوي، قومجي، أرعن، ولا يفهم مسارات العصر.

وهكذا، كي تكون إنساناً طبيعياً، في عصر التطبيع العربي و«ثقافته» المنتشرة والميسّرة والكاسحة والمتعالية، عليك أن تناضل وتنخرط في مسار التطبيع، لنصرة «الحق في الحياة».

كان يمكن التسامح مع التطبيع لولا ما يلي:

II ـ بديهية أولى: فلسطين هي فلسطين

أخيراً، ولدت فلسطين في أوسلو. هكذا قيل. هكذا أفهمنا ولم نقتنع. أوسلو دفنت فلسطين، واعتقلت سلطتها ومنظمة التحرير التي تكرست من أجلها... فلسطين قبل أوسلو، أكبر بكثير من فلسطين المقاطعة المحاصرة. الفلسطينيون قبل أوسلو، أقوى بكثير وبما لا يقاس، من فلسطينيي الضفة، ومعذبي الأرض المقدسة. هامش المناورة الديبلوماسية، قبل أوسلو، أوسع بكثير من الزقاق الديبلوماسي الذي حشرت فيه السلطة: إسرائيل أمامكم ووراءكم وفوقكم وعلى أرضكم وعليكم أن تفاوضوها على ما تريده لا على ما تريدونه كفلسطينيين.

فلمَ هذا التصعيد في التطبيع وفلسطين الموعودة، موؤودة؟

غريب، نطبّع مع إسرائيل، ونقطع الصلات بالفلسطينيين. نتاجر ونموّل إسرائيل، ولا ندفع كسرة خبز لسد رمق الفلسطيني برغيف عربي. فلسطين بعد أوسلو، ترك أمر تقرير مصيرها لإسرائيل وحدها. لا يحق لأي نظام عربي، ولو كان صديقاً معلنا أو سرياً لإسرائيل، أن يتدخل... أنظمة التطبيع تمارس نهج: «نفذ ولا تعترض أبداً». استقال العرب الرسميون بفرح من فلسطين. تركوها لأميركا، فتخلت عنها. تركوها لأوروبا، فهربت منها، لقاء فدية تدفعها معونات لشعب يريد أن يأكل. الفلسطيني أوروبياً، هو بطن فارغ فقط، لا كرامة ولا وطن ولا حياة.

كانت فلسطين قبل أوسلو، وإبان انتفاضتها الأولى، تخيف العالم. التطبيع أقالها من موقعها، وألزمها بالإقامة الجبرية بكاملها، بحراسة إسرائيل، وضرورة تعاون أجهزة الأمن الفلسطينية معها لحفظ أمنها. فلسطين بعد أوسلو، شرطي سير، وشرطي مرور، وحارس لحدود إسرائيل غير المحددة، ولمستوطناته المنتشرة.

هذه هي فلسطين... بعد التطبيع. هدية التطبيع لم تقبلها إسرائيل، لعلها تريد استسلام الفلسطينيين الأخير. أو لعلها تريد الإمحاء الفلسطيني.

فماذا نقول للمطبّعين؟

لعل لغويا عبقريا يكتشف لفظا يفوق الخيانة، لنصف به المطبعين... ثم، لو أن المسألة سياسية فقط، لهان الأمر. فلسطين يا أهل التطبيع من دماء. اسرائيل ليست دولة اعتداء، بل دولة احتلال بجهوزية الاقتلاع بكل ما أوتيت من عنف وأسلحة ومذابح ومجازر. هذه مرتكبة المذابح بلا ندم. صبرا وشاتيلا، الرصاص المسكوب، عناقيد الغضب...

لعل لفظة التطبيع في هذه الحالة، تفي بمعنى التفوق على الخيانة. التطبيع هو التباهي بالخيانة.

III ـ بديهية ثانية: أميركا هي أميركا

الولايات المتحدة الأميركية دولة عظمى، لا مفر من أخذها بعين الاعتبار، ووضعها في الدرجة الأولى من الاهتمام. وأميركا هذه، كان يمكن ان تكون دولة طبيعية نسبيا، لها ما لها وعليها ما عليها. تخطئ وتصيب، تحالف وتخالف، تطغى وتعدل، تساعد وتهدد، تعقد سلاماً أو تشعل حرباً... كان يمكن اعتبارها دولة طبيعية جداً، ذات نظام رأسمالي نيوليبرالي اجتياحي، تقف في وجهه، تقاومه وتسالمه، أو تخشاه وتتجنبه... وكان يمكن اعتبارها دولة فائقة النفع، علميا واقتصاديا وفكريا وإنتاجيا وإبداعيا وثقافيا وفنيا وإداريا واختصاصيا... كان ممكناً كل ذلك لولا هذه التوأمة بإسرائيل، بحيث بتنا نرى ان اسرائيل، هي الولاية الأكثر رعاية وحماية واعتباراً ودلالاً ونفوذاً، من كل الولايات الملتئمة في الدولة الاتحادية.

أميركا يا أهل التطبيع، هي اسرائيل الكبرى في ما يخصنا نحن كعرب. أميركا تنظر إلينا، في هذا الاتساع الجغرافي، من مطرحين اثنين: المطرح الاسرائيلي، والمطرح النفطي. وما بين هذين المكانين، ترسم السياسات الأميركية الخاصة بها، والمختصة بإسرائيل. بعد الخامس من حزيران، خسرنا حروبنا، بسبب السلاح الأميركي والتهديد الأميركي بالتدخل. أميركا أخذت «عربها» لمحاربة السوفيات، لقتالهم في أفغانستان، وهي تأخذهم اليوم لمواجهة ايران... عسكر أميركا من العرب، مشغول بكل شيء باستثناء فلسطين...

لا سياسة أميركية في الشرق الأوسط. هناك سياسة أميركية اسرائيلية. هذا هو اسمها ومضمونها. ومطلوب من كل عربي، قبل قبوله أميركيا، ان يكون على استعداد تام للتطبيع مع اسرائيل. والتطبيع على درجات، أخطرها التطبيع بالواسطة.

في كل العالم، أميركا تختلف عما هي عليه عندنا. هنا، أميركا هي أداة الحرب الإسرائيلية، بكامل الجهوزية. والخلاف بين أميركا وإسرائيل، لا يتعدى الخلاف على عقارب الساعة فقط، وعلى المواقيت، وفارق الزمن.

ان الأب السماوي لإسرائيل يقيم في أميركا... فالكفر بأميركا إيمان قويم.

IV ـ بديهية ثالثة: لبنان طائفي و«بس»!

في لبنان تراث معادٍ للطائفية، تراث فكري ونضالي ضد النظام الذي جعل من الطائفية رصيده الحيوي.. والمدمر معا... لم يجرؤ الطائفيون وعتاتهم الكبار، على مدح الطائفية. حتى بناة النظام الطائفي حاولوا، منذ البداية، بناء دولة، تنتقل من المواطفة إلى المواطنة.. قالوا بالطائفية الموقتة (المادة 95 من الدستور). وفي الطائف، أجمعوا على ضرورة طمأنة الطوائف إلى وجودها وتوازن حضورها في الدولة، تمهيدا لنقل لبنان بعد ذلك، إلى دولة بلا طائفية سياسية.

التطبيعيون تغلبوا على العيب. قفزوا فوق كل الحواجز. تسلقوا كل المواقع وداسوها، واعترفوا بأن الطائفية ليست حراماً لبنانياً، بل هي علة وجوده وبقائه، بمسيحييه وشيعته وسنييه ودروزه إلى آخر أرومات المذاهب.

لا مشكلة للتطبيعيين مع الطائفية. مشكلتهم مع طائفة خرجت عن الانتظام التطبيعي وقاومته. يريدونها طائفة مروّضة. يريدونها شيعية بلا سلاح، تماما، كما كان الموارنة يريدون السنة بلا عروبة، وبلا عبد الناصر.

والتطبيعيون، يبررون الكبائر لمصلحة الصغائر. لبنان طائفي، وطائفيته علة وجوده وفساده وقوته التي من ضعفه، وهي مرتع فساده. الطائفية رأس الفساد. كل فساد من دونها صغير. وبها، لبنان منهوب بحماية أقوى الأحزاب العابرة للطوائف: حزب الفساد.

لا علاقة لأهل التطبيع بمنظومة القيم السياسية والديموقراطية. لا عدالة ولا تنمية ولا حرية ولا مساواة ولا مساءلة ولا محاسبة ولا اقتصاد وطني... دولتهم معلولة، لأن طائفة محددة، في أكثريتها، تحمل السلاح لمواجهة اسرائيل.

هم، من حيث الانتماء، حداثيون: علمانيون، تقدميون، إنسانيون، ولكنهم يتقصدون عدم ترجمتها، ويقفزون من الشروط الموضوعية للتغيير، إلى الشروط المفروضة من أركان النظام العالمي. لذا، يمتثلون لمؤسسات المجتمع الدولي. غيورون على قرارات مجلس الأمن، ولو كانت ضد البلاد والعباد. مع لوائح صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة العالمية. مع استباحة الوطني من قبل الأممي. مع الأثرياء ضد الفقراء. الثراء هو التقدم والفقر هو التخلف. السلطة للأثرياء، الإعلام كذلك، الوطن كذلك، فلماذا كل هذه البنادق؟

هم انتقاميون جداً. مع الربيع العربي بشروط. هم مع ثورة هنا وضد ثورة هناك. هم ضد نظام استبداد هنا ومع نظام مستبد أو أنظمة مستبدة هنالك، فيما يفترض بالمثقف الملتزم بقيم الحداثة ومبادئها أن لا يميز، إلا بتعدد الظروف الموضوعية.

لا يمكن للمثقف ان يكون ضد الاستبداد ومع الطائفية المستبدة. أو ان يكون مع الحرية وضد التحرير، مع الثورة وضد المقاومة، أو مع المقاومة وضد الحرية، أو مع الثورة ومع أميركا (صانعة الاستبداد) أو مع الحرية ومع الاحتلال.

لا يمكن لمثقف حديث أن لا تكون فلسطين اولا وآخراً وبين وبين... أما جماعة «الاخوان»، فلا حول ولا قوة. كنا ننتظر فلسطين على طلتهم، وفاتحة قدومهم، غير أننا لم نسمع منهم بعد غير ما يطمئن المعسكر الأميركي، السعودي، القطري، رأس التطبيع العربي، ورأس الساعين لقطع رأس الربيع العربي.

V ـ أخيرا، في مقام أولا

كيف ننسى؟ مطلوب أن ننسى. التطبيع، هروب من الذاكرة، تهرب من الحقيقة، إفلات من المسؤولية، تبرير للفضيحة.

كيف ننسى؟ الاحتلال، جريمة القرن العشرين. جريمة متمادية لم تتوقف استيطانا واستلابا وحروبا وقتلا وأسراً وحصاراً وجداراً... الاحتلال طرد شعباً غير مسموح له ان يعود إلى بيته وبياراته وعشـقه ومســاقط أحلامه ورؤوس شهدائه.

كيف ننسى؟ إسرائيل، أبشع الدول على الإطلاق. أفدح العنصريات طرّاً. مبدعة التدمير، وحليفة الاضطهاد. على يديها دماؤنا. في تاريخها ضحايانا، ضحايا المجازر.

كيف ننسى؟ أكثر من نصف شعب فلسطين، ليس في فلسطين. وطنهم المنافي ومجتمعات اللجوء والذل والارتكاب. لا عودة البتة. (التطبيعيون يرون هذا الطلب غير منطقي، وتخطاه الزمن).

لن ننسى أميركا وما ارتكبته. لن ننسى ما اقترفته أنظمة الاستبداد العربية المتخاذلة والممانعة، سنجعل من ذاكرتنا هويتنا. ومن كانت ذاكرته هويته، عرف كيف يتمسك بالحقوق والقيم، وعرف كيف يعيد للقضية جدارة النضال من أجلها.

لقد سقطت الأنظمة المقاتلة والمتاجرة... ولم تسقط فلسطين. وهي لا تزال تعيش الظلم المطلق، بصمت مطبق، دوليا وعربيا، إلا لدى من ما زال يقرأ الكتاب والوحي والواقع والتاريخ، بصيغة الانتصار.

وفي أسوأ الأحوال، رغم استحالة السوء على ما يظن، فإن الخسارة الفادحة، في المعارك الحاسمة، ربح كبير، إذا قيست بجسامة الاستسلام.

التطبيعيون، يأتون ويذهبون، وتبقى فلسطين.

انشر عبر