شريط الأخبار

الاسم الشيفري: أريزونا -يديعوت

01:01 - 11 تشرين أول / سبتمبر 2012

الاسم الشيفري: أريزونا -يديعوت

بقلم: اورلي أزولاي

مراسل الصحيفة في واشنطن

"دخلت طائرات اسرائيل المقاتلة أرضنا، ووجهت اليها النيران المضادة للطائرات وألقت في ارض مهجورة ذخيرة لم تنفجر"، هذا ما أعلنته وكالة الأنباء الرسمية السورية في السادس من ايلول 2007. "بعد ذلك ولوا على أدبارهم كالجُبناء". وقد تم تلقي هذا التقرير الاخباري في اسرائيل في سكون. وأُجيب الطلب السوري لاعتذار رسمي ايضا بصمت هادر، فقد اكتفى رئيس الوزراء آنذاك اهود اولمرت برد ساخر يكاد يكون متبسما: "أنا مطمئن".

لكن يكمن وراء ذلك التقرير السوري – الذي تبين أنه كاذب تماما – واحدة من العمليات الدراماتية الأكثر سرية وجرأة مما عرفت دولة اسرائيل. وهي عملية نجح فيها فريق صغير بحسب أنباء اجنبية نشرت، من طائرات سلاح الجو في ان يجتث بضربة واحدة ساحقة مباغتة، البرنامج الذري السوري.

بقي أكثر التفصيلات حول هذه العملية سريا الى اليوم. وقد كُشف للجمهور الاسرائيلي بأمر من الرقابة العسكرية عن الخطوط الهيكلية العامة فقط للدراما الكبيرة. ويحرص المسؤولون الكبار الذين كانوا شركاء آنذاك في القرارات المصيرية في الأكثر حتى بعد خمس سنين على الحديث عن هذا الشأن تلويحا فقط من غير التطرق الى تفصيل شيء.

لكن كُشف أمس، اذا اعتمدنا على مجلة "نيويوركر" عن الصورة الكاملة المثيرة لتسلسل العملية. ففي التحقيق الصحفي الواسع الذي نشر في المجلة المهمة كشف دافيد مكوفسكي، وهو باحث رفيع المستوى ذو شأن في "معهد واشنطن" لشؤون الشرق الاوسط، عن كل ما حدث في تلك الاشهر. من اللحظة التي جاءت فيها الأنباء الاولى عن المنشأة السورية الى اللحظة التي سمع فيها اولمرت في الملجأ في الكرياه الاسم السري "أريزونا" وعلم ان الامر قد انتهى. وقد أُسقط 17 طنا من القذائف على المبنى المعزول وتم تدمير المفاعل الذري السوري بنجاح.

نظيف وأنيق

        بدأت التساؤلات الاسرائيلية عما حدث في سوريا تظهر في نهاية 2006. وقد تحدث رئيس وكالة الاستخبارات المركزية في تلك الفترة، مايكل هايدن، لمجلة "نيويوركر" عن ان الاشتباه بأن سوريا جددت برنامجها الذري قد نشأ في أعقاب معلومة عن مبنى كبير "سري" أخذ يُبنى في صحراء في شمال شرق سوريا على مبعدة أقل من كيلومتر عن نهر الفرات.

وأجمع رأيهم في اسرائيل على حسب المجلة على فعل كل شيء لفهم ما معنى هذا المبنى. في مطلع آذار 2007 زار ابراهيم عثمان، رئيس الوكالة السورية للطاقة الذرية، فيينا كي يشارك في مؤتمر للوكالة الدولية للطاقة الذرية. ولم يعلم انه يتجول معه في عاصمة النمسا عملاء موساد ايضا.

ذات يوم، ولم يكن عثمان في بيته الذي نزل فيه في زمن المؤتمر، حانت ساعة المداهمة الجريئة. وقد كان ذلك سريعا ونظيفا وأنيقا، وقد احتاج العملاء الى أقل من ساعة لدخول البيت واخراج وثائق مُجرمة من حاسوب المسؤول السوري الكبير والخروج من غير ان يتركوا أثرا.

كانت المعلومات التي أُخذت من الحاسوب هي المثبت المدخن: فقد أشار نحو من 36 صورة ملونة صورت في داخل المبنى في القبار بوضوح الى ان الحديث عن مفاعل بلوتونيوم سري جدا. وبينت الصور ايضا لأول مرة انه يعمل في ذلك المكان علماء من كوريا الشمالية في موقع يبعد عشرات الكيلومترات عن أقرب مدينة. وظهرت في الصور بوضوح ايضا خصائص هندسية ذكّرت بمبنى آخر هو مبنى المفاعل الذري الكوري الشمالي في يونغبيون. وكان الاستنتاج واضحا وهو ان هذا المكان يمكن ان يُستعمل فقط لبناء قنبلة ذرية، وان الرئيس السوري على خلاف جميع التصريحات المعلنة ينقض بقسوة التزامه للوكالة الدولية للطاقة الذرية ويستحث الى الأمام برنامجا ذريا.

أدركوا في القيادة الاسرائيلية العليا انه يجب علاج هذه المشكلة سريعا وبجدية. وفي الثامن من آذار بعد عملية المداهمة في فيينا بأيام معدودة جمع رئيس الوزراء اولمرت، رئيس الموساد مئير دغان ومسؤولين كبيرين آخرين في لقاء أول سري جدا للفحص عن المعطيات المقلقة.

وقد عُقدت اللقاءات التالية في هذا الشأن التي كانت تُعقد على نحو عام في ايام الجمعة منذ ذلك اليوم الى الهجوم في ايلول 2007 في مكان "أشد أمنا". فقد حضر الى "الحوض" في ديوان رئيس الوزراء، المسؤولون الكبار الذين تم اطلاعهم على سر الأمور – وبينهم رئيس الاركان ورئيس "الشباك" ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية، وبنيامين نتنياهو واهود باراك وشمعون بيرس – في بيت اولمرت في شارع بلفور. وكل ذلك للحفاظ على سرية مطلقة.

التردد الامريكي

أجمع رأي اولمرت ورأي كبار مسؤولي الاستخبارات الاسرائيلية على إشراك الامريكيين في معلومات تم الحصول عليها.

في 18 نيسان حضر الى اسرائيل وزير الدفاع الامريكي آنذاك روبرت غيتس لزيارة عادية حُددت من غير صلة بالأحداث. بيد أنه في اللقاء مع وزير الدفاع آنذاك عمير بيرتس، انتظرته قنبلة على هيئة المعطيات المقلقة عما يحدث في سوريا. وكان بيرتس بحسب مجلة "نيويوركر" قد استعد للقاء قبل ذلك من اجل الامتناع عن مشكلات تواصل باللغة الانجليزية التي ليست هي من مجالات تميزه، وتزود قبل ذلك ببطاقات أُعدت له وهكذا أبلغ الادارة الامريكية عن المعلومات الجديدة.

بعد ذلك شخص مئير دغان الى واشنطن وعرض المعطيات في البيت الابيض. ولم يبادروا في الولايات المتحدة الى قبول ذلك، فقد كانت ذكرى التورط في العراق على أثر التقارير الكاذبة عن سلاح الابادة الجماعية ما تزال جديدة ولم يكن الرئيس بوش مستعدا للسقوط مرة اخرى، فأرسل جهاز الاستخبارات الامريكي للتحقق من المعلومات التي يملكها الاسرائيليون وبعد أيام معدودة وُضع على مائدته تقرير يقول: "اذا لم يكن هذا مفاعلا ذريا فانه تزييف لمفاعل ذري".

كانت في الادارة الامريكية في واشنطن معارضة شاملة لعملية عسكرية امريكية في سوريا. وقال غيتس: "لكل ادارة حرب ردعية في دولة مسلمة، وكانت لهذه الادارة واحدة كهذه".

حينما بُحث في واشنطن امكان ان تخرج اسرائيل وحدها للهجوم على سوريا شككت وزيرة الخارجية كونداليزا رايس بقدرات اسرائيل العسكرية وعبرت عن خشية الانزلاق الى حرب اقليمية.

في السابع عشر من حزيران التقى اولمرت مع بوش. وكان الرئيس الامريكي قد تلقى توجيها واضحا من مستشاريه في مجلس الامن القومي يقول: "إسمع، لا تتخذ قرارات". وحاول رئيس الوزراء الاسرائيلي ان يقنعه بكون الهجوم ضروريا في الأمد القريب. وحذر بوش من أنه اذا لم يُدمر المفاعل الذري فانه سيصبح "ساخنا" أي فعالا، وآنذاك اذا هوجم فان الاشعاع قد يلوث ماء نهر الفرات. بيد ان اولمرت انتظرته خيبة أمل إذ قال بوش: "لا توجد أدلة على ان سوريا لها برنامج سلاح ذري. ولن نهاجم في هذه الحال".

لم يكن الجميع في واشنطن متفقين تماما مع الرئيس. فقد زعم المستشار أليوت أبرامز انه اذا اختير خيار الانتظار واذا تبين لهم في سوريا ان المعلومات تسربت الى اسرائيل والولايات المتحدة فسيبادر الاسد الى بناء روضة اطفال قرب المفاعل الذري أو ينصب حوله بطارية صواريخ للحماية من الطائرات.

بيد انه في ذلك الوقت لم يستعمل أحد في الولايات المتحدة الفيتو على هجوم اسرائيلي. "لم يطلب اولمرت من بوش ضوءا أخضر ولم يحدد بوش ضوءا أحمر"، قال مسؤول رفيع سابق في الجيش الاسرائيلي لمجلة "نيويوركر". "ورأى اولمرت ذلك ضوءا اخضر".

منطقة الانكار

فهموا في القدس ان اسرائيل ستضطر الى تنفيذ هذا الهجوم وحدها. ووجه سلاح الجو للعمل على الخطط. وتم وزن خيارين مركزيين سُميا معا باسم قائد السلاح في تلك الايام اليعيزر شكدي: فقد حظيت الخطة الواسعة التي اشتملت على هجوم جوي لقوات كبيرة باسم "شكدي السمين". وسُميت الخطة المضيقة التي اشتملت على هجوم سريع ناجع بقوة جوية صغيرة "شكدي النحيف". وكان امكان آخر تم الفحص عنه هو هجوم بري لوحدات خاصة يتم إنزالها في ذلك المكان.

كان أحد التقديرات المركزية هو الرغبة في تضييق امكان ان ترد دمشق على الهجوم، الى أدنى حد. وقدّر كثيرون في اسرائيل أنه كلما كانت العملية أضيق وأهدأ فسيقل احتمال الرد السوري. بل ان فريقا من الخبراء النفسيين أشار على الجيش الاسرائيلي، استنتج ان الاسد اذا لم يُحشر في الزاوية فسيفضل ان يدفن القضية وألا يجذب الانتباه الى الاخلال الواضح الذي قام به بمجرد بناء المفاعل الذري. واذا لم تتحمل اسرائيل مسؤولية معلنة عن العملية فان الاسد سيبقى فيما يسمى "منطقة الانكار"، كما قدّروا في الجيش الاسرائيلي. وقد أفضت هذه الاسباب بالجيش الاسرائيلي والموساد ووزارة الخارجية بقيادة تسيبي لفني الى تأييد نموذج "شكدي النحيف".

غير ان الاستعدادات لم تُحصر في موائد النقاشات في الكرياه فقط. ففي حزيران 2007 كما تقول "نيويوركر" أُنزلت وحدة صاعقة اسرائيلية خاصة في داخل سوريا على بُعد كيلومتر ونصف عن المفاعل في القبار وكانت المهمة الحصول على صور اخرى واحضار عينات تراب من منطقة المفاعل بغرض التحقق النهائي من أنه يتم في ذلك المكان نشاط يتصل بالذرة.

كان اهود باراك قد حل في ذلك الوقت محل بيرتس في وزارة الدفاع. وأبلغت اسرائيل الولايات المتحدة أن خطة الهجوم في سوريا قد استُكملت تقريبا، لكن باراك طلب تأخير العملية بزعم أنه يجب ان يُعطى الجيش الاسرائيلي زمنا للاستعداد لهجوم مضاد. واعتقد اولمرت بحسب التحقيق الصحفي أن باراك يحاول فقط ان يُسوف حتى يترك رئيس الوزراء عمله وان يقود هو نفسه بعد ذلك الهجوم ويحصد المجد.

كلمة واحدة صغيرة

في الخامس من ايلول حان موعد الجلسة المصيرية فجمع اولمرت المجلس الوزاري المصغر لاتخاذ قرار الهجوم. ورُفعت جميع الأيدي مؤيدة ما عدا واحدة. فقد اختار آفي ديختر وحده الامتناع عن التصويت. وفوض المجلس الوزاري المصغر حلقة ضيقة – اولمرت وباراك وتسيبي لفني – ان تتخذ القرار على موعد الهجوم. وشاور الثلاثة رئيس هيئة الاركان غابي اشكنازي فصدرت عنه توصية قاطعة تقول انه ينبغي العمل هذه الليلة.

أصدر اولمرت الامر، وفي حوالي منتصف الليل خرجت العملية في مخطط "شكدي النحيف" في طريقها. فقد أقلعت وحدتان من الطائرات الاسرائيلية في كل واحدة اربع طائرات نحو سوريا: اربع طائرات اف16 واربع طائرات اف15. وألقت على المفاعل الذري 17 طنا من القذائف وبعد ذلك بـ 45 دقيقة (وبحسب تقرير آخر بعد 53 دقيقة) جاء الابلاغ الى اولمرت في الكرياه "أريزونا"، كلمة واحدة صغيرة تعني الكثير جدا وتعني ان العملية أُتمت. قال مصدر اسرائيلي رفيع المستوى: "كان شعور بالتسامي، فقد تم تدمير المنشأة ولم نفقد أي طيار".

بعد ذلك ببضع دقائق هاتف اولمرت الرئيس بوش الذي كان في زيارة لاستراليا وقال له في بساطة: "أريد فقط ان أقول لك إن شيئا كان موجودا لم يعد موجودا – وتم ذلك بنجاح تام".

انشر عبر