شريط الأخبار

العلاقات المصرية ـ الإيرانية.. رهن محددات شديدة التعقيد..محمد السعيد إدريس

07:22 - 09 تموز / سبتمبر 2012

 

 

 

لم تكن العلاقات المصرية ـ الإيرانية معقدة وملتبسة في يوم من الأيام كما هي الآن، أسباب ذلك كثيرة، لكن أهمها، من وجهة نظري، أن هذه العلاقات لم تكن متداخلة بمثل هذه الدرجة التي هي بها الآن، مع مجمل التفاعلات الإقليمية الراهنة التي تشهد تدخلا غير مسبوق بين تفاعلات النظام العربي، وتفاعلات النظام الإقليمي للشرق الأوسط، كما أنها لم تكن عامل توازن شديد الحساسية بين محورين تشكلا منذ سنوات، في أوج المواجهة والاستقطاب في المنطقة وعلى الأخص منذ الحرب الإسرائيلية على لبنان صيف 2006، ثم الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة شتاء 2008، وأعني: محور المقاومة (الممانعة) ومحور الاعتدال. عامل التوازن هذا برز بصفة خاصة ضمن تداعيات التفاعلات متناقضة التوجهات، والتأثيرات في الدول المنتمية إلى هذين المحورين التي فرضها ربيع الثورات العربية.

في عقود سابقة كان يمكن دراسة العلاقات المصرية ـ الإيرانية، كغيرها من العلاقات العربية ـ الإيرانية، كعلاقات ثنائية بشكل منعزل عن تفاعلات النظام الإقليمي للشرق الأوسط، وكانت هذه العلاقات خاضعة لمجموعة من المحددات الأساسية التي كانت تجعل علاقات إيران مع دول عربية بعينها علاقات تعاون، وكانت تجعل علاقات إيران مع دول عربية أخرى علاقات صراع، بل إن هذه المحددات كانت تجعل علاقات إيران مع دول عربية بعينها علاقات تعاونية مرة وصراعية مرة أخرى، حسب درجة الثبات والتغير في هذه المحددات، وخاصة تلك التي تتعلق بـ«درجة التشابه والانسجام أو التباعد والاختلاف» في النظم السياسية الحاكمة، وفي الآيديولوجيات السياسية وفي الحليف الدولي.

ففي العقود التي سبقت الثورة المصرية عام 1952 كانت علاقات إيران مع مصر، في الأغلب الأعم، علاقات تعاونية، حيث كان التشابه والانسجام في طبيعة وخصائص النظامين الحاكمين في البلدين، والآيديولوجيا السياسية السائدة فيهما، علاوة على الحليف الدولي الواحد. ففي البلدين كان النظام الحاكم ملكيا وراثيا، وكانت الآيديولوجيا الحاكمة هي الليبرالية ـ الرأسمالية، وكانت بريطانيا هي الحليف الدولي المشترك لهما. أما بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 في مصر ونجاح الشاه محمد رضا بهلوي في إفشال التجربة الإصلاحية للدكتور محمد مصدق في إيران بدعم من الاستخبارات الأميركية، تحولت العلاقات بين إيران ومصر إلى علاقات صراعية بعد أن كانت تعاونية، وبعد أن كانت قد وصلت إلى «علاقة المصاهرة» عندما تزوج الشاه محمد رضا بهلوي بشقيقة الملك فاروق الأول ملك مصر.

فبعد نجاح الثورة في مصر تراجع التجانس والتشابه بين النظامين الحاكمين، فقد أصبح النظام الحاكم في مصر جمهوريا، وأصبحت آيديولوجيته ثورية يسارية على العكس من الحال في إيران الإمبراطورية، ومع تفاقم حدة الحرب الباردة بين المعسكرين الرأسمالي بقيادة الولايات المتحدة، والاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي ومناهضة مصر لسياسة الأحلاف الغربية، وقيادتها لحركة التحرر العالمية وتزعمها لدعوة الحياد الإيجابي، ثم الاعتراف بالصين الشعبية وعقد «صفقة الأسلحة التشيكية»، بوساطة رئيس الوزراء الصيني الأسبق شواين لاي في مؤتمر باندونغ عام 1955، وسحب الولايات المتحدة تمويلها لبناء السد العالي في مصر، ثم تأميم الزعيم جمال عبد الناصر قناة السويس يوم 26 يوليو (تموز) 1956، وقيام كل من بريطانيا وفرنسا وإسرائيل بشن عدوان ثلاثي على مصر بعد أقل من شهرين.. كل هذه التطورات باعدت كثيرا بين إيران ومصر، فإيران التي أسست مع دول أخرى حلف بغداد وتحولت إلى حليف بارز للولايات المتحدة، وجدت نفسها على النقيض تماما مع مصر التي ابتعدت كثيرا عن الغرب واقتربت أكثر من الاتحاد السوفياتي الذي تولى مهمة تمويل وبناء السد العالي، وتأمين احتياجات مصر العسكرية.

وهكذا اقتربت كل من مصر وإيران بحليفين متصارعين، وانعكست تفاعلات الحرب الباردة على علاقاتهما بوضوح شديد، حيث اندفعت إيران أكثر إلى الاقتراب من الدولة الإسرائيلية، وشاركت في تزكية نيران حرب باردة عربية ـ عربية تفجرت في عمق النظام العربي خلال عقد الستينات.

وبعد وفاة الرئيس جمال عبد الناصر ومجيء الرئيس أنور السادات الذي كشف مبكرا عن ميول مناقضة لعهد عبد الناصر في علاقاته العربية والإقليمية والدولية، وعلى الأخص ما يتعلق بنهج السلام مع إسرائيل بعد حرب أكتوبر 1973، وتوثيق العلاقات مع الولايات المتحدة على حساب العلاقات المصرية مع الاتحاد السوفياتي، بدأت مؤشرات تقارب جديدة مصرية ـ إيرانية ارتبطت بمدى تحول نظام السادات عن نظام عبد الناصر سواء فيما يتعلق بخصوصيات النظام السياسي (التحول عن النظام الاشتراكي إلى النظام الرأسمالي)، والتراجع عن آيديولوجيا النظام الناصري، خاصة بالنسبة لهدفي الوحدة العربية وتحرير فلسطين إلى التضامن العربي والحل السلمي للصراع العربي الصهيوني، الذي تكلل بزيارة السادات للقدس ثم الانخراط في محادثات كامب ديفيد التي توجت بتوقيع معاهدة السلام المصرية ـ الإسرائيلية، وهي تطورات لم يكن شاه إيران بعيدا عنها بل كان أحد عرابيها البارزين، ومن ثم تحولت علاقات الصراع المصرية ـ الإيرانية مجددا إلى علاقات تعاون، لم يكتب لها أن تستمر بعد سقوط نظام الشاه في إيران فبراير (شباط) 1979، ثم توقيع الرئيس السادات معاهدة السلام مع إسرائيل مارس (آذار) 1979، مما أدى إلى اتخاذ إيران قرارها الشهير بقطع علاقاتها مع مصر في محاولة لمنع دول عربية أخرى من أن تسير على النهج الساداتي الذي ظل الرئيس السابق حسني مبارك ملتزما به على مدى ثلاثة عقود كاملة ظلت فيها العلاقات بين مصر وإيران متوترة باستثناءات محدودة في بعض الأحيان لكن ظلت العلاقات بينهما دون مستوى السفراء.

وبسقوط نظام مبارك إثر نجاح ثورة 25 يناير 2011 تجددت طموحات تحسين العلاقات المصرية ـ الإيرانية التي ظلت الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وظلت أطراف عربية ومصرية ترى إنهاء الدور الأميركي ـ الإسرائيلي كان العامل الفاعل في الحيلولة دون تحسين العلاقات مع مصر، وأن الرئيس السابق حسني مبارك الذي وصفه الإسرائيليون بأنه كان «كنزهم الاستراتيجي» وانخراطه في علاقات تبعية لواشنطن ورضوخ للضغوط الإسرائيلية كان يقف حجر عثرة أمام تحسين العلاقات مع إيران.

كل هذا حفز الكثيرين إلى توقع استئناف العلاقات المصرية ـ الإيرانية وبالذات بعد وصول الرئيس محمد مرسي إلى كرسي الحكم في القاهرة، وعندما وصل نائب الرئيس الإيراني إلى مصر حاملا دعوة للرئيس المصري للمشاركة في أعمال مؤتمر القمة السادس عشر لحركة عدم الانحياز الذي عقد يومي 30 و31 أغسطس (آب) الفائت كشف التردد المصري في قبول أو رفض هذه الدعوة أن طموح تحقيق طفرة في علاقات مصر وإيران، بل وحتى مجرد استعادة العلاقات بينهما إلى مستوى السفراء ليس بالبساطة المتوقعة، وأنها مسألة شديدة التعقيد وتخضع لاعتبارات وضغوط مكثفة داخلية وعربية وإقليمية ودولية تفاقمت بسبب تداعيات التفاعلات المكثفة شديدة التناقض لثورات الربيع العربي وعلى الأخص الصراع الدائر الآن في سوريا والصراع المتفاقم الآن على سوريا سواء على المستوى العربي أو على المستوى الإقليمي الدولي.

فإذا كان سقوط نظام مبارك قد أحدث خللا هائلا في توازن القوى في غير صالح محور الاعتدال العربي، فإن تفجر الثورة في سوريا واحتدام الصراع الدامي بين نظام الرئيس بشار الأسد والقوى المتعددة للثورة السورية أخذ يصنف على أنه الحدث الأهم لمعالجة اختلال توازن القوى في غير صالح «محور الممانعة» وبالذات مع تقدم فرص إسقاط النظام السوري وهو الأمر الذي تعتبره إيران خطا أحمر، وترفضه كل من روسيا والصين.

فسقوط نظام الأسد يعتبر ضربة عنيفة لمحور الممانعة قد يقود إلى انهيارات على صعيد الوضع اللبناني وقد يكون إشارة البدء لشن الهجوم الإسرائيلي المتوقع ضد المنشآت النووية الإيرانية.

وبقدر ما كشف الصراع على سوريا من خطورة على توازن القوى الإقليمي في غير صالح إيران، وفي صالح أطراف إقليمية أخرى أبرزها تركيا وإسرائيل فإنه كشف أيضا عن مخاطر تتعلق بطموحات كل من روسيا والصين في التخلص من نظام القطبية الأحادية لصالح فرض نظام عالمي متعدد الأقطاب، ومن ثم فبقدر وعي إيران بأن الحرب على سوريا هي حرب بالوكالة ضد إيران جاء الإدراك الروسي - الصيني بأن الدفاع عن سوريا هو دفاع عن نفوذ روسي تداعى ويسعى للعودة مجددا، ودفاع عن طموحات صينية بالتحول إلى قطب عالمي منافس على زعامة النظام العالمي.

هذه التعقيدات العربية والإقليمية والدولية الخاصة بالأزمة السورية ضاعفت من أهمية الدور المصري وانحيازاته، حيث اعتبر أنه عامل ترجيح في مجمل هذه الصراعات وهذا ما أدركه الرئيس المصري محمد مرسي وعبر عنه بتردده في القبول الفوري لدعوة الرئيس الإيراني بحضور قمة طهران لحركة عدم الانحياز، لكنها أيضا فاقمت من الثمن الذي يمكن أن تدفعه مصر لأي من خياراتها: إما مع إيران الداعمة لنظام الرئيس بشار الأسد، وإما مع السعودية وقطر ودول عربية أخرى ومع تركيا والولايات المتحدة والدول الغربية الحريصة على التخلص من هذا النظام.

هذه الإدراكات هي التي حكمت اختيار الرئيس المصري وما زالت تحكم الموقف المصري من قرار تحديد مستوى العلاقة مع إيران، إضافة إلى العوامل الداخلية المصرية وأبرزها بالطبع موقف الشريك السياسي لحزب الرئيس (الحرية والعدالة) وبالتحديد حزب النور السلفي ومجمل الحركة السلفية المعادية لإيران والمنحازة لإسقاط نظام بشار الأسد من منظور طائفي أكثر من منظور دعم الحريات السياسية للشعب السوري، ناهيك عن تعقد الموقف مع إسرائيل، وحساسية موقف الجيش المصري الآن إذا ما تفجرت صدامات مسلحة مع إسرائيل في أعقاب حادثة رفح، والأزمة الاقتصادية المصرية الحادة التي تفرض على صانع القرار أن يؤمِّن علاقات طيبة مع الولايات المتحدة والدول الغربية، ناهيك عن العلاقات مع الدول العربية الخارجية.

وعلى ضوء هذه المحددات جاء قرار الرئيس المصري بالذهاب إلى طهران لساعات معدودة وبهدف محدد هو حضور الجلسة الافتتاحية لقمة حركة عدم الانحياز لتسليم رئاسة الحركة إلى الرئيس الإيراني الذي ستتولى بلاده قيادة دورة الثلاث سنوات القادمة لعدم الانحياز.

لم يكتف الرئيس المصري بذلك، أي بتحجيم هدف الزيارة إلى مجرد حضور الجلسة الافتتاحية لقمة عدم الانحياز دون التطرق إلى أي أمر يخص العلاقات المصرية - الإيرانية لكنه تعمد أن يتضمن خطابه أمام هذه القمة ألغاما من شأنها عرقلة طموحات تطوير العلاقات المصرية مع إيران، منها ما حمل رسالة ذات مغزى صادم للتوافق في قمة مكة المكرمة الأخيرة على تأسيس مركز في العاصمة السعودية الرياض للتقريب بين المذاهب، ومنها ما هو سياسي يتعلق بالأزمة السورية والملف النووي الإيراني حيث تعمد الرئيس المصري التنديد بالنظام السوري واتهامه بافتقاد الشرعية، كما تعمد تجاهل التنديد بالعقوبات المفروضة على إيران بسبب تمسكها ببرنامجها النووي السلمي رغم إعلانه دعمه لحق كل الدول في امتلاك برنامج نووي سلمي، لكن الأهم هو تجاهله التنديد بالتهديدات الإسرائيلية بشن حرب ضد المنشآت النووية الإيرانية فضلا عن تجاهله الكامل لإدانة امتلاك إسرائيل لأسلحة نووية والمطالبة بنزع هذه الأسلحة باعتبارها تهديدا للأمن الوطني المصري والأمن القومي العربي.

خطاب محمد مرسي حدد معالم رؤيته للعلاقات المستقبلية بين مصر وإيران، فهي علاقات مرهونة بمحددات مكثفة داخلية مصرية وأخرى عربية وإقليمية ودولية، من أبرزها السلوك الإيراني إزاء الأزمة السورية ومجمل الدور الإيراني الإقليمي لكن الأهم هو عودة الرئيس المصري لتجديد أهمية الاعتبارات ذاتها التي ظلت حاكمة لعلاقات مصر مع إيران في ظل حكم حسني مبارك وعلى الأخص العلاقة مع دول الخليج والعلاقة مع كل من إسرائيل والولايات المتحدة.

انشر عبر