شريط الأخبار

الصراع على نواة السيطرة- هآرتس

01:14 - 16 تشرين أول / سبتمبر 2012

بقلم: تسفي برئيل

(المضمون: شبكة مراكز القوة المتفرعة الخفية التي تتصارع على السيطرة في ايران وتدير شؤون الدولة من خلف ظهر رئيسها احمدي نجاد – المصدر).

لرئيس الـ سي.اي.ايه دافيد بتراوس، قصة تضيء العيون عن سلسلة القيادة في ايران. في العام 2008، حين كان قائد القوات الامريكية في العراق، في ذروة المعركة ضد قوات الانعزالي الشيعي مقتدى الصدر، نقل اليه مسؤول عراقي هاتفا نقالا. "ايها الجنرال بتراوس: إعلم أني، أنا قاسم سليماني، أدير سياسة ايران في كل ما يتعلق بالعراق، لبنان، غزة وأفغانستان"، كتب في الرسالة القصيرة التي وصلت على شاشة الهاتف، "السفير الحالي لايران في العراق هو رجل قوات القدس، ومن سيحل محله سيكون رجل قوات القدس".

كاتب الرسالة القصيرة، الجنرال قاسم سليماني، قائد قوات القدس في الحرس الثوري، درج على أن يضع في مكانهم ليس فقط أعداء الدولة. قبل نحو اسبوعين اقتبس في موقع ايراني على الانترنت "ميلي مزهبي" كمن وبخ بشار الاسد على أنه لا يأخذ بنصائحه. "نحن نقول له انشر قوات شرطة في الشوارع ولكنه يبعث بالجنود"، غضب سليماني.

هذا هو ذات سليماني الذي يخفض رئيس الحكومة العراقية، نوري المالكي، رأسه امامه عندما يلتقيان. وقد كان مشاركا في العملية في المركز اليهودي في بوينس آيروس في 1994، وقد فعّل قواته في افغانستان وفي القوفاز، وبالاساس، فانه هو أحد الاشخاص الاكثر قربا من الزعيم الاعلى علي خيمئني، سواء لانه هو مسؤوله المباشر أم لانهما صديقان.

لقد تأسست قوات "القدس" في الحرب الايرانية – العراقية كوحدة مختارة مهمتها مساعدة الاكراد في حرب ضد صدام حسين. في وقت لاحق تحولت الى وحدة تدريب للقوات خارج الدولة، مثل حزب الله وتنفيذ عمليات ضد معارضي النظام في أرجاء العالم.

 ولا يتحدث سليماني كثيرا في وسائل الاعلام الايرانية، فهو يترك المهمة للسياسيين الذين لا يأبه بهم كثيرا. ورغم صداقته مع خمينئي فانه  ليس مؤيدا كبيرا لطريقة الحكم التي يكون فيها الزعيم الديني الاعلى هو أيضا الزعيم السياسي الاعلى. وهذا ليس فقط المذهب الشخصي لسليماني.

مقابلات وتحقيقات صحفية اجراها منفيون ايرانيون ودبلوماسيون سابقون، نشرت في الغرب تبين ان طريقة الحكم الايرانية التي صممها الخميني، وفيها الزعيم السياسي الاعلى هو الزعيم الديني الاعلى هي موضع خلاف داخلي. ففقهاء هامون يعارضونها ويفضلون ابعاد الدين عن الدور المباشر في السياسة او في الجيش. سليماني ابن 55، ليس فقيها وتعليمه ليس دينيا. في شبابه كان عامل بناء بسيط، ساعد على اعالة عائلته الفقيرة، وبعد ذلك اصبح فنيا في دائرة المياه في مدينة كرمان. ولا يوجد دليل على أنه شارك في المظاهرات ضد الشاه الفارسي. ولكن سليماني انضم الى القوات "الصحيحة"، شارك في الحرب الايرانية العراقية وانضم كمتطوع الى فرع الحرس الثوري في كرمان. وفي حينه تلقى تدريبا عسكريا لستة اسابيع فقط، وهو اليوم يعتبر الرجل القوي في الحرس الثوري، اقوى حتى من قائد الحرس الجنرال محمد علي جعفري.

العلاقات في هرم القيادة في الحرس الثوري تشبه أغلب الظن كل هيئة أركان عليا في كل جيش. عندما شرح موشيه يعلون بانه احتذى احذية طويلة هي يحذر من "الافاعي" في وزارة الدفاع، يمكن لهذا الوصف أن يناسب ما يجري في قيادة الحرس الثوري. وهكذا بعد أن تسلم علي خمينئي الحكم في العام 1997، أقال قائد الحرس محسن رضوي، الذي كان في منصبه 16 سنة، وعين مكانه يحيى رحيم صفوي. وردا على هذه الخطوة كتب في حينه 31 ضابطا كبيرا في الحرس، بينهم سليمان، رسالة احتجاج للرئيس على إقالة رضوي. ولكن بالذات صفوي هو الذي عين سليماني في نهاية التسعينيات قائدا لقوات القدس بدلا من أحمد وحيدي، الذي يعمل اليوم كوزير للدفاع. وكان وحيدي مشاركا في قضية ايران غيت في الثمانينيات، بل ويوجد بحقه أمر اعتقال للاشتباه بدوره في العملية في بوينس آيرس.

لسلسلة هذه التعيينات تأثير هائل على تصميم شبكة العلاقات بين القادة في الحرس الثوري وبين الساحة السياسية. هذه ساحة ولاء وخصومة مخططة جيدا، عرضية وليس فقط هرمية، تربط بين قادة الاذرع الاربعة في الحرس – البحري، البري، الجوي وقوات القدس – وبين قطبي السلطة السياسية: الزعيم الاعلى علي خمينئي والرئيس محمود احمدي نجاد اللذين طورا في السنتين الاخيرتين نفورا عميقا واشتباها الواحد تجاه الاخر.

        في لجة الخلاف بينهما ألمح خميئني بانه لا يوجد عائق قانوني لتغيير طريقة إدارة الدولة بحيث أن البرلمان وليس الجمهور هو الذي ينتخب الرئيس التالي في السنة القادمة. في كل الاحوال فان احمدي نجاد، الذي ينهي ولايته الثانية، لن يتمكن من اعادة انتخابه. ولكن علنية الخلاف بين الرجلين أجبرت جماعات القيادة في الحرس الثوري وفي المراكز الدينية من الايضاح لمن هم موالون.

        هذه ليست ظاهرة جديدة. فالخلافات الداخلية رافقت قيادة الثورة منذ نشوبها. ولكن شخصية الخميني والولاء الجارف من جانب الحرس الثوري له وكونه فقيه كرزماتي، في الدرجة العليا من الهرمية الدينية الشيعية، كل هذا منحه الصلاحية والشرعية لتصفيه خصومه الدينيين والسياسيين على حد سواء. اما خمينئي فتنقصه هذه الاسس. فهو لم يكن المرشح المفضل للحلول محل الخميني، وهو تنقصه المرجعية الدينية العليا كما يجدر بالزعيم الديني الاعلى. قبل تعيينه درج على القول انه يعارض طريقة الحكم التي انتهجها الخميني، وذلك على ما يبدو لانه لم يقدر بانه سيكون بوسعه ان يحظى بالمنصب الاعلى.

        خمينئي، رجل شكاك بطبعه، والذي لا يعتمد على قاعدة تأييد جماهيرية أو عائلية هامة، خلافا للرئيس السابق رفسنجاني الذي تؤيده طبقة التجار ولعائلته علاقات متفرعة – أقام بسرعة شبكة موازية من السيطرة. فله مندوب في كل ذراع عسكري وفي كل وزارة حكومية، والوزراء موالون له فقط ويرفعون التقارير مباشرة له وليس للرئيس احمدي نجاد. مثل هذا كان وزير الخارجية السابق منصهر متقي الذي أقاله احمدي نجاد، هكذا كان وزير الدفاع وحيدي الذي يترأس أيضا مشروع الانتاج العسكري المحلي، وكذا وزير الاستخبارات حيدر مصلحي الذي أقاله احمدي نجاد في العام 2011 ولكنه اعيد الى منصبه بأمر من خمينئي.

        هؤلاء المندوبون يشكلون ايضا شبكة اتصال وحماية من نوايا مراكز القوة، مثل الرئيس، قادة الحرس الثوري او الفقهاء المتمردين، من محاولة ضعضعة مكانة خمينئي. والى جانب مندوبيه في الحكومة، في الحرس الثوري وفي الجيش، ييقي خمينئي الى جانبه بسلسلة من المستشارين في كل المجالات. أحد ابرزهم هو علي اكبر ولايتي، مستشار شؤون السياسة الخارجية، الذي كان وزيرا للخارجية ودبلوماسي كبير. ولايتي، الذي يقلل من الحديث الى وسائل الاعلام هو ايضا على ما يبدو رجل السر لخمينئي في مهماته السرية الى خارج البلاد، تلك التي لا يريد خمينئي ان يشرك فيها احمدي نجاد أو وزير خارجيته علي اكبر صالحي.

        ولايتي لا يعمل متطوعا. قربه من الزعيم الاعلى سمح له بان يشتري بعض من المستشفيات في طهران، كما يجدر بمن اختص في طب الاطفال بالذات في جامعة جونز هوبكنز في الولايات المتحدة. صديق قريب آخر هو محسن رفيقدوست، الذي كان حتى 1999 رئيس مؤسسة "المستضعفين" التي تستهدف مساعدة الطبقات الفقيرة وعائلات شهداء الحرب الايرانية – العراقية. رفيقدوست الذي عمل كوزير شؤون الحرس الثوري هو أحد الاشخاص الاغنياء في ايران. وهو يدير مؤسسة "نور" التي تبني الاف وحدات السكن وهو أحد المسؤولين الكبار عن جهاز خمينئي. كما أن رئيس أركان الجيش الايراني، حسن فيروز أبادي، هو صديق قريب للزعيم الاعلى منذ عهد ما قبل الثورة. فيروز عبادي هو طبيب بيطري في مهنته، عديم الخبرة العسكرية، باستثناء مشاركته في سنوات الثورة الاولى في قوات البسيج (ميليشيا المتطوعين المسؤولة ضمن أمور اخرى عن قمع المظاهرات). ثراؤه شديد، ولكن مصادر دخله تبقى مجهولة.

        هؤلاء هم فقط البارزون بين المستشارين الذين يقتربون من أذني خمينئي. الى جانبهم توجد شبكة اخرى متفرعة من الاقرباء الذين يتبوأون مناصب عليا، فقهاء من الدرجة الثانية، المسؤولين عن علاقة الخميني مع المراكز الدينية الشيعية الهامة مثل ذاك الذي في قم أو اصفهان، او مستشارين يحرصون على العلاقة مع زعماء الاقليات الكثيرة في ايران. كل هؤلاء تمولها شبكة مالية هائلة، معظمها، مثل الجيش والحرس الثوري، لا تخضع لرقابة البرلمان، وبعضها بتمويل خاص من "متبرعين" واعمال تجارية غامضة، مسؤول عنها ابن خمينئي، مجتبا، الذي يسمى احيانا "رئيس المافيا".

انشر عبر