شريط الأخبار

إعلان قطاع غزة "محررا": خطوة في المجهول! ..بقلم : خالد الحروب

07:31 - 23 تموز / يوليو 2012

لماذا تمنى ويتمنى كثير من القادة الاسرائيليين ان يستيقظوا ذات صباح فيروا قطاع غزة وقد بلعه البحر بأكمله؟ ولماذا تتسارع الخطوات احادية الجانب من قبل اسرائيل التي تعزز من فصل القطاع عن الجسم الفلسطيني وتكرس القطع الجغرافي عن الضفة الغربية؟ ولماذا كان تفكيك المستوطنات ونقل المستوطنين من هناك خطوة يمكن القيام بها كما حدث العام 2005؟ اسرائيل تدرك ان اكلاف ابقاء السيطرة الاحتلالية على القطاع اكثر بكثير من فصمه مباشرة، وان ما تجنيه من خطوة الفصل يحقق مكاسب استراتيجية كبيرة لها. اذا اخرجت اسرائيل القطاع من المعادلة السياسية فإنها تفصم الرافعة الاهم في النضال الوطني الفلسطيني خلال التاريخ الحديث والمفتوحة على مصر ثم العالم كله من ورائها.
 في القطاع تشكلت وتبلورت الاحزاب والتيارات السياسية الاهم في حقبة ما بعد قيام اسرائيل، من الشيوعيين، الى القوميين، والوطنيين والاسلاميين، وفيه تظل تتبلور تيارات المقاومة والصراع ضد الاحتلال.
اذا اخرجت اسرائيل القطاع من المعادلة السياسية فإنها تقضي على ما تبقى من اي تكامل عضوي للقضية الوطنية، ويتحقق لها ترسيخ الاستفراد بالضفة الغربية وتوفير المناخ المناسب للمضي اكثر واعمق في المشروع الاستيطاني المتوحش في القدس الشرقية والضفة الغربية. ويرتبط بذلك بطبيعة الحال إنهاء فكرة الدولة الفلسطينية الواحدة على اراضي 1967 والتي تتوافق عليها التيارات السياسية الفلسطينية جميعها. قطاع غزة هو الشريان الحيوي والقلب النابض لمثل تلك الدولة لأنه بوابتها على البحر والعالم. الضفة الغربية من دون قطاع غزة تغدو مخنوقة بين مطرقة اسرائيل وسندان المستوطنات.
يُساق هذا الكلام، ومثيله كثير لا تتيح المساحة هنا تغطيته، على خلفية اخبار تقول ان حماس تدرس خيار اعلان قطاع غزة منطقة محررة من اراضي الدولة الفلسطينية المتوافق عليها، وذلك عبر الاتفاق مع مصر. ويقوم هذا الاعلان على اساس انهاء الارتباطات التجارية مع اسرائيل بشكل اساسي واستبدالها بعلاقات تجارية مع مصر عبر معبر رفح، والانفصال كليا عن اسرائيل.
 وتتشجع حماس على هذه الفكرة بسبب الوضع السياسي الجديد في مصر ووجود محمد مرسي في سدة الرئاسة. ربما يجد كثيرون في هذه الفكرة جاذبية خاصة تتمثل في التمكن من اعلان جزء من فلسطين التاريخية محررا من الاحتلال الاسرائيلي، بيد أن المخاطر والشراك الكامنة في هذه الفكرة كبيرة وتحتاج الى تفكير معمق وجماعي. اولا وقبل كل شيء من الضروري استخدام خطاب واقعي يصف ما هو على الارض وليس الرغبات والتمنيات. الشرط الاساسي لاعلان قطاع غزة منطقة محررة، وذهابا مع هذا المنطق الى اخره، يتمثل في تحرير بحر غزة من السيطرة الاسرائيلية واستطاعة الفلسطينيين التواصل مباشرة مع العالم من دون المرور بأي وسيط ثالث سواء اكان عدوا كاسرائيل، او شقيقا كمصر. هذا الشرط غير متحقق وينفي سمة "المحررة" التي ينطوي عليها الوصف.
ثانيا، وتعاملا مع السؤال الذي يقول: "ماذا يستفيد الشعب الفلسطيني من ابقاء غزة تحت الاحتلال" فإن الرد البدهي هو بالطبع لا يستفيد الشعب الفلسطيني من بقاء غزة او اي شبر من فلسطين تحت الاحتلال الاسرائيلي، لكن تكملة الرد هي الاهم وهي: لماذا اذا يريد الاحتلال التخلص من غزة؟ لأن غزة هي الكلفة الاكبر والشوكة الاكثر ايلاما، فإن تخلص منها يستطيع تكريس الاحتلال الناعم للضفة الغربية. غزة هي الورقة الضاغطة الاهم فإن اخرجناها طوعا فماذا يتبقى من اوراق لاستخدامها، سلما او مقاومة او تهديدا، من اجل القدس والضفة الغرببة؟ الفكرة الاكثر صوابية ربما تكون في التمسك بشي من قبيل "لن تتخلصوا من شوكة غزة إلا بحل شامل في الضفة الغربية والقدس".
ثالثاً: اعلان قطاع غزة منطقة محررة من طرف الفلسطينيين يعني انهاءً لوضعها الدولي والقانوني كمنطقة محتلة. وينتج عن ذلك الاعلان بروز كيان ليس له سمة الدولة وغير معترف به قانونيا وسيكون شبيها بقبرص التركية التي لا تعترف بها سوى تركيا. مصر في حالة غزة سوف تكون الدولة الراعية لهذا الكيان، لكن هذا يترتب عليه اكثر من مسألة حساسة وخطيرة. اولها تحييد المقاومة تماما وهي قضية تقول حماس انها تشكل عماد برنامجها السياسي. ففي حال نشأت منطقة "محررة" غير معترف بكونها واقعة تحت الاحتلال الاسرائيلي وتسيطر عليها حماس، فإن حماس نفسها سوف تضيق مساحات تحركها العسكري والمقاومي ضد اسرائيل اكثر مما هي ضيقة الآن. وهناك اكثر من سبب وراء ذلك اولها ان مسوغ المقاومة وهو مواجهة وطرد الاحتلال سوف يضعف ان لم ينتف. طبعا سوف تجادل حماس، محقة، بأن بقية الاراضي الفلسطينية لا تزال محتلة وهي تقاوم لأجلها، لكن هذا التبرير لن يجد مكانا له في الاعلام والسياسة الدولية آنذاك. وثانيها ان الدولة الراعية، مصر هنا، سوف تتحمل المسؤولية القانونية عن اي عمل عسكري يصدر عن "الكيان المحرر"، وعلى وجه التأكيد ان مصر في المدى القصير والمتوسط غير مستعدة لمثل تورط كهذا. كل هذا من ناحية مفهومية ونظرية، لكن هناك ناحية اخرى وهي عملية وواقعية خاصة بالمقاومة، ذلك انه اثر بروز "الكيان المحرر" سوف تقل شهية حماس للمقاومة وتنخرط اكثر واكثر في التمكن والسيطرة على الشكل الجديد ومشكلاته. وفي حال فكرت في المقاومة واطلاق صواريخ مثلا فإن الانتقام الاسرائيلي سوف يكون ابشع مما عرفناه لأن يده ستكون مطلقة بكونه يرد على اعتداء قادم "من خارج الحدود" وليس على مقاومة في ارض خاضعة لاحتلاله، وسوف يلقى ذلك تفهما دوليا اكبر مما هو الوضع الحالي.
رابعاً، تنبني فكرة "المنطقة المحررة" بشكل اساسي على الفرصة التي اتاحها التغير السياسي الذي حدث في مصر وجاء بالاخوان المسلمين الى سدة الحكم. ماذا سيحدث لو تغير الوضع في مصر بعد خمس سنوات وخسر الاخوان مركزهم القيادي؟ عندها قد ينتهي القطاع، الكيان المحرر، الى حالة فريدة إذ لا هو منطقة محتلة من قبل اسرائيل وبالتالي لا تتحمل المسؤولية القانونية والاحتلاليه، ولا هو كيان مستقل، ولا هو كيان مفتوح على العالم عن طريق البحر، او عن طريق البر.
خامسا، من شبه المؤكد ان خطوة احادية كهذه سوف تعني تعزيز الانقسام والانفصال القائم حاليا، لانه يتجه بغزة نحو معبر رفح عوض ان يتجه بها نحو معبر بيت حانون (ايرز). عوض الاتجاه نحو مصر على غزة وحماس الاتجاه نحو الارض الفلسطينية وتجييش عشرات الالوف يوميا للتظاهر على معبر ايرز بكونه يفصم الديموغرافيا الفلسطينية، مخالفا القانون الدولي وحقوق الانسان، ولأن الضفة الغربية وقطاع غزة كلاهما واقع تحت الاحتلال ومن مسؤولية هذا الاحتلال توفير حركة الناس.
 فتح معبر بيت حانون يجب ان يكون هو الاولوية وهو البند الذي يتصدر كل المبادرات السياسية والمقاومة الشعبية وسوى ذلك وليس معبر رفح.
 ثم واخيرا يجب ان لا تستفرد حماس بالاعلان عن خطوة كهذه مهما بدت الاغراءات، وحتى لو كانت قناعاتها بها قوية. فهذا يجب ان يتم عبر توافق وطني ونقاش عام. والمفارقة ان ملفات المصالحة المتعثرة بين فتح وحماس مليئة بالشروط التي تفرض على الطرفين التوافق "الوطني" حتى على اشياء سخيفة وهامشية ثم فجأة يتطور اتجاه في غزة او الضفة من الحجم الهائل والثقيل يريد احد الطرفين الانفراد به والمضي غير عائب بالآخر والاخرين كلهم.
 

انشر عبر