شريط الأخبار

قصص مؤلمة وحكايات مريرة ترويها أُسر ضحايا حادث طولكرم

09:34 - 13 تموز / أغسطس 2012

طولكرم - فلسطين اليوم

قبل أن تغيب الشمس، غيب القدر العامل محمد فايز احمد كنعان (37 عاما) عن عائلته وزوجته وأطفاله الذين كانوا ينتظرونه في منزلهم في بلدة جبع على مائدة الإفطار الرمضانية والتي جهزت حلواها الخاصة لهذا اليوم الزوجة أم عزام، ولكنه رحل قبل موعد الوصول في الحادث المفجع، لتتحول الفرحة لصدمة و أحزان وكوابيس لم تتوقعها الزوجة حتى في أسوا لحظات حياتها .

وبين صرخات الألم ودموع القهر، ونوبات الإغماء تتعالى صرخات الزوجة وهي تحدق بأطفالها الثلاثة ثم تضمهم وتصرخ " أبوكم مات ...أبوكم مات مش راح يعود إحنا صرنا أيتام"، ورغم محاولات الأهل والأقارب التخفيف من مصابها الجلل تتكرر نداءاتها لتطالب برؤية زوجها ورفيق دربها الذي غادر منزل كما تقول في ساعات الصباح مع أبناء بلدته وأصدقاءه لمركز عملهم في منطقة "نتانيا"، وهو قلق جدا عليها وعلى صحة مولودهما الجديد ربيع حتى انه كان يتردد في الذهاب للعمل بسبب بقاء مولوده في المستشفى".

ربيع الابن الرابع للمرحوم محمد الذي أنجبته زوجته قبل يومين عانى كما يقول أقرباء العائلة من مشاكل مما أدى لوضعه في غرفة العناية المكثفة في مستشفى جنين الحكومي، وقرر الأطباء حاجته للبقاء لأسبوع للفحوصات والمتابعة، الزوجة أم عزام أقنعت زوجها بالذهاب لعمله مصدر الرزق الوحيد للعائلة لأنها ستتابع ربيع وترعاه .

 توجهت أم عزام صباح أمس للمستشفى لتعيش الفرحة الكبرى بعدما أبلغت أن المولود بصحة جيدة وهناك موافقة على خروجه وعودته معها.

احتضنت أم عزام مولودها وقبلته وانطلقت مسرعة لمنزلها في جبع لتجهزه كما تقول "ويكون اول شخص يراه والده عندما يعود من عمله ".

تخنق الدموع الزوجة الصابرة وهي تروي على مسامع من توافدوا لمنزلها فلم يتوقفوا عن البكاء من هول الفاجعة واثر الحكاية المؤلمة والقاسية التي تابعت سردها وهي تتالم بحسرة ومرارة " بسبب حالة ربيع لم نفرح وقلقنا كثيرا ورغم ان لدينا 3 اطفال فان زوجي قال انه يشعر بعاطفة كبيرة تجاهه لذلك اخفيت خبر خروجه من المستشفى عنه ومنعت احد من الاسرة من ابلاغه لتكون مفاجاة سارة له كون مولودنا تعافى وخرج من غرفة العناية المكثة بعدما انعم الله عليه بالشفاء قبل الوقت الذي حدده الاطباء" .

ووسط اجواء الانتظار والفرح في جبع ، كان محمد وزملاءه انهوا عمله واستقلوا الحافلة التي نقلتهم الى جنين لكنهم لم يصلوا بسبب الحادث الذي استقبلته ام عزام بالذعر والصرخات والدموع ، وتقول عائلتها " كانت تجهز طعام الافطار لزوجها واطفالها وفرحة جدا بسبب المفاجاة التي كانت تستعد لابلاغها لزوجها ولكنها عندما علمت بالحادث وقعت ارضا وصرخت ولم تصدق ".

ورفضت ام عزام تصديق الخبر، وجلست وسط اطفالها في منزلها تنتظر اتصال عائلتها واهل قريتها الذين انطلقوا الى موقع الحادث، وعندما تلقت الاتصال انهارت من شدة البكاء، فقد شاهدوا زوجها بين الضحايا بعدما لفظ انفاسه الاخيرة.

نفس المشهد تكرر في كل منازل بلدة جبع وليس فقط في منازل الشهداء ، وانطلق الاهالي فورا الى موقع الحادث للاطمئنان على ابنائهم الذين خرجوا من اجل لقمة العيش ولكن لم يعد احد منهم .

وعمت اجواء الحزن والالم في البلدة التي اعلنت الحداد ، بينما توجه الاهالي لمنازل الشهداء وسط مشاعر الصدمة، وعندما كان المسلمون في كل ارجاء العالم يتناولون الافطار فان اهالي جبع وذوي الضحايا كانوا يبكون ويتالمون، ولم يتناول الصغير قبل الكبير الافطار من هول الصدمة وشدة الوجع.

اما في منزل الشهيد جمال احمد كامل فشافشة (44 عاما)، فاحتضنت زوجته اطفاله الاربعة وهي تبكي وتتمنى ان يكون الخبر كاذبا، وتقول " لن اصدق ان ابو كامل رحل، اننا ننتظره لنفطر سويا ككل يوم فلن يكون لنا حياة بعده".

وتحول المنظر لاصعب مما تصفه كلمات عندما اعلن رسميا عن اسماء الشهداء، فاغمي على ام كامل وتعالت صرخات الاطفال المفزوعين وهم يرددون اسم والدهم الذي ينتظرونه كل يوم ليحصلوا على مصروفهم بعد كل افطار.

ولم يختلف المشهد كثيرا في منزل عائلة العامل منير يوسف ابو عون (32 عاما)، بل كانت اشد الما لان زوجته وبناته الثلاثة كانوا يستعدون للانتقال لمنزلهم الجديد الذي شيده منير الذي ما زال يعيش فرحة حصوله على تصريح عمل منذ 5 سنوات.

وقالت شقيقته، "عاش اخي ايام عصيبة خلال السنوات الماضبة لعدم حصوله على تصريح، ورغم انه كان يعمل في عدة مجالات لكن فرح كثيرا عندما تسلم تصريحه قبل 3 ايام فقط ".

ويضيف " بمساعدة ابناء بلدته التحق بالعمل وانتظم به وكان سعيدا خاصة وان عمله يتزامن مع تجهيزاته الاخيرة للانتقال لمنزله الجديد الذي انتهى من بناءه مؤخرا ". لكن فرحة منير وعائلته لن تكتمل كما قالت زوجته وهي تبكي من هول الصدمه " لم يبقى لنا فرح او حياة ، منير راح وكل شيء راح الله اكبر هل هذا صحيح ام حلم".

وتضيف، "اه يا ربي لو تستجيب لدعواتي ويتحول لكابوس، لاننا كنا ننتظر فرحة حصوله على عمل والحياة في بيتنا الجديد ولكن كل شيء ضاع ".

وانهمرت دموع زوجة الشهيد خالد احمد ابو عون، وهي تعانق طفلتها اية البالغة من العمر 10 شهور، وتارة تبكي واخرى تتلو القران الكريم والدعوات، بعدما صدمت اثر تلقيها نبا رحيل رفيق دربها مخلفا وراءه 5 ابناء، اكبرهم 13 عاما واصغرهم ايه الذين ليس لهم معيل سوى عمله .

ورغم اجتماع الاهل والجيران حول زوجة وعائلة الشهيد فتحي علي خليلية (32 عاما )، فان صور الحزن بكل صورها تكررت بين الصرخات والاحزان والانهيار والاغماء خاصة في موعد الافطار حيث تتذكر زوجته وجوده في منزلها ومع طفلتهما الوحيدة البالغة خمسة شهور، وقال شقيقه، "ما زال اخي عريس تزوج قبل عام ورزق بطفله قبل شهور، كان طموحا ويحلم بمستقبل وحياة سعيدة لزوجته وطفلته وذريته، يحب الاطفال ويتمنى تاسيس عائلة كبيرة ".

واضاف " انها مصيبة وكارثة لم ولن نستوعبها ، منذ وقوع الحادث ورغم مشاهدتي لاقسى لحظة في عمري لا اصدق ان فتحي رحل بهذه البساطة والسرعة، وانه لن يعود لطفلته التي ستعيش بلا اب ".

ورغم الايمان بقضاء الله وقدره، تحولت لحظات الافطار في منازل الضحايا لصرخات ودموع وصلوات ودعوات ، في وقت عمت فيه اجواء الحزن في محافظة جنين حيث توافد الاهالي على مستشفى جنين الحكومي فور وصول الجثامين ، وقامت طواقم الهلال الاحمر وقوات الامن الوطني وعلى راسها قائد المنطقة العقيد الركن محمد الاعرج بالتخفيف من حزن والم عائلات الضحايا ونقلهم لثلاجة الموتى في المستشفى ، فلم يحتمل الشاب جهاد الصدمة عندما شاهد والده الشهيد محمد حسن ملايشة (47 عاما ) ، وعجز عن الكلام والتعبير وهو يعانقه في المستشفى ولم يقل " سوى الله لنا ، نتضرع له ليتقبل شهادته ويرزقني ووالدتي واخواني الخمسة الصبر والسلوان ".

اما في منزل الشهيد اشرف فتحي فشافشه (30 عاما ) ، فكان الموقف اكثر الما عندما سمع والده المريض النبأ ، فاغرورقت عيني بالدموع وهو يقول " اريد ان ارى اشرف انه روحي وسندي كان يعمل ليل نهار ويشقى من اجل علاجي ليت يومي كان قبل يومه ".

الحاج الذي اقعده المرض وتدهورت صحته مؤخرا، اضاف " عندما كنت اقول له ساموت ، كان يقبلني ويقول لي عمرك طويل ان شاء بتعيش وبتفرح باحفادك، انت من ستزوج بناتي الثلاثة ، ولكنه سبقني ورحل وتركنا وماتت كل فرحة عمري".

والقى الطفل محمد (13 عاما) نفسه فوق جسد والده الشهيد فارس عرسان حمامرة (38 عاما) المضرج بالدماء وهو يصرخ ويبكي من هول الصدمة ، وقال " تسحر معنا وودعنا وذهب لعمله كان دوما يقول لي انت زلمي الدار ديربالك على حالك ، واليوم رحل وتركني وحدي مع شقيقاتي ووالدتي "، واضاف " انها نكستنا وجرحنا الذي سينزف للابد".

وفي بلدية جبع ، تراس المحافظ اللواء دويكات اجتماعا طارئا مع المؤسسات والفعاليات للترتيب لمراسم تشييع الشهداء في موكب رسمي اليوم بعدما اعلنهم الرئيس شهداء ، ناقلا تعازيه لذويهم مؤكدا انها كارثة كبرى المت بكل شعبنا الذي يقف الى جانب ذوي الشهداء للتخفيف من مصابهم الجلل .

من جانبه ، قدم قائد منطقه جنين العقيد ركن المهندس محمد الأعرج التعازي لأهالي ضحايا الحادث . وأفاد مكتب العلاقات ألعامه والإعلام لقوات الأمن الوطني في جنين بان قائد المنطقه وبناء على توجيهات قائد قوات الأمن الوطني اللواء نضال أبو دخان أعلن حاله الاستنفار في صفوف قوات الأمن الوطني لاستقبال جثامين الشهداء وستستمر حتى تشييعهم بموكب رسمي وشعبي .

انشر عبر