شريط الأخبار

الأردن في وعاء ضغط - نظرة عليا

11:14 - 02 تشرين أول / أغسطس 2012

بقلم: عوديد عيران

بعد سنة ونصف من اندلاع العصيان المدني في العالم العربي، لا يزال الاردن يكافح آثاره الاقتصادية والسياسية.

مساعي الملك لتحقيق توافق واسع حول الاصلاحات السياسية التي يقترحها، ولا سيما في قانون الانتخابات، لم تنجح حتى الان. عبدالله الثاني، حازم في رأيه – في أن على الانتخابان ان تجرى حتى نهاية 2012 ووزير الاعلام أعلن بان قريبا ستوزع شهادات الناخب. من جهة اخرىن تصر حركات المعارضة المختلفة وعلى رأسها "الاخوان المسلمون" على رأيها في أن اقتراحات الحكومة لا تستجيب لمطالبها وانها ستقاطع الانتخابات. صخرة الخلاف بقيت – عدد المنتخبين للبرلمان في القوائم القطرية، خلافا لاولئك الذين سينتخبون على أساس المناطق.

في بداية تموز تبنت الحكومة "تحسينا" لاقتراحها عندما زادت عدد الذين سينتخبون في انتخابات قطرية من 17 الى 27. وتدعي المعارضة، وليس بلا منطق، بان اقتراح الحكومة ليس فقط لا يستجيب لمطلب ان ينتخب نصف اعضاء مجلس النواب على اساس قطري بل ان الحكومة خففت اقتراحها عندما زادت البرلمان من 140 الى 150 عضوا وهكذا ابقيت في ايديها السيطرة عليه (الطريقة الحالية تسمح للنظام باعطاء وزن أكبر للمناطق التي يوجد فيها سكان فلسطينيون اقل). وكما اسلفنا، ليس فقط "الاخوان المسلمون" ينتقدون الاقتراح – فحركات اخرى مثل "حزب الوحدة الاردني الشعبي" او "الجبهة الوطنية للاصلاح" أعلنت هي ايضا بانها ستقاطع الانتخابات. شخصيات اعتبرت في الماضي مؤيدة بوضوح للنظام مثل عون الخواصنة، رجل القانون ذو السمعة الدولية حتى قبل أسابيع قليلة كان رئيسا للوزراء، ينتقدون سلوك الحكومة في موضوع الاصلاحات.

كما أسلفنا في هذه المرحلة يوجه الانتقاد اساسا الى طريقة الانتخابات التي تقترحها الحكومة ولا احتجاج ذا مغزى على مكانة الملك. احتدام الصراع في موضوع طريقة الانتخابات قد يؤدي ايضا الى اتساعه الى المجال الحساس المتعلق بمكانة الملك وبروز الطلب لاقامة ملكية دستورية. ولعل هذا ما المح به عون الخواصنة عندما قال ان "الشعوب الاسلامية تواقة للحرية والعدالة والثورات كانت متوقعة الاندلاع في محيط يسيطر عليه الفقر والجهل" (جوردان تايمز، 23/تموز/2012).

الصراع المضرج بالدماء في سوريا بين نظام الاسد والمعارضة يؤثر على الاردن ويخلق معاضل فورية وبعيدة المدى. ومع أن رئيس الوزراء الطراونة ادعى بان تصريحاته لم تفهم كما ينبغي حين اقتبس كمن يدعو الى التدخل العسكري في سوريا – "فقد قلت ان مجلس الامن كمظلة للشرعية الدولية يمكنه أن يفرض وقف النار كخطوة مسبقة لايجاد حلول للازمة" (مصادر اردنية مختلفة، 18/تموز/ 2012). مهما يكن من أمر، فان هذا يعكس عصبية متصاعدة في عمان وتخوف من ان يكون الاردن مطالبا بالسماح بعبور المساعدات للثوار بل وربما استخدام الاراضي الاردنية لتسريع سقوط النظام السوري. الناطقون بلسان الحكومة الاردنية ينفون بحزم مثل هذه الامكانية. كما أنهم يقللون من اهمية تبادل اطلاق النار الذي وقع الاسبوع الماضي بين وحدات عسكرية من الدولتين، ترابط على الحدود.

فضلا عن بعض المخاوف التي تشارك فيها اسرائيل ايضا، كسقوط السلاح الكيماوي في ايدي عناصر مختلفة في سوريا واستخدامه، فان الحكم في الاردن ملزم، مثلما في دول اخرى في المنطقة وخارجها، بالتشديد على المسألة حول صورة سوريا والنظام الذي سيقوم فيها بعد الاطاحة بالنظام الحالي. الانقسام الديمغرافي لسوريا يهدد، في ظل غياب اجماع واسع بين كل العناصر العرقية والدينية فيها، سلامتها الاقليمية كوحدة سياسية وبالتالي يؤثر على كل جيران سوريا وفي داخل الاردن. لبعض من 150 الف سوري فروا من سوريا الى شمال الاردن يوجد أقرباء من العائلة – العشيرة، بين السكان الاردنيين في ذات المنطقة. وامكانية أن يكون للجناح السوري من "الاخوان المسلمين" في سوريا موطيء قدم في الحكم الجديد في دمشق، الامكانية التي لا تبدو اليوم غير معقولة، اضافة الى ثبات هذه الحركة في الحكم في مصر والزخم الذي تحققه في الاردن، يجب أن تقض مضاجع النظام في الاردن. ردود الفعل في الاردن على انتخاب مرسي رئيسا لمصر كانت منضبطة (وزير الخارجية جودة ارسل وهو يحمل رسالة من الملك بعد عشرة ايام من نشر النتائج النهائية. واعرب الملك في رسالته عن رغبته في لقاء الرئيس مرسي). كما أنه لا ينبغي اعتبار زيارة خالد مشعل الى الاردن قبل نحو شهر او الاستقبال الودي الذي لاقاه اكثر من حاجة سياسية "لابقاء اليد على النبض". التقديرات التي اطلقت حول فتح محتمل لمكاتب حماس في الاردن تبدو في هذه المرحلة عديمة الاساس. فالملك الاردني لا بد سيرغب في أن ينتظر ليرى كيف يتطور الصراع غير الخفي على الاطلاق بين فتح وحماس وبالتأكيد سينتظر ايضا نتائج الصراع الداخلي، الذي يديره بنفسه حول صورة النظام الاردني.

ولكن حتى قبل أن تتضح هذه المسائل، يفترض بالاردن أن يتصدى لموجة اللاجئين التي ذكرت آنفا والضغوط الاقتصادية التي تخلقها، المصاعب في توريد الطاقة كنتيجة للتفجيرات المتواترة لانبوب الغاز المصري، وارتفاع أسعار المنتجات الغذائية الاساسية. كل هذه تضاف الى المخاوف من أن تجلب موجة اللاجئين هذه معها بذور الاضطرابات التي زرعت في شكل خلايا ارهاب لمنظمات كالقاعدة، التي هربت الى الاردن في شكل لاجئين.

الملك عبدالله الثاني نجح في اقناع محافل مركزية في الاسرة الدولية بخطورة الازمة وتلقى الاردن حقنة تشجيع مالية من مصدرين مركزيين. فقد صادق صندوق النقد الدولي (بشكل مبدئي، حتى المصادقة النهائية من مجلس الادارة) على ائتمان لثلاث سنوات بحجم 1.364 مليار SDR (وحدات الحساب المتبعة في الصندوق والتي تساوي 2 مليار دولار). وهذا قرار استثنائي في حجمه، كما يشير بيان الصندوق نفسه، ويعكس القلق والتفهم للوضع الخاص الذي علقت فيه المملكة.

صندوق الخليج الذي أقامته العربية السعودية، اتحاد الامارات، قطر والكويت، قرر منح 5 مليار دولار على مدى خمس سنوات لمشاريع التنمية. ولا بد أنه لا يخفى عن ناظر المتبرعين الحاجة الى دعم النظام الملكي العربي، الذي يتعرض لضغوط سياسية داخلية ويتصدى لنتائج المذبحة التي يرتكبها النظام السوري. ولا بد أن الملك عبدالله الثاني، الذي سافر الى الكويت في 29 تموز، سيشكر مضيفه على القرار بتسريع تحويل جزء من تبرعات الكويت الى الاردن. يحتمل أن تكون التوقعات التي ينشرها مسؤولون اردنيون عن أن المساعدات من صندوق الخليج ستجتذب 12 مليار دولار من الاستثمارات الخارجية في الاردن، مبالغا فيها، ولكن لا ريب أن الملك الاردني نجح على الاقل في هذه الساحة، الاقتصادية، لتعزيز وضعه.

انشر عبر