شريط الأخبار

40 في المائة مع الهجوم في ايران.. معاريف

11:28 - 10 حزيران / أغسطس 2012

بقلم: عوفر شيلح

       (المضمون: استطلاع في مسألة الهجوم في ايران يبين ان الجمهور يعتمد على نتنياهو وباراك ولكنه ينتظر موافقة القيادة الامنية  - المصدر).

          وضع كهذا لم يسبق له أن كانت منذ العام 1982، وحينها أيضا لم يكن هذا على هذا النحو. قبل حرب لبنان الاولى دارت في اسرائيل رحى جدال في مسألة ما الذي ينبغي عمله بتهديد م.ت.ف في لبنان. غير أن في حينه لم يعرف الجمهور عن المخططات الدقيقة لوزير الدفاع ارئيل شارون. اما هذه المرة فيكاد يكون كل شيء، حتى تفاصيل التفاصيل العملياتية، موضوع أمامنا: النجاعة المحتملة لهجوم اسرائيلي في ايران؛ انقسام الرأي في القيادة السياسية وموقف قادة الاذرع التنفيذية في الحاضر وفي الماضي القريب؛ المعارضة القاطعة من جانب الولايات المتحدة لهجوم اسرائيلي دون تنسيق، وبالمقابل التزاما، ومؤخرا بكلمات صريحة لوزير الدفاع ليئون بانيتا، بمنع ايران من التحول الى نووية. لا يوجد شيء هام حقا لبلورة الموقف ليس معروفا لنا.

          مع ذلك، في استطلاع "لمعاريف" ينشر هنا يجيب نحو ثلث الجمهور على كل سؤال بـ "لا أدري" او امتنع عن اعراب الرأي. أمامنا موضوع وجودي: أكثر من ثلث الجمهور يعتقد بان قنبلة نووية في يد ايران قد تجلب كارثة ثانية. كنا نعتقد أنه امام مثل هذا التهديد، وفي وضع معروف كهذا، قلة قليلة جدا من الناس سيبقون دون رأي. ماذا ينقص ذاك الثلث من الجمهور ليس المعرفة بل الرغبة في الحكم. وبالذات انطلاقا من حجم المشكلة، بالذات لانه مطلوب هنا حسم أحادي القيمة، الهجوم وحدنا أم عدم الهجوم وحدنا – بالنسبة للخيارات الاخرى، من هجوم دولي وحتى القطب الثاني، الذي يكون فيه لايران قنبلة، لا جدال – ثلث الاسرائيليين يرعونه. ما يقولونه ليس "أنا أعرف" بل "هذا كبير علي". وعندما يكون هذا كبيرا علي، ننظر الى رجال التنفيذ.

          ينبغي العودة الى قول ما تعرفونه: القيادات التنفيذية موحدة من الحائط الى الحائط في الموقف، الذي يرى في هجوم اسرائيلي وحدها، وبالتأكيد ضد موقف الولايات المتحدة ضررا هائلا – ليس فقط في الاثار الفورية، في الحرب الاقليمية وبمئات القتلى بل وايضا واساسا ضررا للجهد لوقف القنبلة الايرانية. رئيس الوزراء ووزير الدفاع يدعيان بان لقادة الاذرع تنقص المعرفة، بل يلمحان أحيانا (نتنياهو أساسا) بانه تنقصهم الشجاعة، ويقولان عن حق بانه تنقصهم الصلاحيات، وان حق الحسم محفوظ للقيادة السياسية. ولكنهما لا يجادلان في القول بان رأي رئيس الاركان وقادة أسرة الاستخبارات الحاليين يشبه الرأي الذي أعرب عنه سابقوهم في المنصب.

          الجمهور يفهم ويتأثر. رغم أن أغلبية المستطلعين اجابوا على السؤال اذا كانوا يثقون بتفكير نتنياهو وباراك بشكل ايجابي أكثر من سلبي، في مسألة الهجوم، كان الجواب واضحا: ضد هجوم اسرائيلي دون تنسيق في ايران، وبالتأكيد ضد هجوك كهذا اذا كان قادة الاذرع يعارضونه. الرأي العام ليس بالضرورة محقا، ولا حاجة لان يملي سلوك القيادة المنتخبة. ولكنه واضح، ثابت ويعتمد على كمية أكبر من أي وقت مضى على المعلومات ذات الصلة.

          المعركة المتأخرة

          في وسائل الاعلام يصور نتنياهو وباراك ككتلة منسجمة تقود نحو الهجوم، ولكن توجد فوارق طيفية هامة بينهما. نتنياهو يركز على الخطر: فهو يصور سيناريوهات رعب تتمثل بنقل مادة لعملية نووية الى حزب الله، وبالاساس يظهر عدم ثقة في الادارة الامريكية الحالية. أغلبية غير كبيرة من الجمهور الاسرائيلي تثق باوباما، بانيتا وكلينتون؛ نتنياهو لا يقول هذا صراحة، ولكنه واضح أنه لا يثق.

          بالمقابل، محيطه هو الذي ينشر النظرية القائلة انه اذا هاجمت اسرائيل من طرف واحد، حتى قبل الانتخابات في الولايات المتحدة، فان ادارة اوباما ستضطر الى الانضمام الى الهجوم.

          هذه نظرية فيها غير قليل من الامنية؛ فباراك مثلا، لا ينضم اليها. هذا هو "التفكير المسيحاني" الذي تحدث عنه يوفال ديسكن: التعليلات التي يطلقها نتنياهو ترسم من جهة عالما قاتما، احد فيه لن يهرع الى نجدتنا حتى لو كان هذا يتوافق مع مصالحه والطرف الاخر سيعمل في طالحنا حتى خلافا للمنطق، وبالمقابل سيناريو متفائل على ما سيحصل اذا ما عملنا.

          باراك، من جهته، يركز على قدرة عملنا، ومن هنا الحديث عن "مجال الحصانة" الذي لا يعود فيه عمل اسرائيلي مجديا كثيرا. وفي حقيق الامر، حتى وزير الدفاع بات يقلل من أهمية مجال الحصانة هذا. في احاديث عديدة جدا، لم أسمع تقديرا بموجبه الهجوم الاسرائيلي الانجح سيلحق ضررا معناه تأخير مادي للمشروع النووي الايراني لاكثر من سنة. هناك من يضيف "فترة اعادة تنظيم" أو "اعادة تفكير"؛ الجدال يتراوح بين مئير دغان، الذي يقول انه سيكون لايران عشية الهجوم شرعية ودافعية لاستئناف المشروع بكل القوة، حيال عقوبات ضعيفة بعد أن يكون وقع الهجوم الاسرائيلي، وبين باراك الذي يتحدث عن أن المصلحة العالمية في منع قنبلة ايرانية لن تتغير.

          ثمة أيضا "المعركة المتأخيرة"، بمعنى المساعي لصد النووي الايراني بعد أن نقصف. حتى لو كان للهجوم انجاز مادي محدود، هناك من يدعي بان المعركة المتأخرة لن تتضرر. القيادة المهنية تفكر بشكل مختلف. الموقف الحالي الذي يعبر عنه باراك يسعى الى تقليص حجوم القصة: عملية لنا لن تحقق كثيرا، ولكن ضررها أيضا سيكون أقل مما يعتقدون. وعليه، فانه يلمح ولكنه لا يقول صراحة. يتعين علينا العمل كي نكسب الوقت، وأكثر من ذلك لان الامريكيين – وهنا يختلف عن نتنياهو – بالفعل يقصدون ما يقولون، ولكن هم أيضا لن يعملوا دون التفكير مرة اخرى في اللحظة الاخيرة. فمن يدري اذا كان هؤلاء سيكونون اوباما وبانيتا، ومن يدري ماذا ستكون مصلحتهم في حينه.

          هذا هو السطر الاخير: رئيس الوزراء (صراحة) ووزير الدفاع (ضمنا) يدفعان نحو عمل معناه في كسب الوقت هو في الحد الادنى، يقللان من اهمية ضرره المحتمل كل بطريقته، وبالاساس يجدان صعوبة في التفسير لماذا لا يمكن لكل هذا أن ينتظر بضعة اشهر، الى ما بعد الانتخابات في الولايات المتحدة وقيام ادارة جديدة تحت اوباما أو رومني. علينا أن نعمل، حسب رأيهما، لاننا يمكننا ان نعمل (باراك) ولان العالم الخائن لن يعمل في النهاية (نتنياهو). معظم الجمهور، وكل أصحاب المناصب التنفيذية، لا يشترون هذا المنطق.

          احتجاج ضد القتلى عبثا

          في ضوء كل هذا، الامر المذهل حقا هو الغياب التام للمعارضة الجماهيرية وبالاساس السياسية لنية نتنياهو وباراك. بين الاشخاص الذين يسعون الى تحدي رئيس الوزراء، شيلي يحيموفتش لا تتحدث على الاطلاق في الموضوع الايراني، يئير لبيد عقب عليه فقط حين سُئل في المقابلات الصحفية، وشاؤول موفاز يتحدث بأقوال عمومية ولا يقف، بكامل صلاحيته الامنية، ضد هجوم اسرائيلي غير منسق.

          في الزمن القصير الذي قضاه في الحكومة تحدث موفاز مع بعض الوزراء، الذين يعتبر موقفهم لسان الميزان في المجلس الوزاري وفي الحكومة. وكانت رسالته واضحة: هجوم اسرائيلي في هذه الظروف لن يغير الاتجاه الايراني، لا من حيث الاتجاه وقليلا جدا من حيث الحجم. وبالمقابل من شبه المؤكد أن يؤدي الى حرب اقليمية، الامر الذي نتنياهو وباراك على حد سواء لا يتنكران له. في هذه الظروف الدولة ببساطة لا تخرج الى حرب.

          ولكن موفاز لا يقول هذا بصوت عال، في اطار عمل سياسي لمنع الحرب. في الشوارع يعقد احتجاج على التجنيد أو على ثمن الكوتج، ولكن احدا لا يقود احتجاجا ضد القتلى عبثا  والضرر السياسي والامني للحرب المقتربة، حتى وان كان هذا موقفا تتفق معه أغلبية الجمهور. مثلما في 1982، عندما تطلق النار او تقترب الاصبع من الزناد، الكل يسكت خوفا من ان يصنفوا كمقتلعي إسرائيل.

          الوحيد الذي قال حتى اليوم هذه الامور بصراحة وبحزم كان دغان. غير أن دغان لن يكون في الغرفة التي سيتخذ فيها القرار. مصير الحرب، الذي لا يفهم الجمهور منطقها ولكنه هو الذي سيموت فيها، منوط بمسألة اذا كان سيكون في الغرفة أحد ما، ذو حزم ووزن شخصي، يمثل روحه.

انشر عبر