شريط الأخبار

مذبحة حقًا ومهزلة أيضا .. فهمي هويدي

09:51 - 08 تشرين أول / أغسطس 2012

ثمة اعتراف ينبغى تسجيله قبل أى تعليق على كارثة قتل الجنود والضباط الستة عشر فى رفح. إذ لا مفر من الإقرار بأن العملية بمثابة ضربة مدروسة جيدا سواء فى اختيار الهدف أو توقيت التنفيذ أو مستوى تدريب وتجهيز أفراد المجموعة الإرهابية التى ارتكبت الجريمة. من ناحية ثانية، فإن العملية أحدثت أثرها فى خلط الأوراق وإرباك الطرفين المصرى والفلسطينى حتى ألقت بظلال قوية على احتمالات التطور الايجابى الذى لاح فى الأفق على الصعيد الرسمى بين الطرفين. من ناحية ثالثة فإنها نجحت فى تأجيج وتعميق الوقيعة بين الشعبين المصرى والفلسطينى.

أسوأ ما حدث بعد صدمة الكارثة، أن أغلب المنابر الإعلامية المصرية تسرعت فى حكمها على ما جرى، قبل أن تتحقق من المعلومات الصحيحة من الفاعلين ومقاصدهم. آية ذلك مثلا أن بوابة «الأهرام» الإلكترونية ــ ذكرت فى أول خبر بثته عن الجريمة مساء الأحد 5/7 أن «خلية من غزة» قامت بها. وإذا كان ذلك مسلك مثير يفترض أنه يعبر عن جريدة رصينة ومحافظة، فلك أن تتصور مواقف المنابر الأخرى الأقل رصانة ومحافظة، ناهيك عن مواقع الخفة والإثارة. نعم كان بيان المجلس العسكرى أكثر صوابا حين ذكر لاحقا أن عناصر من غزة عاونت المنفذين (وهو تعبير دقيق ألمح إلى أن الذين قدموا من غزة كانوا مجرد معاونين بما يعنى أن المدبرين والفاعلين الأصليين من سيناء)، إلا أن تأثير ذلك البيان تبدد وسط حملة الانفعالات والمزايدات التى انطلقت بعد شيوع الخبر.

بعض السياسيين ومن يسمون بالخبراء تعاملوا مع الحدث بذات الدرجة من التسرع والخفة، وشاهدناهم فى البرامج التليفزيونية وهم يقطعون بأن غزة هى مصدر البلاء وحماس هى المشكلة. ومنهم من انتهزها فرصة لكى يكيد ويصفى حسابه مع صعود الإسلاميين فى مصر. فمن قائل بأنه شجع حماس على رفع سقف طموحاتها. وقائل بأن ذلك الصعود شكل مناخا مشجعا على التطرف والإرهاب، وقائل بأن ما حدث فى رفح هو حلقة فى مسلسل حوادث التطرف التى شهدتها مصر خلال الأسابيع والأشهر الماضية.

أيا كان الأمر فالشاهد أن الحادث أسهم فى تشويه الإدراك العام فى مصر، وهو ما لمسناه فى سيل التعليقات السلبية التى انهالت على تويتر والفيس بوك. بخلاف الأصوات المعبأة أصلا ضد الفلسطينيين وضد حماس. وهى التى انتهزت الفرصة لدفع معدلات الصراخ والعويل التى استهدفت إيغار الصدور وتعميق فجوة البغض والنفور.

الحادث يثير أكثر من قضية ويفتح أكثر من ملف، لكن الحيز المتاح لن يسمح لى اليوم بأكثر من الإشارة إلى نقطتين فى الموضع هما:

• أن الذين يكثفون هجومهم على غزة ويعتبرونها خطرا يهدد سيناء وأمن مصر القومى، ينسون أنها مسكونة بجماعات سلفية وجهادية وتكفيرية ظهرت خلال السنوات العشر الأخيرة بأعداد محدودة حقا، لكنها مطلقة السراح بسبب ضعف الوجود الأمنى المصرى، الذى فرضته اتفاقية السلام مع إسرائيل، وحددت أعداد الجنود المصريين وتحكمت فى مستوى تسليحهم ومدرعاتهم ومركباتهم. وقد قامت تلك الجماعات بعملياتها فى سيناء قبل وصول حماس إلى السلطة، وكانت كلها موجهة ضد الإسرائيليين وأنشطتهم هناك. أخص بالذكر التفجير الذى تم فى طابا عام 2004، وذلك الذى ضرب شرم الشيخ فى عام 2005 والثالث أصاب منطقة دهب فى عام 2006، علما بأن حماس تولت السلطة فى عام 2008. ولا يغيب عن البال أن عمليات تفجير خط الغاز إلى إسرائيل التى وصلت إلى 14 عملية لم يذكر أحد أن غزة أو حماس كانت لهما علاقة بها. وإنما ظلت تنسب دائما إلى عناصر فى سيناء. وما يلفت النظر فى كل ما سبق من عمليات انها كانت موجهة إلى إسرائيل بصورة أو أخرى، ولكن الجديد ــ بل والمريب ــ أن العملية الأخيرة كانت الوحيدة التى وجهت إلى عناصر من الجيش المصرى.

• النقطة الثانية أن الظروف التى وقع فى ظلها الحادث تستدعى إجراء تحقيق جاد لأن التقصير الأمنى والمعلوماتى واضح فيها. ذلك أن إسرائيل كانت قد حذرت من وقوع عمليات فى سيناء قبل ثلاثة أيام من الحادث، حتى سحبت سياحها من شواطئها. وحين يحدث ذلك فمن الطبيعى أن تستنفر النقاط الحدودية على الأقل، على صعيدى التأمين والاستطلاع. لكن الذى حدث كان مختلفا تماما. فقوة الحدود تصرفت باسترخاء وإهمال شديدين. وفى لحظة الإفطار نسى كل واحد منهم واجبه وانصرف الجميع إلى تناول الطعام، الأمر الذى سهل على المجموعة الإرهابية أن تباغتهم وأن توقع بينهم ذلك العدد الكبير من القتلى دون أن تلقى أية مقاومة. وهو ما دعا خبيرا عسكريا أعرفه إلى التحفظ على وصف ما جرى بأنه مذبحة وقال إن الوصف الدقيق له أنه مهزلة ــ غدا بإذن الله لنا كلام آخر فى الموضوع.

انشر عبر