شريط الأخبار

السوريون وحركة إنقاذية خلاقة - علي عقلة عرسان

08:29 - 08 تموز / سبتمبر 2012

 

دائماً وأبداً " سورية المخضبة بالدم" تشغَل البال وتضغط وتنتزع السيطرة على التفكير والنفس والقلم، ويبقى ألمها سيد الألم.. لماذا؟ ليس هذا السؤال مما يمكن التعامل معه بجدية فيحظى بالجواب من بين الأسئلة التي قد تبدو منطقية، لأن سورية الوطن والبيت والركن العربي المتين، بل ركن الأركان في هذا الزمان.. لأنها القلب المدمى، والروح الذي ألمت به النار ويشتم "شواطه" من مسافات بعيدة، ولأنها المحرق وبؤرة الاحتراق.. ولأن بيت الإنسان إذا سلم ولم يسلم وطنه ضاع البيت ومن فيه بضياع الوطن، ولأنه إذا سلم قلبه وتهرَّأ جسده ولاذ بأرض ما أصبحت وطناً مؤقتاً، بقي الحنين إلى الأرض الوطن مشتعلاً في القلب ومسيطراً على العقل والنفس والجوارح إلى أن يمرِض المضغَة التي في الجسد، " القلب"، فتفسد، أو يقوى فيردها إلى دارة النشأة وبيئة الروح فتطيب، ويجعلها تقود حركة العودة بالعاطفة الفياضة، والرؤية التي تمنحها القلوبالبصائر، والحنين الذي يربو على حنين " ذات البَوِّ"، والشوق اللاهب إلى الوطن الذي لا بديل له ولا بديل عنه، حيث يمرع الحب وتفرح الروح هناك، فحب الوطن من الإيمان، والإنسان من دون إيمان وطاقة روحية عليا خلاقة ما هو سوى كم من اللحم سيأتي عليه وقت فيفسد ويترمَّد، فالجسد بلا روح لحم يأكله الدود في اللحود ويتبدد.. أما الروح فمقامها في الأعالي، وخلودها متواشج مع مقومات الخلود في الكون الذي خلقه ويدبره الرب المعبود.. نعم سورية مسيطرة على روحي وتفكيري وقلمي هذه الأيام.. فهي الجرح النازف، والبيت العربي الذي تشتعل في أهم أركانه النار.. وهي البقية الباقية من روح أمة مجيدة، إذا أزهقت أزهق ما تبقى من الروح العربي أو كاد، وبقي منها الجسد الذي قد يفسد بلا روح، بل سيفسد لأنه بلا روح.

يستحر القتل في بلادي، ويتلذذ بذلك من يتلذذ، ويعلن من يريدون الإجهاز على سورية عن تصميم على متابعة العمل حتى بلوغ الهدف.. وترتاح لهذا الاقتتال دول ومؤسسات وجهات وشخصيات يعنيها كثيراً أن تتمزق سورية وتُدمَّر، أو على أقل تقدير أن تنهك وتنكفئ على ذاتها، تتلهى بجراحها، وتغيب إلى عقود وعقود عن ساحة الفعل والوجود، فيمر زمن يحتاج إليه أعداء الأمة لينجزوا كل شيء على هواهم.

تلك حالة نمر فيها أقل ما يُقال عنها وفيها إنها خبل ووبال على سورية والأمة، وأوسط ما يُقال فيها إنها إجرام بحق الشعب والوطن، أما أقصى ما يُقال فيها فإنها تآمر المجانين وجنون المسؤولين والمتآمرين، يتضافر ليسقط سورية الرمز والمقام والتاريخ والدور القومي والحضاري، سورية بيت العرب ، وقلب العروبة، وروح الشام.. بذريعة الحرص عليها والحب لها؟ ومن الحب ما قتل، ومن المحبين من يعمى قلبه فلا يرى سوى نزوته وأصابعه التي تنغرس في عنق الضحية " المحبوبة" تقتلها، فعل ديك الجن في العرب وعطيل في الغرب.!؟.. " والمحب" الذي يفعل ذلك في لحظة غياب وعي وفلَتان زمام العقل قد يتأكَّله الندم، أما هذا النوع من المحبين فهم أقرب إلى المرضى ومصاصي الدماء، إنهم " محبون" يلوذون بجنون الحب لينفذوا جرائم لا تهز ضمائرهم، وما هم حين يفعلون ذلك سوى مجرمين قد لا يطالهم العقاب، ولا يرقى المجرم إلى مستوى من يُرجى أن يتم على يديه أمن من جوع وخوف، وصون للبلاد والعباد، وخلاص من بؤس السياسة وبؤس الأنفس المكبَّلة بأهوائها ونزواتها وشهواتها وتسلطها وارتباطاتها، فضلاً عن أن يُرجى منه وعلى يديه حرية وتحرير وعدل ومساواة وبناء وازدهار ووئام وسلام.

في سورية اليوم نوع من البؤس البشري الفظيع المريع، يتخفَّى أو يتلطَّى خلف أنبل المشاعر والمواقف والواجبات والتوجهات.. ابتداء من من الحرية وانتهاء بالسيادة الوطنية.. ومن أسف أن كثيرين ممن يصطفّون في هذا الموقع أو ذاك لا يرون بؤس مواقعهم ومواقفهم وتصرفاتهم، من حيث انعكاسها على الشعب والوطن.. فكل منهم، أياً كان وأياً ما فُرض عليه، يقتل ويدمر ويرهب الناس ويؤدي إلى تشرد الشعب ومعاناته وإلى تدمير الوطن وتدمير مؤسساته، ويبذر في النفوس بذور الفتنة والحقد، ويؤسس لمستقبل فيه الكثير من الغصص ومسببات القلق والتخلف والصراع المقيت.. فأية حرية وأي محررين، وأي خلاص وأي مخلصين، وأي حماة وأي حامين، وأي بناء وأي بناة.. بينما القتل عنوان، والموت والدمار نتيجة، وخدمة العدو قائمة، سواء رضي من رضي أو غضب من غضب؟!.. فعدو الأمة العربية الأول، وعدو سورية الأكبر " إسرائيل"، هي المستفيد مما يجري، وهي التي نجحت مع حليفها الأميركي، بأن تجعل بعض العرب والمسلمين، وبعض السوريين وغير السوريين، يخوضون حروبها ضد عرب ومسلمين بالوكالة، ويدفعون من دمهم ومستقبلهم ضرائب، فضلاً عن التكاليف المادية التي يدفعونها مضاعفة، أما التكاليف المعنوية فيؤدونها من دون سقوف وإلى زمن غير محدد، وربما غير منظور.؟!  

لا أريد أن أعمم اليأس لأنني أرى البؤس من زاوية حادة من زوايا الرؤية، فباب التفاؤل لم يغلق، ولا يمكن أن يغلق.. ولكن حين لا يرى المرء سوى الدمار وتخريب البنى وتدمير القوة التي حبونا على أكواعنا ورُكَبنا وحتى على رموش عيوننا حتى بنينا ما بنيناه منها خلال عقود قاسيات من الزمن، وهي عرضة للضياع، وحين لا يرى من حوله سوى ضحايا وفرائس ودمار.. حينذاك يتخطَّف بصرَه ما يرى، ولا يتذكر سوى القاتم فيما يرى، وتكاد تغطي أفقه الفرائسُ ويهيمن عليه المفترسون.!! واقع الأمر أن المأساة كبيرة ولكن ما زال هناك أمل، وما زالت هناك ثقة بإمكانية التوقف قبل التردي الكلي في الهاوية، وما زالت هناك فرصة ومخارج نجاة لمن يريد لسورية الخير ولنفسه مخرجاً من مأزق دخل أو أُدخل فيه.. سورية لم تمت، وسورية لن تموت.. ولكنها مثخنة بالجراح، وإرادات بعض أبنائها مرتهنة أو مخترقة أو منتزعة، والتحديات أصبحت جائحة الجوائح على أرضها.. والمعول عليه في هذا المناخ وهذه الظروف عقلٌ وضميرٌ وحس وطني ووعي وحكمة، في إطار حنكة سياسية وقراءة واعية للواقع والحدث والنتائج، على مستوى البلد والأمة والمنطقة.

الأخضر الإبراهيمي سيطل على سورية وفي أطراف ربيعه المرتجى حرائق الربيع العربي ورائحة شواظه، وأظنه ممرور النفس حين يخطو خطواته الأولى على طريق مهمته الصعبة في سورية وهو يستمع إلى المسؤولين الكبيرين، البريطاني كاميرون والفرنسي هولاند، يعلنان مساء الخميس 6 أيلول / سبتمبر 2012 من لندن "أنهما اتفقا على تسريع الانتقال بالسلطة في سورية، وعلى دعم المعارضة بالتنسيق مع دول في المنطقة، وهذا يعني فيما يعني تسليحاً و" تدخلاً عملياً" في سورية لتسريع انتقال السلطة الذي يسميانه حلاً، بينما ما وافقا عليه في جنيف هو حل سياسي في إطار الحوار..؟! وفي خلفية ذلك الموقف يقبع الأميركي الذي يوجِّه، والصهيوني الذي يحرِّك، وعربي من عربنا يحرِّض ويموِّل؟!.. والإبراهيمي يعرف أيضاً أنه يأتي إلى دمشق وسط غبار زوبعة أثارها خطابا الرئيس المصري محمد مرسي في مؤتمر قمة عدم الانحياز ومؤتمر وزراء الخارجية العرب، حيث قال ما قال بشأن سورية وضرورة رحيل الرئيس والنظام، وهذا من وجهة نظر البعض تطرَّف يراه الرئيس حلاً وانحياز ليس من صفات الوسطاء،  وانحياز ليس من صفات الوسطاءذ أن الرئيس مرسي يمثل مصر التي هي عضو في لجنة وساطة ثلاثية شكلها مؤتمر دول عدم الانحياز من جهة، وصاحب اقتراح بلجنة وساطة رباعية اقترحها هو لتسعى إلى حل سياسي، من جهة أخرى.؟! وأنه، أي الإبراهيمي، يأتي كذلك في خضم زوبعة تصريح رجب طيب أردوغان الذي "اتهم سورية بأنها دولة إرهاب" فواجهته باتهام مماثل برعاية الإرهاب وتصديره إليها، وهدد أو وعد "بأنه سيصلي قريباً في المسجد الأموي بدمشق"، ما يعني عنوة تنطوي على تهديد باستخدام القوة أو امتطاء صهوتها.؟! وفي هذا كله ما فيه مما يعقِّد مهمة الإبراهيمي، ويعرقل كل مسعى حسن، لا سيما إذا وضعنا ذلك كله في مناخ أو سياق تساؤل وجهه الرئيس الروسي فلاديمير بوتين إلى شركائه الغربيين، وهو والأميركي قطبا الاتفاق والاختلاف في الحل السياسي السلمي عملياً، حيث قال: " لماذا يجب على روسيا فقط أن تعيد النظر في موقفها؟ فربما يجب على شركائنا في عملية المحادثات أن يعيدوا تقييم موقفهم.؟"، مذكراً باتفاق جنيف وخروجهم عليه وعلى النقاط الست التي أصبحت برنامج كوفي عنان، وهو الطلب الذي يبدو شبه مستحيل.. وفي حكمه تراجع روسيا والصين عن موقفهما المبدئي من الأزمة السورية، لا سيما لجهة التدخل الخارجي وفرض مناطق آمنة وحظر جوي.. إلخ، مما تطالب به المعارضة.؟!  وللرئيس بوتين إشارة ذات بعد سياسي ودلالات لا ينبغي إهمالها، ويحسُن التوقف عندها في مجالي التحليل والاستشراف، إذ قال: "هناك من يريد استخدام مقاتلي "القاعدة" والمنظمات المتطرفة الأخرى لتحقيق أهدافه في سورية.. هذه سياسة خطيرة وليست بعيدة النظر.. ولا يجوز نسيان أن هؤلاء المواطنين سيوجِهون ضربة إلى محسنيهم.".. بتذكير للأميركيين بأنهم من أسس القاعدة وطالبان فارتدا عليهم.

   الأخضر مرحب بجهوده، رايته بيضاء ووجهه كذلك، ومنتظر منه رسمه وحسمه، إلا أنه، من وجهة نظري، لن "يُخرج الزِّير من البير" في مثل هذه المواقف والظروف وأشكال التصعيد والتحدي والوعيد.. ربما يعمل من مكتب معلومات تكون مادته وتقاريره أحد روافد المعلومات التي تساهم في صنع قرار مجلس الأمن الدولي حول سورية، ولكن علينا أن نعرف وندرك أن هناك أطرافاً في ذلك المجلس ترفض أن تأخذ معلوماتها النهائية من مصادر المجلس، أو جتى تقوم بتصحيح معلوماتها ومواقفها في ضوء ما يقدمه لها من معطيات، وتعتمد على مصادرها أو على ما يخدم أهدافها المقررة مسبقاً. وعلى هذا فإن مخرج الأزمة السورية هو سوري يبدأ من حلقتين دوليتين، من حيث المناخ والتمهيد وخلق الظروف الملائمة وتبريد الرؤوس الحامية، والحركة المفتاحية الرئيسة، حيث أن الحركة المفتاحية الأولى بيد روسيا والولايات المتحدة الأميركية، ومن ثم الحركة عبر دول الدائرة الثانية، ومنها دول عربية وإسلامية في المنطقة تلتزم إلى حد كبير باتفاق مكونات الحلقة المفتاحية الأولى واتفاقها، والثالثة والأخيرة هي الدائرة السورية.. ولكن من يضمن الحركة المفتاحية الأولى والتدرج التالي و"إسرائيل" صاحبة قرار في الولايات المتحدة الأميركية من جهة، وذات قدرة على اللعب في دوائر مفتاحية في الدائرة الثانية، وصاحبة مصلحة استراتيجية أولى في استمرار الأزمة وتوسعها لتدمير سورية وإخراجها من دائرة صنع القرار المؤثر في مستقبل المنطقة من جهة أخرى.؟! وعلى هذا من يضمن بصورة نهائية حدوث ما يجعل السوريين يجلسون معاً إلى طاولة حوار في مفاوضات مسؤولة عن وطن وشعب وتاريخ وقيم وهوية ومبادئ، من دون تأثير معطل وعصي في العجلات؟!

هنا أتطلع إلى حلقة مفتاحية أخرى، إلى حركة إنقاذية خلاقة، إلى مبادرة نوعية يقوم بها سوريون غير محكومين برؤى ومواقف ومواقع ومصالح ليست هي مصالح الشعب السوري العليا ومصالح الأمة العربية االتي لا يمكن لسورية أن تجد ذاتها وهويتها ومكانها خارجها.. ولا بصدأ النفوس، وتفاعلات الصراع الدامي ومجرياته وتحدياته وثاراته وعقابيله، هي أكف نظيفة يمكن أن تستغني عن مفاتيح، وتصنع مفاتيح، وتقوم بحركة منقذة خلاقة وبناءةة، بعيداً عن التأثير الصاعق لقوى تملك مفاتيح في هذه الأزمة، هي أكف من يملكون الوعي الوطني السوري الكامل الشامل الحر المسؤول المنتمي لأرض وتاريخ وعقيدة وهوية وأمة وشعب.. ومن يملكون هذا الوعي يستطيعون القيام بدور خلاق يكسب ثقة الشعب فيجتمع على رأيهم رأي الشعب، فيستمع إليهم ويحتضنهم وينصرهم مختاراً، فلا يجدون من يضعفهم من بعد إذا ما احتضنهم الشعب وحماهم ونصرهم وانتتصر بهم.. هؤلاء ومن في حكمهم ومن نسيجهم الوطني والأخلاقي من أنشد، ومن أعلق عليهم تفاؤلي وأملي المستقبلي، وأراهم مفاتيح الحل وابواب الخروج بسورية الوطن والبيت والقلب والحب من هذه الأزمة الدامية والكارثة التي تلبس لبوس فتنة تتراءى في الأفق أوسع وأشد، تشمل العرب والمسلمين، إنهم قوة وأمل ووعي مسؤول يحول دون استمرار ما يخطط له أعداء الأمتين العربية والإسلامية، وأعداء سورية القلب، وما يعملون على تغذيته وإشعال ناره ليعم الحريق، لا سمح الله.

إن أولئك الذين ينتظر منهم الموقف والتضحية والارتفاع إلى درجة المسؤولية هم من تنتظر الأمةُ تقدمهم إلى ساحة الفعل المنقذ الخلاق، ليقولوا لمن غرق في الدم والدمار والإثم والإجرام.. كفى، كفَّ.. وقدم حسابك أمام شعبك في ضوء عدل ناصع غير منقوص، وقانون حاكم فوق كل رأس كل حاكم، وأعلى قامة من أية قامة.. وهو حساب أمام الله والشعب من أجل الوطن والأمة والأجيال، من أجل مكانة سورية ودورها التاريخي وهويتها العربية وثوابتها القومية والوطنية.

فهل نفعل ويفعلون، بسرعة من يطفئ حريق البيت المشتعل، قبل أن يأتي حريقه على الأطفال الذين يصرخون ويستنجدون ويبكون في زواياه؟! أسأل الله سبحانه أن يستجيب، وأن يبعث في القادرين همة وقوة ونخوة ورحمة، وأن يزع بالقرآن والسلطان والتجربة التي مر بها الإنسان من أخذته العزة بالنفس، وأغراه القريب والبعيد بالعنف والإرهاب والغي والقهر والظلم، فكان بسبب ذلك كله سفك دم، ودمار عمران، وتخريب علاقات، ومعاناة شعب، وطغيان وإرهاب ورعب.. أسأله ذلك سبحانه، لكي تموت فتنة، ويحيا شعب ووطن وقيم، وتبقى في المجتمع والأنفس: المحبة وعُرى العقيدة السامية، والانتماء الأصيل، قوية متينة ومرعية.

والله من وراء القصد.

انشر عبر