شريط الأخبار

يوميات مستنكف في غزة- د. مصطفى يوسف اللداوي

12:51 - 09 تموز / سبتمبر 2012

إنها ليست كلماتي ولا أفكاري، كما أنها ليست وليدة خيالي وأحلامي، وليس فيها محاولات زخرفةٍ أو تزيين، أو مساعي فتنة وتضليل، أو كذبٍ وافتراء، كما أنها ليست كلماتٌ سياسية أو حزبية، أو تعريضٌ بفئةٍ أو حزب، وليس فيها ذمٌ لتنظيمٍ أو مدحٌ لآخر.

إنها تصويرٌ حقيقي لحال وحياة مستنكفٍ عاطلٍ في بيته، استنكف عن العمل قبل ست سنوات، وامتنع عن الالتحاق بوظيفته بأمر قيادته، وآثر البقاء في بيته، والنوم في فراشه، واستمرأ السهر الطويل والنوم المتأخر والاستيقاظ في ساعةٍ متأخرة من النهار.

إنها شهادةٌ بلسانِ صديقٍ لي أحبه، جمعتني به صحبةٌ وصداقةٌ قديمةٌ لسنواتٍ طويلة، صقلتها السجون وسمت بها الدراسة والجامعة، رغم أنه كارهٌ لحماس وناقدٌ لحكومتها في غزة، ومتمنٍ زوالها وسقوطها، فهو غير راضٍ على ما آل إليه الوضع فيها ولا ما لحق بالشأن الوطني عامة بسببهاً، ولكن علاقتنا بقيت قائمة رغم رأيه في حماس وحكومتها، وموقفي من أفكاره ومعتقداته، وقد كان من أوائل من استقبلني وهنأني بالعودة، قائلاً لي لا أرض أجمل من غزة، ولا وطن أغلى من فلسطين، ولا مكان أرحب من هذه الأرض، ولا أكثر أمناً منها رغم الغارات الإسرائيلية الدائمة، ونصحني بسرعة العودة والاستقرار في غزة، إذ أنها الأجمل والأفضل، وفيها للسعادة معنى وللحياة قيمة، وفيها من ذكرياتنا ما يكفي للبقاء.

قال لي صديقي العزيز وهو صادقٌ فيما يقول فليس ما يحمله على الكذب معي، حماسٌ حققت الأمن في غزة، وقضت على الشللية الاجتماعية فيها، فلم تعد فيها مراكز ثقلٍ عائلية، ولا قوى قادرة على أخذ الحق بيدها، أو فرض الأمر بإرادتها، وتراجعت في غزة الجريمة، واختفت الكثير من مظاهر السرقة والغصب، وأصبح المواطن في مأمنٍ على نفسه وبيته وما يملك، ولكن حماس خلقت شللية حزبية، ومراكز قوى جديدة، تشتري وتملك وتتحكم، وتستأثر وتتفرد وتسيطر، ما أثر على حياة المواطنين في غزة، وانعكس على سلوكهم، إذ قربت أبناءها وأقصت مناوئيها، وفرضت لاعبين جدد كبار على الساحة، منهم الصادق المخلص، ومنهم المستفيد المنتفع، والمستغل المنتهز، ولا أعتقد أنها عن هذا غافلة، وله غير مدركة، وبه غير شاعرة.

لكن يا صديقي نحن نتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، فقد هربت قيادتنا إلى الخارج، وتركتنا وحدنا في مواجهة الأحداث المستجدة، ولم تزودنا بما يوجهنا ويرشدنا، بل أمرتنا بالاستنكاف، وطلبت منا إخلاء المراكز والمؤسسات والمستشفيات والمدارس وكل دور الحكومة، وأوحت لنا أن ما حدث عابر، وأن الانقلاب زائل، وأن الأمور ستعود بسرعةٍ إلى ما كانت عليه، ونصحتنا بالصبر، فحماس غير قادرة على البقاء والصمود، وهي سترحل حتماً، وستتخلى عن كرة اللهب التي قبضت عليها، فخبرتها محدودة، وقدرتها ضعيفة، وكادرها غير مهيأ ومدرب، وعلاقاتها الدولية ضيقة، وحاجات المواطنين كبيرة وهي في ازدياد، ولا يوجد في الجوار من يساند حماس أو يحبها، وكثيرٌ من هذا الكلام الذي أوحى لنا بأن سلطتنا العتيدة قادمة، وأن ما حدث ليس أكثر من كابوسٍ سنستيقظ منه، وسنعود إلى مراكزنا ومقراتنا، حيث اعتدنا أن نصلب الناس، ونعاقب المخالفين، ونحاسب المناوئين، ونفرض الشروط، ونساوم أصحاب الحقوق.

لكن الحقيقة التي استيقظنا عليها بعد أشهرٍ من الاستنكاف عن العمل، أننا أصبحنا خاملين كسالى، نميل إلى الدعة والهدوء والراحة، فلا عمل يشقينا، ولا وظيفة تجبرنا على الاستيقاظ مبكراً، ولا شئ يشغلنا عن أنفسنا، ولكن هذا لم يجعلنا أكثر نعومة، أو أقل شقاءً، فقد أهملنا أنفسنا فلم نعد نهتم بمظهرنا، فلا ثياب نكويها، ولا لحيةً نسويها، ولا شعراً نهذبه ونرجله، إذ لم نعد نخرج من بيوتنا إلا في ساعات الليل، لنحيي سهرةً أو نقضي ساعات الليل في التسلية وأحياناً في الحوار، منتظرين غدنا الذي لن يأتي، وشمسنا التي غربت ولم تشرق.

يا صديقي رائحتنا أصبحت منتنة، ثيابنا صارت عفنة، أشكالنا صارت غريبة، لم يعد يكسوها العمل بالنظارة والإشراق، قتل الشوق في بيوتنا، فلم يعد أطفالنا ينتظرون بلهفةٍ عودتنا إلى البيوت، حاملين لهم حلوياتٍ وسكاكر وألعاب، والأدهى أننا بتنا نلحظ نساءنا ينتظرن ساعة خروجنا من البيت، يردن التخلص منا ولو لساعاتٍ، يترقبن الفرصة التي أصبحت نادرة لخروجنا من البيت، وأصبحن يختلقن الذرائع والأسباب والحاجات ليضمن خروجنا، ليشمسن فراشنا، وليغيرن ثيابنا، وليستقبلن صديقاتهن وأقربائهن.

يا صديقي كثرت المشاكل الاجتماعية، وتصدعت بيوتٌ كثيرة، وانهارت أسرٌ كانت قائمة ومستورة، فالرجل عندما يساكن زوجته في الليل والنهار يصبح مثلها ثرثاراً كثير الكلام، فضولياً يتدخل في كثيرٍ من الشؤون، يبدي رأيه في الصغيرة والكبيرة، ويعبر عن رغبته وأمنيته في أثاث البيت وترتيبه وطريقة تنظيمه وتوزيعه، يصبح له رأيٌ في ثياب الأطفال وشكل حقائبهم، تكثر ملاحظاتهم ويزداد شخطهم، يعلو صوتهم، وتظهر عصبيتهم، وتسود مزاجيتهم، يغضب إذا استيقظ من فراشه ولم يجد طعامه، ويزمجر لملوحةٍ زائدة، أو لطعامٍ لا يحبه، فقد بات مزاجه يتحكم، وعصبيته تسيطر، فغضبه حاضرٌ دوماً، وصوته جاهزٌ للصخب في كل ساعة.

يا صديقي كثرت حوادث الطلاق والانفصال، وتدخل الوسطاء والغرباء في شؤوننا، وفضحت أسرارنا، ورفع الستر عن بيوتنا، وأصبحت عوراتنا مكشوفة، وتصرفاتنا في بيوتنا معروفة، واعتادت المرأة أن تذهب إلى بيت أبويها غاضبة، تشكو لهم همها وحزنها وشريكها الذي أصبح مثلها، تطالبهم بوضع حدٍ لمعاناتها، والضغط على زوجها ليتركها أو يتخلى عنها، ما أجبرنا يا صديقي أن نوهم أنفسنا بالاشتغال، فنخرج لنتسكع، أو نزور آخرين ونشغلهم، أو نعمل سائقين ننقل الركاب والعاملين، ننظر بعيوننا إلى الجادين والمنشغلين، فأكثرنا يا صديقي أدرك أنه أخطأ، وأن قيادته قد ارتكبت في حقه جريمة، فقد حرق الاستنكاف أصابعنا، وأشعل النار في بيوتنا، وبات يهدد استقرار أسرنا ومستقبل أولادنا.

هذا بعض حالنا يا صديقي فهل ترغب في المزيد، قلت له كفى بالله عليك فقد أصابني من حديثك حزنٌ واكتئاب، وقلقٌ واضطراب، فقال لي ... انتظر لدي المزيد ... فأبقي في عينيك دمعة، وفي قلبك لوعة، وفي صدرك آهة، فما بقي أوجع، وما امتنعت عنه أصعب، ولكن يا صديقي لا تفهم من كلامي أني عن أفكاري قد تخليت، وعن موقفي قد تراجعت، فأنا ابن هذا الوطن، أحبه رغم ما فيه، وأعشقه رغم ما أعانيه، وأدعوك صديقي لتعود ... فهنا الوطن وعلى أرضه البقاء، وتحت سمائه الخلود.

 

انشر عبر