شريط الأخبار

حينما يُستأجر العقل..عوض أبو دقة

07:37 - 18 حزيران / سبتمبر 2012

نشر معهد العربية للدراسات والتدريب دراسة بعنوان: "حماس وإيران.. صعود وهبوط العلاقات"، حاول "الكاتب" خلالها أن يدافع عن الحركة التي ينتمي إليها بطريقة لا تخفى على كل متابع يعي النهج البراغماتي المعروف.

من حق "الكاتب" الذي يقدم نفسه كـ"أكاديمي" و"باحث"، أن يدافع عن حركته كما يشاء، وللناس الحق في أن تقيم وتحلل بطريقتها. لا مشكلة هنا.

لكن المشكلة أن يتخذ "الكاتب" من الهجوم على الآخرين وتشويههم بهتاناً، منبراً لصوابية فكرته، وهو ما يطعن في موضوعية "الكاتب" و"الباحث" على حد سواء.

لست هنا في وارد الحديث حول ما أورده الكاتب دفاعاً عن حركته وتفنيد ما يقول، ولكن كان هناك ثلاث إشارات استوقفتني على النحو التالي:

أولا: يقول "الكاتب": إن "حدثين مهمين عاشتها العلاقات الإيرانية - الفلسطينية في الأيام الأخيرة، سيتركان أثراً أساسياً على تراجعها بالضرورة". ويرى أن أول هذين الحدثين الهامين: غياب قيادة حماس السياسية في قطاع غزة عن احتفالات يوم القدس العالمي الذي يقام سنوياً في الجمعة الأخيرة من شهر رمضان، فيما حرصت على الحضور والمشاركة فيه بكثافة ورمزية طوال السنوات الماضية.

أما الحدث الثاني - من وجهة نظر "الكاتب" - فهو اللغط والإرباك الذي أحدثته "دعوة إيران" لكل من السلطة الفلسطينية، وحكومة حماس بالمشاركة في قمة دول عدم الانحياز التي ستقام (أقيمت) في 30 آب/ أغسطس في طهران، وما تسببت به من إثارة لموضوع الانقسام الفلسطيني من جديد.

ولتفنيد ما يقول "الكاتب" يجب التوضيح بأن ما ورد عن مقاطعة حماس أو عدم حضور قيادتها السياسية للفعالية التي أقيمت في يوم القدس العالمي ليس صحيحاً على الإطلاق، فالفعالية جرى التحضير لها في اجتماع موسع حضرته كل الفصائل الفلسطينية وبحضور ممثلين عن حركة حماس هما: أيمن طه وإسماعيل رضوان، وقد تولى جهاز العمل الجماهيري في حركة حماس الإشراف على إدارة وتنفيذ الفعالية وتأمينها.

وفي تفاصيل ذلك أعد جهاز العمل الجماهيري في حماس منصة الفعالية وكان العريف أحد أعضاء الحركة المعروفين واسمه عبد الله قنديل، كما أن الفعالية التي كانت المشاركة فيها رمزية من الجميع حضرها عدد من عناصر حماس، وكانوا يرفعون رايات الحركة التي طلب منهم منظمو الفعالية إنزالها لاتفاق الفصائل برفع العلم الفلسطيني فقط، كما حضرها القيادي في الحركة إسماعيل رضوان.

أما الحدث الثاني والذي لا أريد الخوض في تفاصيله وحيثياته، فنحن على الأقل لم نسمع عن "الدعوة" إلا من طرف واحد هو الحكومة في غزة، أما الطرف الثاني فلم نسمع عنه رسمياً أنه وجه الدعوة، فأين مصدر اللغط؟، وكيف روج في بادئ الأمر للدعوة، وانبرى ناطقون، وكتاب، ومستشارون للترحيب بها والترويج لها، ثم عادوا لإبداء الحرص على وحدة التمثيل وإخراج الموقف إعلامياً؟!.

ثانياً: تحدث "الكاتب" عن علاقات حماس العربية وأغفل علاقات الآخرين، وتحدث عن زيارات قيادات "حماس للقاهرة التي تشهد علاقاتها مع إيران، توتراً كما يدعي، وكأن قيادات حركته هم وحدهم من يزورون القاهرة ويلتقون مختلف التيارات والقيادات فيها.

ثم تحدث عن تبني إعلام "حماس" موقفاً مغايراً لإيران فيما يتعلق بالشأنين العراقي والأفغاني، وعمليات المقاومة فيهما، والحقيقة أن الإعلام الفلسطيني المقاوم كان ولا زال ملتزماً بتعرية الاحتلال الأمريكي في العراق وأفغانستان، وتميز إعلام الجهاد وحماس في ذلك على حد سواء، وصدرت عشرات المواقف عن الجهاد الإسلامي عن احتلال العراق وأفغانستان وما يجري من عدوان أمريكي على كثير من البلدان العربية والإسلامية، لكن "الكاتب" تجاهل هذه المواقف ولم يشر إليها، ربما لأنه يرى بعين واحدة ولا يقرأ المواقف إلا من زاوية واحدة.

وذات التفنيد ينسحب على ما أورده "الكاتب" من قصر الحديث على إدانة "حماس" لما ارتكب من جرائم بحق فلسطيني العراق وتهجيرهم، والحقيقة أيضاً أن حركة الجهاد الإسلامي تبنت ذات الموقف وصدر عنها تصريحات وبيانات عديدة حول هذه القضية.

ثالثاً: تعرض "الكاتب" لموضوع التشيع في فلسطين، وهي قصة قديمة شكلت دعاية مغرضة في بدايات تأسيس حركة الجهاد الإسلامي في فلسطين، وبعد مرور ما يقرب من 31 عاماً على تأسيس الحركة يعود الكاتب محاولاً إغراق الساحة الفلسطينية بما من شأنه توسيع دائرة الخلاف والانقسام خاصة في صفوف الحركة الإسلامية التي يُراهن عليها اليوم.

يقول الكاتب: إن إيران "لم تكتفِّ من نفوذها في غزة بالمواقف السياسية، بل لتحقيق جملة من الأهداف والغايات، ومنها نشر مذهبها بشكل مكثف، عبر مقالات خطيرة في صحف مقربة من الجهاد الإسلامي تتعرض لبعض الصحابة، وبث إذاعة القدس أفكاراً تشجع على التشيع.... "، حسبما ورد في دراسته.

وقد كشفت هذه الجملة السالفة عن حقيقة ما يجول في نفس "الكاتب" والفكرة التي يريد ترويجها زوراً وبهتاناً، بما يخدم سياسات "إسرائيل" وحلفائها.

إن إذاعة صوت القدس خصوصاَ وإعلام الجهاد الإسلامي بشكل عام يلتزم بالخط العام للحركة الملتزم والمعبر عن واقع الشعب الفلسطيني المسلم، ولمن لا يعرف فإن إذاعة القدس تقف في صدارة الإذاعات الفلسطينية الأوسع انتشاراً التي تلتزم قدراً كبيراً من المهنية في رسالتها الإعلامية، وهي أكثر إذاعة تحظى باحترام الجماهير كونها صوت توحيدي يجمع الفلسطينيين على لغة واحدة تنحاز لثوابت القضية الوطنية.

وقد رسمت الإذاعة لنفسها خطاً وسطياً "وجعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً"، وفتحت أثيرها لنخبة من الدعاة والكتاب والمثقفين الذين لا يحيدون عن هذا الخط، ووجد فيها كل أطياف الشعب صوتهم وحسهم. و"الكاتب" ذاته كان ضيفاً شبه دائم على هذه الإذاعة الفلسطينية.

لقد نقل "الكاتب" ما قال دون أن يستند إلى دليل واحد، مرتكباً جريمة القذف والتشهير وهو ما يستوجب على إدارة الإذاعة المحترمة مقاضاته قانوناً، لأنه عرّض بالإذاعة قاصداً الوشاية بها والإساءة المعنوية لها، برواية يستخف من خلالها بعقول الناس ومشاعرهم. وأغلب الظن أنه اعتمد روايته من مغرضين ناقمين من تفوق إذاعة القدس وتميزها.

رابعاً: صنف "الكاتب" في دراسته حركة الجهاد الإسلامي على أنها "ذراعاً إيرانية ورافعة تنظيمية لها في فلسطين"، وهذا الكلام يظهر موقفاً عدائياً لحركة مقاومة قدمت خيرة أبنائها في معركة الصمود والمواجهة ضد الاحتلال، وكانت مواقفها على مدار الوقت ملتزمة بثوابت الشعب الفلسطيني ومصالحه المجمع عليها، بل إن الشواهد تدلل على أن هذه الحركة قدمت الصالح الفلسطيني العام على مصالحها الخاصة، ولم تكن يوماً طرفاً في أي نزاع داخلي على سلطة، ولطالما التزمت بالتوافق الوطني رغم أنه يتعارض مع رؤيتها في بعض الأحيان، ودفعت ثمناً كبيراً في سبيل حماية برنامج المقاومة, ولم تقبل أن تكون شريكاً في تقاسم السلطة والمصالح الخاصة على حساب المبادئ والمنطلقات والمرتكزات.

كلام "الكاتب" يندرج في سياق المحاولات المشبوهة لإخراج حركة بحجم الجهاد الإسلامي بوزنها ودورها وتأثيرها من الدائرة الوطنية، فمن المستفيد من هذا الكلام؟!!.

ملاحظات منهجية على الدراسة:

لم يلتزم "الكاتب" في دراسته بأبسط المعايير المنهجية والبحثية، إذ لم يورد مصادر معروفة وموثقة يستدل من خلالها على أقواله. رغم أنه قال في أحد الردود على الانترنت إنه يحتفظ في "مسودة الدراسة" باقتباسات عن مراجع محددة، ويبرر نقله بأن "ناقل الكفر ليس بكافر"، وهنا تستوقفني نقاط عدة:

1- ما قيمة أن تكون الدراسة أو البحث تستند في بعض اقتباساتها على مراجع دون الإشارة لهذه المراجع في النسخة المنشورة من الدراسة، ما قيمة أن يكتفي الباحث بالاحتفاظ بتلك المصادر (إن وجدت) في مسودته الخاصة؟!! إلا إذا كان يتعمد سرقة النصوص.

2- هل من أصول البحث العلمي أن ننقل كل غث وسمين، دون مراعاة معايير المهنية والمصداقية فيما ننقل، وعرضه على قواعد التحري والتدقيق من مصادر مستقلة؟!!.

3- "ناقل الكفر ليس بكافر" إن ناقل الكفر قد يكون ذنبه أوسع من الكفر لو أراد به شق وحدة الصف وبث الفتن، وإخراج الناس من دائرة الوطنية كما فعل الـ"الكاتب".

4- يدعي "الكاتب" أن ما ورد من معلومات مغلوطة في دراسته قد استندت إلى مصادر لم يسمها، وأحسب أن تلك المعلومات لم تنشر بالأساس في أي دورية محترمة ولا في أي مرجع معتمد، فهي مصادر مجهولة، استخدامها بالكيفية المشار إليها يبعث على عديد الاستفهامات، والكاتب يعلم جيداً أن هناك عشرات المصادر المعتمدة التي تطرقت لعلاقة الجهاد بإيران وحزب الله ولموضوع التشيع ومن باب الإشارة فقط ألفت إلى مقابلة شاملة أجراها موقع "الإسلام اليوم" في منتصف شهر يوليو 2007، مع الأمين العام لحركة الجهاد الإسلامي الدكتور رمضان شلح الذي تطرق فيها بمنتهى الوضوح لعلاقة الجهاد بإيران وحزب الله ولموضوع التشيع وموقف الجهاد منه. وفي حينه أعادت مواقع عديدة نشر هذه المقابلة التي وثقت في كتيب خاص أصدرته الحركة بعنوان "حركة الجهاد الإسلامي حقائق ومواقف" ووزع في فلسطين وفي قطاع غزة على وجه التحديد حيث تتعرض الحركة لحرب كما يقول الدكتور شلح "وقع هذه الحرب الدعائية على مجاهدي الحركة أشد إيلاماً من الحرب الصهيونية عليهم" ويصفها أمين عام الجهاد بـ"الفرية التي يراد بها تصفية الجهاد معنوياً وسياسياً بعد أن فشل العدو في تصفية قادتها ورموزها جسدياً". ومن باب التنويه فقط فإن هذا ليس المرجع الوحيد لمن يريد الاطلاع على موقف الجهاد الذي كرره أمينها العام، وأوضحه في عشرات الأحاديث والمقابلات الخاصة والعامة.

لقد ارتكب "الكاتب" مخالفة يجرمه عليها القانون، وهي التشهير بمؤسسات وتلفيق تهم باطلة لا يستند فيها إلى دليل واحد في تهمه، وهو ما يعاقب عليه القانون ويوجب المحاسبة.

يقول "الكاتب" في ذات الرد المشار إليه: "إن الدراسة تتعلق بتراجع العلاقة بين حماس وإيران ولا تتناول الجهاد الإسلامي إلا لماماً..."، وهذا الكلام يعزز إدانته ودليل على أنه استدعى ذكر الحركة المجاهدة لأغراض دنيئة هدفها التشهير والتجريح والإساءة على النحو الذي ذكرت آنفاً، فمن سوغ له حق التعريض بالحركة لإثبات براءة حركته "حماس" من تهمة العلاقة بإيران لا تعرف مبرراتها بالضبط، خاصة أن كل متابع لهذه العلاقة يعرف أنها لم تنقطع بدليل استمرار الدعم الإيراني المقدم لحكومة حماس في غزة، والزيارات واللقاءات المتكررة لمسؤولين في الحركة آخرهم الدكتور محمود الزهار ووزير الثقافة في حكومة حماس لطهران. ولو صح أن العلاقة انتهت لما بادر رئيس الحكومة في غزة للحديث عن استعداده للمشاركة في قمة عدم الانحياز في طهران.

بقيت الإشارة إلى أن الدراسة أوردت معلومات أمنية حول طبيعة عمل المقاومة ورجالها، فما قيمة ذكر هذه المعلومات في توقيت حساس كهذا؟!.

من المستفيد؟!

إن الخلفية الفكرية لـ"الكاتب"، تطرح استفهامات عديدة حول ما كتب، وفي أي دائرة يمكن أن تصنف دراسته وإصدارات أخرى سابقة كتبها.

فإذا كانت الدراسة تخدم حركة حماس كما يحاول هو أن يظهر، فلا اعتقد ذلك، سيما وأن حماس حسب علمي لا تقبل بمثل هكذا إساءة بحق الجهاد الإسلامي، وقد تعزز التحالف بين الحركتين بشكل واسع، وشهدت العلاقات الثنائية بينهما ارتباطاً وثيقاً.

ولا احسب أن ما ذكره "الكاتب" يمثل الموقف في حماس التي دأب قادتها على الثناء على حركة الجهاد الإسلامي ومواقفها، واستقبل قادة الحركتين قيادات العمل الإسلامي في الوطن العربي الذين كانوا شهوداً على الارتباط الوثيق ووحدة الموقف السياسي والمصير، واجزم أن ذلك لم يكن في الإعلام فحسب، فكما اعلم أن كثيراً من اللقاءات والروابط ومستوى التنسيق بين الجانبين لا يظهر في الإعلام.

ولقد علمت من مصادر موثوقة في المستوى القيادي الأول في الحركتين أن اللقاء بينهما هو فاتحة على طريق تعزيز اللقاء الإسلامي لجمع التيارات الإسلامية. فهل ستخدم الدراسة إذاً مشاريع أخرى هدفها تشتيت الفعل الإسلامي؟!! ... أرجو أن يكون الأمر ترفاً لساعٍ نحو شهرة زائفة، فهذا أهون بكثير مما سواه.
__________________________________________________________
* باحث وصحفي من غزة
انشر عبر